من فضل الله على عباده في هذا الزمن، ذلكم الفتح الكبير في سبل التنقل، ووسائل الاتصالات. لهذا الفتح ثمار طيبة، وتأثير كبير على المستقبل ودراساته، ولن يخلو من منغصات، وكان أمر الله قدرًا مقدورًا. في حديث عابر قريب ذكرت بعضًا مما سمعته، أو قرأته، أو وقع لي، وله مساس بالطائرات والمطارات، فلما أعجب بذلكم الحديث من يوثق برأيه، رأيت أن أكتب نصه كي لا أنساه، ولعل هذه الذكريات أن تفيد القارئ وتمتعه، وآمل ألّا يكون فيها ما يخيف الناس ونحن على وشك إجازة صيف وموسم سفر، فتوكلوا على الله وعين الله ترعاكم.

الراحل بسكون:
ركب زميلنا الصيدلي معيض بن سعود الحبابي الطائرة المتجهة إلى جنوب إفريقيا لحضور مؤتمر أو معرض دوائي هناك، ولم يدر بخلده ولا بخلد أحد، أن تلك البسمة المشرقة، والطاقة المتوقدة، سوف تنطفئ على مقعد هذه الطائرة وصاحبنا يرقد فيه بطمأنينة وهدوء! والشيء بالشيء يذكر، فحين دخلت والصاحب العزيز الصيدلي محمد بن صالح العقيل إلى طائرة متجهة إلى جدة، علمت منه أن زميلنا الصيدلي ماجد بن فايز الشهري قد توفي في كندا التي كان مبتعثًا للدراسة فيها بعد أن صار ضابطًا في قطاع عسكري. اللهم اغفر لأبي حمد، ولأبي رياض، ولجميع الموتى من المسلمين، وقد بدأت بهما لأكسب دعاء القارئ لهما ولمن كتب. إن القدر يأتي بغتة، والخبر عن بعض الصحب يصلنا متأخرًا أحيانًا.
التكبير يغلب التصفيق:
زرنا مع كلية الصيدلة مدينة ينبع الصناعية في رحلة طلابية تستحق أن يفرد لها مقال خاص، وحين رجعنا بالطائرة تعرضت لمطبات هوائية شديدة، حتى أن قائد الطائرة أعلن عن نيته التوجه إلى المنطقة الشرقية بدلًا من الرياض. وخلال هذه المطبات أدرك الذعر والهلع عددًا كبيرًا من ركابها الأجانب المنتمين لأمريكا وأوروبا، بينما كانت الكتلة الأخرى من الركاب ساكنة تذكر الله، وأستاذنا د.منصور السعيد يلتفت علينا بين فينة وأخرى رافعًا صوته بدعاء ذي النون عليه السلام: لا إله إلّا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. وحين هبطت الطائرة بسلامة في مطار الرياض رفعت كتلتنا أصواتها بالتكبير والحمد، وأما أولئك الأعجام الأغتام فلا يعرفون سوى التصفيق، وذلك مبلغهم من العلم، وهذا بسبب الفرق بين ثقافتين وحضارتين.

المشكلة أنه مؤمن!:
يقول صاحبي: كنت في رحلة محلية من الرياض لجدة في طائرة ضخمة، وصادفت الطائرة أوضاعًا جوية سيئة، وقد علا الصراخ والبكاء من الأطفال والنساء وضعفة الرجال، والموقف مهول مخيف على التحقيق. المهم حاول طاقم الطائرة تهدئة الناس وقد أفلحوا إلّا مع راكب واحد من اليمن العزيز، فقام إليه بعض الأخيار من الركاب، وخاطبوه بلين القول كي يسكت أو يخفض من صوته المزعج الذي لم ينقطع وقد يؤثر على غيره، ومما قالوه له: قائد الطائرة محترف، ومؤمن يخشى الله فينا! وحينها أجابهم الراكب بقوله: المشكلة أنه مؤمن! تسقط بنا الطائرة ونموت ويقول قضاء وقدر! فتحول جوابه الذي لم يوفق فيه إلى طرفة أضحكت كل من سمعها، ويبدو أن الخوف الذي سيطر عليه قد أنطقه بهذه البداهة.

حسناء بين السماء والأرض:
سافر إلى مصر في مهمة قصيرة، وحين عاد لاحظ في المطار جلبة تبين أنها زفة لعروس. وقد حضر والدا العروس، ونظرا في وجوه المسافرين، وبفراستهما وقع اختيارهما على صاحبنا لتكون العروس أمانة معه، يسلمها لزوجها في الرياض؛ ولذا طلبوا من الطاقم الأرضي إعطاءها مقعد بجانب صاحبنا الوقور، فدخل الرجل والوديعة الحسناء بكامل زينتها معًا لإكمال بقية الإجراءات، فصارا إلفين وهما الغرباء عن بعضهما! وفي صالة المغادرة، وداخل الطائرة، وعندما وصل للمطار، كانت العيون ترمقه لدرجة الافتراس البصري أحيانًا، وربما قال بعضهم في نفسه: أي ليلة مليحة سيمضيها الرجل! ولعلهم لم يشاهدوه وهو يؤدي الأمانة لزوجها الذي جاء للمطار بكامل أناقته ليستقبلها، والله العالم كيف كانت ليلة صاحبنا!
الصقور والقات!:
من طرائف يوميات بطرس غالي بين النيل والقدس، أنَّه ووفده المرافق لم يجدوا مقاعد على طائرة متجهة من أديس أبابا إلى جيبوتي بحجة امتلاء الطائرة بالركاب، ثمّ بوساطة من السَّفارة المصرية منحوهم المقاعد المطلوبة. وحين ركبوا في الطّائرة تفاجئوا بخلوها من الرّكاب! وأنَّ على كلِّ مقعد لفائف من القات! فكانت هذه هي المفاجئة الأولى.
أما الثانية فعندما وصلوا للمطار هالتهم حشود المستقبلين، لكن هذه الحشود كانت من أجل القات وليست لهم! وشبيه بهذه القصَّة ما سمعته عن برلماني خليجي أنَّه والوفد الذين معه، أجبروا على ترك مقاعد الدَّرجة الأولى، على متن طائرة عائدة لبلادهم من إحدى بلدان المغرب، وبعد استقرار الطَّائرة في الجو؛ ذهب جرئ منهم ليستطلع من أخذ مقاعدهم وكان أحقّ منهم بها، فوجدها مليئة بصقور الصَّيد! ولم يكتب الرجل هذه الحكاية في سيرته المطبوعة.

عندما غيروا أرقام مقاعدنا:
عدت وصاحبي من سفر دولي، وكنا في صالة الانتظار التابعة لشركة الناقل في المطار، وفجأة سمعنا اسمه واسمي، والمنادي يطلب منا مراجعة الموظف، ففعلنا، ولم يزد على أن أخذ بطاقات الصعود التي كانت ورقية آنذاك، وغير أرقام مقاعدنا فقط بخط يده. وعندما صعدنا إلى الطائرة ذهبنا للمقاعد الجديدة، ولكن الذي لم نفهمه أن عروسين أتيا إلى المقعدين نفسهما، ومعهما بطاقات مطبوعة لهما، بينما بطاقاتنا قد كتب عليها بخط يد الموظف فوق المطبوع! وقد ارتبك الزوج المسكين، لكننا قلنا له: المقاعد لدينا متساوية، وأنت وعروسك أولى بهما، وسنذهب لمقاعدنا الأصلية، وأفهمناه والملاحين القصة التي كانت مثار استغراب الجميع.
الوزير الناجي:
سمعت وقرأت عن نجاة رجل الدولة الأردني سليمان عرار، وخلاصة الواقعة المرعبة أنه ركب طائرة من بغداد لعمان في 24 من شهر ربيع الآخر عام 1407 الذي يوافقه يوم 25 من شهر ديسمبر عام 1986م، وكان في الدرجة الأولى مع أخيه وآخرين، وبعد نصف ساعة أعلن بعض الركاب اختطاف الطائرة، ومعهم قنابل، وطلبوا أن تتوجه إلى طهران! ولذا حدث عراك بين أمن الطائرة والمختطفين الذين فجروا القنابل، ولم يستطع القائد السيطرة على الطائرة المملؤة بالدخان، فسقطت في مدينة عرعر الحبيبة عاصمة منطقة الحدود الشمالية السعودية، ومع سقوطها انشطرت إلى قسمين بينهما مئة متر، وقد استطاع جميع ركاب الدرجة الأولى النجاة، وأولهم خروجًا هو عرار نفسه، بينما لقي ركاب الدرجة الأقل حتفهم بلا استثناء مع الخاطفين الأربعة وعددهم قريب من السبعين.

ليس هذا خبر هذه الرحلة فقط؛ فمما سمعته عن هذه الرحلة ثم قرأت بعضه منسوبًا لرجل أعمال أردني من الناجين، أن راكبًا من السودان قذفته الطائرة في الصحراء، فوقف وقال لمن أمامه من رجال إسعاف وإطفاء: أنا فلان، ثم تشهد وتوفي! وهذا ليس آخر شيء، فقد قيل لي إن سليمان عرار توفي في القاهرة عام 1998م وهو يحضر اجتماعًا برلمانيًا عربيًا بعد أن كتبت له الحياة عقب تلك الحادثة المروعة التي وثقها بكتاب عنوانه: “الرجوع إلى الأرض”.


ومن عجيب المصادفات أن رقم هذه الرحلة هو (163)، وهو مماثل لرقم الرحلة التي انطلقت من الرياض إلى جدة ثمّ عادت للرياض محترقة وتوفي كل من فيها، وهذه الحادثة الأليمة وقعت في شهر شوال عام 1400= أغسطس عام 1980م، وقد تتبع أخبارها الكاتب منصور العساف في كتاب عنوانه: “الرحلة 163: قصة عودة طائرة السعودية (HK) إلى مطار الرياض القديم ووفاة جميع ركابها”.

أسأل المولى الحفظ لجميع المسافرين برًا وبحرًا وجوًا، فهذه الحوادث على أي حال نادرة جدًا في تاريخ الطيران، وسبق لمجلة القافلة الماتعة أن أصدرت ملفًا عن الطائرات وحوادثها، وتبين أنها من أكثر وسائل النقل أمانًا، والله يسلّم الجميع، ويحفظ الكافة، ويزيدنا يقينًا وعافية وإيمانًا مسلّمًا بالقضاء والقدر. ومما لا يخفى أن الحياة بجملتها، والارتحال على وجه الخصوص، مظنة للمواقف والقصص، ويحسن إلينا من يروي لنا ذكرياته ولو بعد حين، فما كان مخيفًا وقتها فهو اليوم عبرة فقط، والمحرج منها والطريف يجعلنا نبتسم، فنحن بحاجة إلى البسمة!
الرياض- الخميس 03 من شهرِ الله المحرم عام 1448
18 من شهر يونيو عام 2026م
2 Comments
العزيز احمد العساف
طال الزمن ولن التقيك
نفضت غبار الرمن بكتابتك الرشيقه والتي اكملتها بنهم رغم الضيوف و انتصاف الليل
اتمنى ان تكون بخير
أهلا بأبي الفضلي وآمل أن نلتقي على خير فإن لم تتيسر اللقيا فليكن لكل واحد نصيب من دعاء صاحبه!