سير وأعلام

حمد الجميح وعطاء لا يقطعه الرحيل

في ليلة مرجوة، بل هي الأرجى أن تكون ليلة القدر، وردني بعيد المغرب نعي الشيخ حمد بن عبدالعزيز العبدالله الجميح (1350-1447=1929-2026م)، بعد مدة قضاها في المستشفى، وعسى أن يكون الأجر له مكتوبًا، والدرجة مرفوعة، والتمحيص قد تم له على خير حال، ومع أن الوقت ضيق إلّا أن الإلحاح بالكتابة سيطر علي ولم يفارقني مع عظم شرف الزمان. يعد الشيخ حمد الرجل الخامس والأخير من جيل التأسيس الذي يضم والده الشيخ عبدالعزيز، وعمه الشيخ محمد، وشقيقيه الشيخ محمد، والشيخ عبدالرحمن، وتلك ذرية بعضها من بعض، وإن الخير لمتوارث في الأصول الطيب منبتها، المباركة ثمارها. إن قصة هذا البيت التجاري المحسن تشبه قصص بيوت الأثرياء الكرماء في بلادنا العريقة؛ الذين شاركوا في بناء الاقتصاد، وإحياء الوقف، ومساندة الخير.

تربى الشيخ حمد في بيت تحفه سكينة التدين، وتظهر فيه روح العبادة، من جهة الأبوين والأعمام والأخوال، فجدته لأبيه نورة بنت علي المحمد الصبي امرأة قانتة لله عابدة، حتى أنها تقف في صلاتها كعمود لا يميل. ووالدته الصالحة هيلة ابنة الشيخ إبراهيم بن عبداللطيف العبداللطيف وهو قاض شهير في شقراء،  ونعم المنبت والمبدأ. كما درج في طفولته وشبابه الأول بين يدي آبائه وأجداده وعمه وشقيقيه وأخواله وأمام نواظرهم، يتعلم منهم أصول التجارة، وأصول الأدب والإحسان، ويتلقى عنهم التجارب المفيدة في المجلس والبيت والسوق، ويحمل من الإرث ما يتجاوز المال إلى السمت الحسن والمسؤولية المبكرة. إن الغراس المبكر ذو ثمار يانعة على الأغلب، متى كان التعاهد رفيقًا مستمرًا، يدار بعلم وحلم وحكمة.

ثم عندما افتتحت أول مدرسة حكومية في شقراء التحق بها الشاب حمد وقد تجاوز سنّ البلوغ، ودرس عند أساتذة أجلاء في مقدمتهم الشيخ عبدالمجيد بن حسن، عالم المدينة، وعضو هيئة كبار العلماء فيما بعد. وتزامل معه الشيخ عبدالله بن منيع عضو هيئة كبار العلماء، وظلت صداقتهما قائمة حتى أنهما زارا مقر المدرسة معًا عقب عقود، والتقطا صورة لجوارهما الذي كان، وما أجمل الذكرى حين تستعاد بعد حين، ولو كانت ساعتها ذات مشقة وصعوبات.

من لطيف ما وقع له في يفاعته وعمره دون البلوغ، أن أحد الرجال الكبار من شقراء احتاج إلى دواء، فأرسله الشيخ عبدالعزيز إليه مع ابنه حمد، وحينما أقبل حمد على حشر البواردي في مجلسه، وهو رجل مهيب، كان حمد يمسك الدواء بيده اليمنى، فنقله من فوره إلى اليسرى، وصافح الرجل على هيبته ثم نقل له سلام أبيه وعمه، وأعطاه الدواء، والرجل يظهر تعجبه من تصرف الفتى، وثباته، وجميل صنيعه، وحسن منطقه، ثم يقارنه بلهجته الخاصة مع آخرين حرموا مما حباه الله به، وقد شهد على هذه الحادثة رجال من أسرة الحصين، وسرّ بها الشيخ عبدالعزيز حينما رويت له، ولا غرو فنجابة الأبناء محببة مطلوبة عند الآباء.

وبعد أن رأي والده وعمه ببصيرتهم التجارية أن عالم التجارة يتسارع في العاصمة السياسية وفي العاصمة المقدسة، توجه الأب إلى الرياض مع نجليه، وانتقل العم إلى مكة مع أولاده، وبقي حمد في شقراء وحيدًا يتولى إدارة دكان الأسرة، ويصفيه، ثم يرسل الأموال بعد ضبطها، وهذا دليل على أهليته إذ كان حينها في أول الشباب. وخلال هذه المدة تعلّم الإدارة والمحاسبة، وفهم حكمة الاقتصاد وتقنين الصرف، وأجاد التعامل مع السوق وحركته، والنقل وشؤونه، والتصق عن قرب بجدته، فشاهد منها التأله والتوجه للمولى بالعبادات والمعاملات.

وعقب الفراغ من هذه المهمة ارتحل إلى الرياض ليكون إلى جوار من سبقه من أسرته إليها، وشارك في التجارة بأسواقها، وضبط الحسابات هناك، وتابع مستحقاتهم التجارية لدى الحكومة، وفي ساعة حاجة ماسة للمال من قبل أبيه وعمه بسبب مطالبات تجار الخليج الذين يتعاملون معهم، ذهب حمد موفدًا من والده للشيخ عبدالله السليمان -وزير المالية الأول- عسى أن يعود منه بأمر لصرف مئة ألف ريال من حقوقهم؛ بيد أنه عاد بخمسة أضعاف هذا الرقم، حتى قال له أبوه: والله إنك لموفق!

ومما امتاز به أبو عبدالعزيز الجرأة في التعلم وتجربة الجديد، فقد أتقن فن قيادة السيارة دون علم والده وعمه، وحين اضطرا للذهاب إلى المطار للمشاركة في استقبال رسمي، ولم يكن السائق حاضرًا، تطوع حمد بالقيادة والتوصيل، حتى تعجبا من قدرته، فأخبرهما أنه راقب وجرب وسأل وتدرب فتعلّم. ومن هذا الباب حضوره الباكر في الورش وعند قطع الغيار، حتى أصبحت السيارات وما يخصها موضوعًا معروفًا لديه، وصنعت هذه الخبرة لديه قاعدة يسديها للشباب بضرورة الوقوف على العمل، وفهم أسراره، كي يحسنوا التصور، ولا يقعوا ضحية غش أو قصور في المعرفة، ولذلك عاصر الشيخ حمد تجارة الأسرة وتطوراتها، وبقي ثابتًا على ما يخدم العمل، ويمضي به إلى ساحات أوسع، ومجالات أرحب.

كما فتح الله على الشيخ حمد مثلما هو الحال مع سابقيه وأوائله، فأحب عمل الخير والمشاركة في أبوابه الفسيحة رجاء ما عند الله، وسعى بذلك لنفسه ولوالديه وأسرته، والقبول من الرب الكريم. سمعت من الشيخ حمد قوله: أذكر قهوة في شقراء مزينة، وفي واحدة منها بيت شعر ما نسيته هو: قد يجمع المال غير آكله… ويأكل المال غير جامعه! ثم يعلّق قائلًا: وهذا واقع كثير من الناس، ينهمك ويجمع المال، ولكن السؤال ماذا قدمت؟ وهل تجمع وتذهب وتتركه، أو تذهب وتجده أمامك؟ وهذه إحدى منطلقات العطاء والإنفاق لدى المسدد من عباد الله؛ لأنه يقدّم في دنياه الفانية ما سيجده في آخرته الباقية.

وقد أحب الشيخ حمد بلاده بما فيها من صحاري وبراري قضى فيها أجمل الأيام، وأحب بلاده وأهلها حتى عمّ بصنائع المعروف ديارًا عديدة على رأسها بلدتهم شقراء التي لآل الجميح فيها أعمال لا تنسى، وأحب الشيخ حمد ملوك البلاد وأمرائها، والتقى بهم عدة مرات من الملك عبدالعزيز إلى الملك سلمان وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وشهد أحداثًا مهمة مثل افتتاح قصر المربع، ونقاشات رؤية المملكة 2030، وبهر بلقاء سمو ولي العهد وما يحمله من طموح، ورغبة صادقة في التطوير، وسماع آراء الآخرين.

كذلك سمع الشيخ حمد طرفًا من حوارات جلسة الضحى التي يعقدها الشيخ محمد بن إبراهيم، وحضرها أبوه وعمه، ومن خبرها أن بلدة طلبت تعيين قاض، فعرض الشيخ محمد على الملك عبدالعزيز اسمين وقال: أحدهما عقله أكبر من علمه، والآخر علمه أكبر من عقله؛ فقال له الملك الحصيف: أرسل من عقله أكبر من علمه؛ فنقص العلم يكمله وفور العقل! وحينما ذهب والده مع تجار الرياض للسلام على الملك سعود، رجع راويًا لهم أن الملك يؤكد اهتمامه بتطوير الرياض كي تغدو مثل المدن العالمية؛ ولعل هذا هو الذي جعل الملك سعود يختار أخاه الملك سلمان ليكون حاكمًا للعاصمة، وقائدًا لتحقيق حلمها الكبير، حفظ الله خادم الحرمين الشريفين، وأمده بعونه ونصره، ورحم الملوك والعلماء والوجهاء وجميع الراحلين من المسلمين.

يقول الشيخ حمد في خلاصة سمعتها منه في أواخر عمره: الدرس الذي تعلمته من الحياة هو أن الجد والمثابرة والإخلاص والأمانة هي أساس التوفيق والنجاح، وأن التجارة الرابحة هي التجارة مع الله، وأن الحياة عقيدة وجهاد ولا شي سيأتي بدون تعب. ولعل هذه النظرة الراسخة لديه كانت الحافز وراء أعمال جليلة كثيرة تولاها، منها رواية سيرة والده قدر وسعه، ومن الموافقات أنه بعد وفاة الشيخ عبدالعزيز رأى معالي الشيخ عبدالله بن منيع في منامه هذه الرؤيا؛ إذ رأى أنهم كانوا جالسين تحت شجرة سدر كبيرة جدًا، وجاء الشيخ عبدالعزيز وقال لابن منيع: هذه الشجرة لنا فبلّغ أبنائي وخاصة ابني حمد بأن يعتني بها. ولعلها أن تكون أعماله المباركة المستمرة التي رعاها آله من بعده إلى يومنا، وسيرته التي كان أبو عبدالعزيز أمينًا عليها، حفيًا بها.

بقي أن أقول أني قبل عشرين عامًا رشحت من قبل مقر عملي لحضور برنامج تدريبي لمدة أسبوع كامل، وموضوعه تدريب المدربين، وقدمه لنا المدرب المصري الكبير د.رفعت الشامي، وقد استفدنا منه، وخصني بإهدائي مؤلفاته، واستفاد عملنا من بعض الذين شاركوا فيه لتدريب الموظفين. وبعد الفراغ منه دعيت للمشاركة في برنامج أطول في الموضوع نفسه، يقدمه المدرب السعودي المتميز م.سمير بنتن، وفي آخر يوم زارنا الشيخ حمد، باعتبار أن مؤسستهم الخيرية هي الراعية للبرنامج، وحثنا على الاستفادة من البرنامج ونفع بلادنا والعمل الخيري والمجتمعي، وأشهد أن بعض من شاركوا فيه قد أسهموا في أعمال تدريبية رسمية وخيرية منذ تلك السنة قبل عقدين، وحتى يومنا الذي بلغنا فيه خبر رحيل ذلكم الشيخ المبجل الذي أشرق وجهه الكريم وهو يرانا ويسمع منا، وكان يتحدث إلينا صادقًا دون تكلّف؛ فاللهم تقبل منه، وأجزل له المثوبة أضعافًا أضعافًا خاصة ودعاء هذه الليلة الجليلة له خصوصيته.

ahmalassaf@

الرياض- ليلة الاثنين 27 من شهرِ رمضان عام 1447

16 من شهر مارس عام 2026م

Please follow and like us:

2 Comments

  1. غفر الله له وتغمده بواسع رحمته؛ لقد أحسنت كاتبنا وأجدت حين التفت بقلمك إلى مثل هذه القامات التي صنعت أثرها بصمتٍ ووقار. فليست هذه المقالة رثاءً عابرًا، بل شهادة وفاء لرجالٍ قامت على أكتافهم معاني البر والإحسان وبناء المجتمع. وقد استطعت كاتبنا الأنيق أن تستخرج من سيرة الراحل دروسًا في السمت والجدّ والعطاء، وأن ترّد للذاكرة بعض حقها في حفظ جميل الروّاد.
    فجزاك الله عن هذا الوفاء خير الجزاء؛ إذ أحييت بمداد قلمك ذكر رجلٍ من أهل المكارم، وذكّرت القارئ بأن سير العظماء ليست أخبارًا تُروى فحسب، بل منارات يُهتدى بها، وأن من أصدق البرّ بالرموز أن تُستعاد سيرتهم بإنصافٍ وامتنان. ✨

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

X (Twitter)