سير وأعلام شريعة وقانون عرض كتاب

أعلام التفكير القانوني

أنا سعيد بهذا الكتاب العربي الذي وقع بين يدي بعد طول انتظار؛ ولذا قدمته على ما كان بيدي من كتب، وأرجأت الذي كنت أقرؤه، وهذا من الإرجاء الثقافي المقبول أحيانًا. عنوان هذا الكتاب: أعلام التفكير القانوني، تحرير وتقديم: أحمد حمدان، تأليف: أحمد حمدان، وحسين علام، وفارس القرني، ومصطفى الشريف، ووليد مكي. صدرت الطبعة الأولى منه عام (2026م) عن الدار المصرية اللبنانية، وعدد صفحاته (246) صفحة.

   

يتكون الكتاب من شكر، والمقدمة، ثم قسمين في كل قسم سبعة فصول، يتلوهما الخاتمة فسير المؤلفين. يدرس هذا الكتاب أربعة عشر علمًا من أهل القانون، نصفهم من الشرق في القسم الأول، والنصف الآخر من الغرب وهم في القسم الثاني. هؤلاء الأعلام منهم قدماء ومعاصرون، والمعاصرون من الشرق كلهم من مصر، أما المعاصرون من الغرب فتوزعوا من فرنسا وبريطانيا وأمريكا، وأتصور أن أي تجربة قادمة سوف تحرص على الانتشار العربي لوجود أسماء قانونية لامعة ذات إرث وتأثير، ولنفي الشبهة عن أي تحيز، مع الإقرار لمصر بالسبق والكثرة.

ابتدأ الكتاب بشكر فريق رشد، وهو مركز بحثي خرج إلى النور عام (2024م)، غايته بناء الشخصية القانونية العربية؛ فسار في طريق ثنائي يبحث الأفكار والأشخاص، ووضع خطة على أن يكون في كل عام ملف يعكف الفريق فيه على عنصر من العناصر التي لا غنى للشخصية القانونية عنها إن في التفكير أو التعليم أو اللغة أو علم النفس، وكلها -بالطبع- مرتبطة بالقانون. ولأجل ذلك ستدرس نظريات وأفكار وأعلام ورواد دراسة مستوعبة تخرج بأجوبة وحلول، وسيكون لهذه الدراسات طريقان إما رعاية موجود، أو بناء مفقود.

وهذا كتاب عن أعلام يتتبع نشأتهم وجذور تربيتهم، وتأثير بيئتهم وتعليمهم، وسمات عصرهم وإرثهم، وأخيرًا وهو الأكثر أهمية منهج تفكيرهم والعامل الأكثر حسمًا في طريقة نظرهم إلى الأمور. هذا الكتاب ينبش بفضول لا يتوقف باحثًا عن أسرار النبوغ، عن مفتاح التفرد، عن لغز الامتياز، في سيرة ومسيرة أربعة عشر علمًا يمثلون حضارات وثقافات وتخصصات وأنظمة قانونية مختلفة، وأهم سؤال طرح في هذا الكتاب هو تصنيفه هؤلاء الأعلام بالنسبة لمدارس التفكير القانوني وفي القلب منها المدرستان الغريمتان الشكلانية والواقعية، وقبلهما مدرستا القانون الطبيعي ثم الوضعية القانونية، وحتى يكون القارئ على بينة شرح المحرر باختصار واضح هذه المدارس الأربع.

أول شخصية قانونية في الكتاب هو القاضي شريح، الذي مزج بين فهم اللغة وفقه القضاء، وإذا أعوزه الدليل أعمل المنطق فالتمكن من المنطق وأدواته مهم للقاضي، وبملازمة المنطق يهب القاضي للنص حيوات أخرى. بالمناسبة لا أتخيل قانونيًا مؤثرًا بلا علو كعب في اللغة، وإعمال صائب للمنطق، وهذان الشرطان تبرع فيهما كليات الشريعة أكثر من كليات القانون. وعودًا على القاضي شريح الذي كان من نهجه تبجيل النص وتوقيره وحمايته من النبذ وذلك بإعمال القواعد والمنطق فيه؛ ولذا أجاب من استفهم منهم عن اجتهاداته القضائية بقوله: “أحدث الناس فأحدثت”. ومن لطيف الإشارة التنبيه إلى أن القاضي شريح أمضى ستين عامًا في القضاء، واستعمل في دول مختلفة، ومن عدة خلفاء وحكام.

ثم جاء دور ابن رشد الذي كان الاستنباط قدرة خاصة لديه بامتياز، وعنده أن للنص دلالتان حقيقية ومجازية لا تتعارضان؛ ولذلك يرى ضرورة الاستنباط وضرورة التأويل، ولاغرو من منحاه هذا فالدراية أغلب عليه من الرواية كما قال ابن الأبار، وحتى يمتثل لرأيه بحقّ وأهلية غاص في النص ودلالاته وبواعثه وزمنه والغرض منه، فهذا كله يكشف عن وجهة النص وفلسفته. ولا مناص من ذكر عالم الاجتماع والقاضي ابن خلدون الذي التزم باستقلال عمل القاضي وتوقير النص متجاوزًا خبرته السياسية الطويلة وما فيها من خبرات للتفسير والتأويل واستساغة المخالفة بحجج حقيقة أو مصطنعة، وبذلك صان ولايته القضائية من السياسة والنوازع الشخصية.

أما أول واحد من المعاصرين وهو الرابع في هذا القسم فهو عبدالحميد بدوي الذي برزت فيه تعددية القاضي مما أعانه على تسطير سيرته وحفظ مواقفه القضائية التي تعلي من العزة، وتأنف من الخضوع للأجنبي، وتطال باعتماد الشريعة، وتظهر الاستقلال في كل مناسبة ملائمة، ولذلك استطاع الخروج من مآزق كثيرة بما يرضيه، دون إثارة غيره لقوة الحجة، وسلاسة العبارة.

ودرس الكتاب بعده شخصية مصطفى مرعي الذي اشتهر بالانحياز للطرف الأضعف، والتمرد على القانون إذا حمل غبنًا، مع عنايته الدائمة بالعدل والحرية، وبراعته في صناعة الدليل كما في واقعة مهمة عن الأديبة اللبنانية مي زيادة أترك تفاصيلها الشائقة الذكية للقارئ. ويليه شريف بسيوني صاحب الفلسفة القانونية التي جعلت منه مرجعًا دوليًا مهمًا في القانون الجنائي، وسك مصطلح “عدالة ما بعد النزاعات”. وآخر عربي هو طارق البشري القانوني المؤرخ، وحفيد شيخ الأزهر، الذي استطاع لولعه بالتاريخ التنقل الآمن بين حمايتين هما: حماية النص بالتاريخ، وحماية التاريخ بالنص، واستطاع السبق إلى أحكام كتب لها الإقرار بعد عقود.

عقب ذلك يأتي القسم الثاني عن أعلام من الغرب أولهم “مونتسكيو” الذي جمع بين ثقافة القاضي، وبلاغة الفقيه، ووضوح الفيلسوف، وغدا حجة على كل من ابتلي بنقيضه من هؤلاء الثلاثة! وستبقى كتبه وعلى رأسها روح القوانين من المراجع التى لاغنى عنها. بالمناسبة يغلط بعض الناس -وقد سلم كتابنا من هذا الخطأ- حين يصف ابن خلدون بأنه “مونتسكيو” العرب؛ فعالمنا العربي الحضرمي سابق على عالم فرنسا بأربعة قرون تقريبًا، والمتأخر هو الذي ينسب للمتقدم، وصواب التسمية -إن كان لابد منها- أن يقال عن القانوني الفرنسي بأنه ابن خلدون الغرب.

ثم عرج الكتاب بعده على “كريستوفر كولومبوس لانجدل” الذي انتقل من ممارسة العمل القانوني والمحاماة إلى مسؤولية أكاديمية رفيعة في جامعة هرفرد؛ فأحدث ثورة كبرى في طرق تدريس القانون انطلاقًا من السوابق والحالات، معليًا من التعليم بالنقاش والاستنباط والنقد. واستعرض المؤلفون بعده “ليون ديجي” الذي امتطى صهوة الفلسفة للتحكم بالقانون؛ فأعلى من شأن التضامن الاجتماعي وإرادة المجتمع في مقابل سيادة الدولة وقوانينها.

عقب ذلك سوف نقرأ عن “أوليفر هولمز” رائد الواقعية القانونية التي تفضي إلى التنبؤ بما ستقضي به المحاكم بعد استقراء الأحكام والسوابق. يليه “مارك أنسل” الذي ناصر مذهب الدفاع الاجتماعي بعيدًا عن التركيز على التجريم والعقاب، وإنما بإصلاح الفرد من أجل ترميم الانسجام الاجتماعي. وتلاهما “هربرت هارت” مهندس الوضعية القانونية الذي يقدس بالمقام الأول صلاحية القاعدة القانونية للتطبيق. وآخرهم اللورد “دينيج” الذي تبنى الواقعية القانونية حفاظًا على نصوص القانون وابتغاء لروح العدالة في محاولة جريئة للجمع بين المشرق والمغرب دون أن يفقد أحدهما، أو يطغى واحد على أخيه، وفي طريقته إعلاء لمكانة القاضي، ورفع قيمة التفسيرات القضائية، ورفض لفكرة العزلة أو الجمود التي تسللت إلى القانون عبر نظريات وأفكار، والتوازن الرشيد يمنع الفوضى، ويحول دون التعسف.

إنه كتاب جميل، وجهد مشكور، تآزرت فيه عدة عقول قانونية من بلاد ومرجعيات عملية مختلفة، والمنتظر منهم أكثر، والمأمول أعظم؛ فكل الصيد في جوف الفرا، والرائد لا يكذب أهله. وقد برز في الكتاب توقير محمود لشريعة رب الأرض والسماء، وإضافة المراجع في ختام بعض الفصول، وقدرة كتابية -توسعت أحيانًا-، ويشفع لها أنها ذات بيان نضر مشرق إن ممن كتب أو ممن كتب عنهم، وهو ما ألمح إلى أهميته المؤلفون لضرورة الارتقاء بالكتابة القانونية، وسلامتها من الغموض والجفاف مثلما هو نص كتابنا الماتع.

ahmalassaf@

الرياض- ليلة الجمعة 29 من شهرِ شوال عام 1447

17 من شهر أبريل عام 2026م

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

X (Twitter)