سير وأعلام عرض كتاب

الشيخ حمود التويجري: الصادع بالحق والسنة

ذهبت لأداء صلاة الجنازة على عالم راحل، فهالني الحضور الكثيف في جامع الراجحي القديم شرق الرياض مما اضطرني للوقوف بعيدًا والقدوم ماشيًا، فلاحظت قبل الصلاة وبعدها، مشاركة جمع من الأمراء الكبار، والمشايخ الأئمة، والوزراء، وطلاب العلم والوجهاء والأثرياء، هذا غير عامة الناس الذين تدفقوا فأغلقوا الشوارع، وأقفلت أبواب الجامع حتى قال الإمام مخاطبًا من معه جنازة ألّا يتخطى بها الصفوف، ولها أجر كل من صلّى حسب فتوى الشيخ الحبر عبدالعزيز بن باز -رحمه الله- الذي أمّ المصلين.

في تلك الليلة أو بعدها مباشرة، أقيمت محاضرة عامة في الجامع نفسه، فقال المتحدث الشهير: إن بركة العالم عمت حتى الأموات؛ فتلك الجموع الضخمة التي ملأت المكان صلّت على الجنائز المترافقة مع الجنازة المقصودة، ونال أصحابها من بركة الدعاء والاستغفار، واصطفت لهم صفوف ماكانت لتتم لولا وفاة العالم الذي توافدت الناس لأداء الصلاة عليه، وليس شيء أدلّ على ذلك من أن بعضهم لم يقم على قبره إلّا بضعة عشر مشيعًا!

كان ذلكم الراحل الذي انساقت له الناس جماعات وأفرادًا هو الشيخ القاضي المحدث حمود بن عبدالله التويجري (1334-1413=1916-1992م)، الذي أقف على عجل هذا اليوم مع كتاب صدر عنه قبل عقدين تقريبًا، عنوانه: وفاء العقود في سيرة الشيخ حمود بن عبدالله التويجري رحمه الله (١٣٣٤-١٤١٣). هذا الكتاب من إعداد د.عبدالعزيز بن محمد بن عبدالله السدحان، وتقديم سماحة المفتي -آنذاك- الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ، وفضيلة الشيخ الدكتور عبدالله بن جبرين، وقد صدر عن دار المغني للنشر والتوزيع، ويقع في (٩٥) صفحة، ويتكون من التقديم والمقدمة، ويتبعهما ثلاثة وعشرون عنوانًا، ثم ملحق وفهرس.

يمتاز هذا الكتاب بالاختصار المفيد، والجمع بين الرواية والتحليل. ومن مزاياه أن مادته مستلة من كتاب ألفه الشيخ عبدالكريم نجل الشيخ حمود، ولما يطبع بعد، وحسنًا فعل الشيخ الابن حينما أتاح للمؤلف الشيخ د.السدحان نسخة منه، وهذه ميزة إضافية؛ فالشيخ عبدالعزيز صحب الشيخ المترجم خمسة عشر عامًا، وهو -أي الشيخ السدحان- ممن جمع الله له متين العلم مع ملحه، وغاص على الدقيق من المعاني وبديع اللفتات، وهذا ملمح جليّ في مؤلفاته ودروسه وكلماته النافعة في الإذاعة والمساجد، حتى أن الشيخ لو خصص له برنامج إعلامي لتابعه جمهور عريض من شتى البلدان العربية، لحكمته، وحلاوة منطقه، وجمعه بين العلم والأدب واللغة والتاريخ.

كما يمتاز كتابنا بأنه عرض بالتحليل الدقيق الواضح الموجز لأسلوب الشيخ حمود في كتابة الردود العلمية المتقنة على المجتهدين المخطئين، أو على أهل الزيغ والانحراف، حتى غدا مثل المنجنيق الذي يحرق بشهب الحق قشّ الضلالة، ويضيء بأنوار السنة سدف الجهل، ويطرد ضلالات البدع، ويناقش أهل العلم بتوقير وإجلال وحسن ظن. ولهذا الأمر أهمية لوفرة ما كتب الشيخ حمود من ردود صدعًا بالحق، وأمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر، بلا جناية ولا إساءة، وهو منهج نحتاجه، براءة للذمة، وإعذارًا، وبيانًا وتبيانًا، وعلى الله قصد السبيل ولو كان موحشًا أو قليلًا سالكوه.

وفي الكتاب بيان لأثر التنشئة الطيبة؛ ذلك أن الشيخ تيتم وهو دون العاشرة، فتكفلت والدته سليلة بيت العلم والتاريخ المرأة الصالحة هيا بنت محمد بن عبدالله الفاخري -رحمها الله- بتربيته مع أخيه الشيخ النسابة عبدالرحمن -رحمهما الله-، حتى برزا في العلم والعبادة، وصدقت فيهما رؤيًا قديمة لها حين رأيت أن أباهم يعطيها مصحفين، وأي شيء أجل واسمى من المصحف الشريف؟! وبعد أن شبّ الشيخ لازم أكابر علماء عصره، وصرم مع قاضي المجمعة الشيخ عبدالله العنقري ربع قرن يتتلمذ على يديه، ولم يقتصر عليه إذ درس على غيره، وبسبب رسوخه وتحريه تسابقت المؤسسات للظفر بطباعة مؤلفاته، وكتب بعض المشايخ الكبار-رحمهم الله- تقديمًا لها مثل: محمد بن إبراهيم، وعبدالعزيز بن باز، وعبدالله بن حميد، وعبدالرزاق عفيفي، ومحمد بن عثيمين، مع أن الأخير أصغر منه سنًا، وهي إشارة لتسامي الشيخ عما يحسب له الآخرون ألف حساب!

وقد تولى الشيخ القضاء في بلدتين ثمّ أعتذر عن القضاء بإصرار، وعرض عليه الشيخ ابن باز الانضمام لعضوية الإفتاء وهيئة كبار العلماء، فرأى أنه مستعد للتعاون دون عضوية، وصرف جهده كله للتدريس والتأليف، وهما جناحا العلم الباقي الذي ينتفع به، ونتيجة لذلك خلّف الشيخ مكتبة مفهرسة مجلدة، وعلى بعض كتبها تعليقات أو تحذيرات، وأبقى كتبًا منسوخة بخطه، ومؤلفات يصل عدد أوراقها إلى تسعة آلاف حسب إحصاء الشيخ السدحان.

علمًا أنه صنف هذه المؤلفات كلها وحده دون معين من بشر أو أداة، وبعضها مرجع عميق يغيث الباحثين مثل كتابه عن أشراط الساعة. ومن أجلّ وأندر ما تركه الشيخ حمود سبعة من الأبناء المشايخ -ماشاء الله تبارك الله- الذين تتلمذوا على يديه ونهلوا من معينه العذب، هم المشايخ: د.عبدالله، ود.محمد، ود.عبدالعزيز، ود.عبدالكريم، ود.صالح، ود.خالد، ود.إبراهيم، وزاد أن درس عليه حفيده د.محمد بن عبدالله، وتلك عراقة علمية لا تخفى، أدامها الله، وبارك لها وعليها، وإن من يبصرهم ليرى فيهم أثر الأبوين الصالحين، وأنوار العلم والسنة، حتى حصل جلّهم على شهادات عليا، وأجادوا في التدريس الجامعي.

أما سمت الشيخ وخلقه، فمنه أنه بار بأمه لأقصى حدّ، حتى أنه سعى فيما يرضيها، وحملها، ونام معها في غرفتها آخر سنتين من عمرها وهي مريضة، وهذه منقبة له، ومحمدة لزوجه الصالحة -حفظها الله ورعاها-. ومن هديه حرصه على أن يلتزم كل من يدرس عنده بالحضور الباكر للمسجد، مع التحلي بحلية طالب العلم. ومن خصاله الوفاء لأشياخه وتوقيرهم، العدل مع المخالف، والتنزل له بالافتراض، والثناء على من يستحق منهم، فبين الشيخين التويجري والألباني-رحمهما الله- من التزكية والثناء ما لايقع مثله ممن كتبوا الردود العلمية على بعضهم.

وحين يقترب وقت الصلاة يتجهز لها الشيخ الناسك بأحسن لباس، وأزكي طيب، فلا يكاد المؤذن أن يشرع في النداء إلّا والشيخ خلفه، وما أقوى العالم العابد، وما أعظم الحاجة له. ومن لطيف صنيع الشيخ احتفاظه بسجل فيه تواريخ مواليد الأسرة، وضبط الرضاع، وهي نباهة لا تستغرب؛ فضبط وقائع الرضاعة مهم، والحمدلله أن وجدت في عصرنا لحفظ الرضاع قنوات رسمية في مواقع حكومية، وفي تطبيقات الأسر.

كذلك من خبر الشيخ في التأله أنه حافظ متقن للكتاب العزيز، ولا يحتاج لأن يفتح عليه أحد من قوة حفظه، وله عناية فائقة بالسنة الشريفة حفظًا وتطبيقًا ومنافحة بها وعنها. وفي وصيته طلب إلى أولاده مسامحته إن تجاوز الحد في تربيتهم، وكم من معاصر يجب عليه طلب المسامحة من ذريته في التفريط أو الإفساد! ولم يُسمع من الشيخ يمين، ولا غيبة، وما أصعبهما حتى على الصالحين. وقد رفض شيخنا أن يضطجع على بطنه بناء على طلب الطبيب المعالج، مع أن ذلك يسعه للضرورة، وكان شديد المحافظة على النوافل القبلية والبعدية، وقيام الليل، وصلاة الضحى، وصيام الأيام البيض، وإدامة الحج والعمرة.

وفي يوم الثلاثاء الخامس من شهر رجب عام 1413 فاضت روح الشيخ إلى بارئها، وصلي عليه يوم الأربعاء في جنازة مذكورة بالمسجد والمقبرة، بعد أن ترك الكثير من الآثار الحميدة الطيبة الباقية حتى بعد غيابه عن هذه الأرض التي مشى الشيخ فوقها مجاهدًا نفسه، ومغالبًا بصرامة وصدع تراخي العصر بنشر العلم، وتربية الطلبة، وتأليف الكتب، وسك الردود المحكمة المسبوكة على المخالفين، وهجران من يستحق الهجر، حتى وفقه الله لشرف الإتباع، ووعي الحكمة من منابعها الأصيلة، فنطق بكلمات مقتصدة، وآراء بينة، لو وجدت من يبعثها ويجدد بثها في عالم التواصل الجديد، لكتب لها من الذيوع والانتشار ما يزيد في أجر الشيخ، ويخلد له لسان الصدق في الآخرين، وعسى أن يكون من بعضنا إلى الحق والرشد توبة وأوبة.

ahmalassaf@

الرياض- الأربعاء يوم عيد الأضحى المبارك عام 1447

27 من شهر مايو عام 2026م

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.