سياسة واقتصاد عرض كتاب

ملاحم آخر الزمان بين النص والسياسة!

الدِّين عامل مؤثر في الحياة بعامة، وفي السياسة بخاصة، حتى لو تغطرس بالإنكار المرسَل على عواهنه من لا يتأمل ولا يتدبر. هذا التأثير قديم باق على اختلاف الملل، وكونها أرضية أو سماوية، محرفة أو محفوظة. وقد صدر حول هذا الأمر عدة كتب عن بلد بعينه مثل أمريكا على ليبراليتها الصارخة، أو في دول أخرى مثل مصر والهند وإيران وإسرائيل وغيرها. من الملاحظ أن استخدام الدين لا علاقة له بمقدار تدين الساسة والزعماء والعسكريين؛ فقد يكون السياسي تغريبيًا منسلخًا عن عراقته حتى مشاش الرأس مثل شاه إيران، بيد أنه يتباكى على مصير العتبات المقدسة، والظلم الواقع على شيوخ الحوزات في العراق، مع أن نظراءهم في طهران يقبعون تحت الأرض في سجونه الباطشة! ومثله صنيع صدام البعثي الذي تذكر -حينما تورط في حروبه- أمجاد القادسية، وأضاف كلمة “الله أكبر” على العلم فجأة!

ومن المهم التفريق بين الإيمان العقدي بالنصوص الغيبية، وبين توظيفها السياسي؛ فالأول عمل ديني تعبدي يقوم على التسليم للنصوص، أما الثاني فهو عملية انتقائية تُستخرج فيها بعض النصوص أو التأويلات لتخدم هدفًا سياسيًا، أو غايات تحشيدية وانتخابية وغيرها. لذلك نجد أن كثيرًا من الساسة يستدعي الخطاب الديني في لحظة الأزمة، ثم يغيب هذا الخطاب تمامًا عندما تزول الحاجة إليه؛ لأن السياسي لا يستعير النص ليتعبد به، وإنما ليستثمر سلطته الأخلاقية وقدرته على التأثير؛ وهنا مكمن الفرق بين “السياسة المتدينة” و”التدين السياسي”.

ومن مفردات الموضوعات الدينية التي لها حضور في التراث العلمي لأهل الإسلام وأهل الكتاب، ثمّ برزت بروزًا ظاهرًا في تعليقات ساسة الغرب وخطبهم وفلتات ألسنهم، مسألة آخر الزمان ومعاركه الحاسمة، وانتصار الخير واندحار الشر. هي مسألة اختلف التعبير عنها، ومستوى التصريح بها، ومن الطبيعي أن الإيمان العميق بها متباين كذلك؛ فربما أوردها الساسة لتأجيج الشعوب، وتهييج الرأي العام، وحشد المساندة، واستثارة العواطف الدينية الكامنة في النفوس مهما اجتالتها الشياطين، ولا غرو فالمكر قرين السياسة لاينفك عنها غالبًا، والدِّين حصان رابح. وقد قرأت حول هذا الموضوع عدة كتب أجنبية، أو مترجمة، أو مؤلفة عربيًا، وأظن أنه حقل خصيب قابل للمزيد.

بيد أن ميزة هذا الكتاب الذي أعرضه في هذا المقال أنه يأوي إلى ركن شديد متين من علوم الشريعة ونصوصها. عنوان الكتاب المقصود: ملاحم آخر الزمان عند المسلمين وأهل الكتاب وآثارها الفكرية، تأليف: د.ياسر بن عبدالرحمن الأحمدي، صدرت عن مركز البحوث والدراسات بمجلة البيان الطبعة الثانية منه عام 1434، وأصله رسالة دكتوراة نوقشت في جامعة أم القرى بمكة. يقع هذا الكتاب في (576) صفحة، مكونة من مقدمة وتمهيد، وثلاثة أبواب، وخاتمة، وقائمة بالمراجع وأخرى بالمحتويات، وعدد مراجع الكتاب وصل إلى (773) مرجعًا على اختلافها، وكثرتها دليل على مستوى التقصي والتوسع لدى المؤلف.

يُعنى هذا الكتاب العلمي بدراسة ملاحم آخر الزمان عند المسلمين وأهل الكتاب، والآثار الفكرية الناتجة عن الإيمان بهذه النبوءات، وهو موضوع لم يسبق دراسته في أي جامعة أخرى حسب بحث المؤلف، علمًا أن الملاحم هي حرب بين المسلمين والكفار ذات قتل شديد. يبدأ الباب الأول بموضوع مهم كثر الزلل فيه، وهو الأصول المنهجية في دراسة الفتن والملاحم، أما الباب الثاني والثالث فيدرسان ملاحم آخر الزمان عند المسلمين فأهل الكتاب، مع بيان آثارها الفكرية تباعًا على الفريقين.

استخدم المؤلف ستة مناهج بحثية كي يتمكن من عرض موضوعه الشائك، ورجع الباحث الجاد إلى مراجع إسلامية ونصرانية ويهودية، واضطر للسفر إلى مصر من أجل الحصول على بعضها، علمًا أن المراجع الخاصة بالديانة اليهودية نادرة، والحصول عليها صعب، وأذكر أن الأستاذ محمود أبو سعدة لم يفلح بشراء معجم عبري من مكتبة أوروبية لأنه عربي مسلم، ثم ابتاعه بطريقة نسيتها الآن، وأظنه ذكرها في كتابه الماتع عن الأعلام الأعجمية في القرآن. ومما أشار إليه د.الأحمدي أن بعض الكتب اليهودية المهمة في طور الترجمة والنشر، وهي مراجع أصيلة في الديانة اليهودية، وليت أن المراكز المعنية أن تبادر للمتابعة والرصد والقراءة والتحليل؛ ففهم الآخر والقوى المحيطة ذوات المشروع ضرورة غير قابلة للتأجيل. ولم يقف د.ياسر عند حدود الكتب، إذ زار عددًا من المختصين، على رأسهم د.عبدالوهاب المسيري.

فكان من ثمرات هذا الجهد العلمي المضني ما يلي من نتائج، مع ملاحظة أوجه الاتفاق والاختلاف:

  • زاد تمسك أهل الكتاب بنبوءات آخر الزمان عقب قيام الدولة اليهودية باحتلال فلسطين عام 1367= 1948م، حتى جزمت بعض طوائفهم بأن قيام هذه الدولة إيذان بقرب قيام ملحمة “هرمجدون”. بالمناسبة أصبحت هذه المعركة مادة شعبية في الأفلام والروايات متجاوزة دهاليز السياسة.
  • يتفق المسلمون وبعض أهل الكتاب على وجود الملاحم، ومن يؤمن بها من أهل الكتاب ينتظرها، وربما يعمل على تسريع وقوعها خلافًا للمسلم الذي لا ينتظرها ولا يستعجلها ولا يتعبد بذلك؛ فأهل الإسلام لا يتكلفون عناء الانتظار والتعجيل، وهذا فرق جوهري بيننا وبينهم.
  • يتعامل أهل الكتاب مع نصوص الملاحم في كتبهم المقدسة بانتقائية بسبب التحريف والهوى؛ مما يوجب الحذر والتيقظ لما يرد في كتبهم. ومن المقطوع به بطلان “هرمجدون” وتحريفها بصيغتها الحالية الواردة في تراث أهل الكتاب.
  • يتفق المسلمون وبعض النصارى على ظهور المسيح الدجال في آخر الزمان، مع أنه ليس له ذكر في عقائد اليهود، وأظن إغفال ذكره لديهم يرجع لأنهم لن يصفوا مسيحهم المنتظر بالدجال!
  • يتفق المسلمون وبعض النصارى على نزول عيسى عليه السلام وقتله للدجال، ويتفقون على أن زمن المسيح الدجال فيه تضييق على أهل الإيمان.
  • يتفق بعض اليهود والنصارى على أن مجئ المسيح المخلّص سيُسبق بقيام دولة يهودية في فلسطين، ويسمي اليهود معركتهم هذه “يوم الغضب”، وهي عند النصارى “هرمجدون”، وأما المسلمون فيؤمنون بأن مجئ المسيح سيكون مسبوقًا بقيام ملك يهودي بقيادة المسيح الدجال. هذه النتيجة تقودنا للإشارة إلى أهمية تحليل أسماء المعارك التي يشنها اليهود والنصارى ضد المسلمين؛ ففي الأسماء دلائل كاشفة!
  • يتفق بعض اليهود والنصارى مع المسلمين على ظهور يأجوج ومأجوج.
  • الصراع العالمي الأخير سيكون صراع أديان باعتقاد غالب الفريقين.
  • مكة والمدينة محروستان مصانتان زمن الملاحم، والحمدلله، والله يعم بالأمن بلادنا وبلاد المسلمين.
  • ليس للملحمة الكبرى التي تكون بين المسلمين والروم ذكر في معتقدات اليهود والنصارى، لكنهم يتفقون في الخط العام لأحداث آخر الزمان، ويؤمنون بما يلي -كل حسب تعريفه للإيمان والكفر وأهلهما-:
  1. اجتماع المؤمنين في بيت المقدس.
  2. هجوم الكفار عليهم.
  3. ظهور المسيح المنتظر.
  4. قضاؤه على الكفار.
  5. ظهور يأجوج ومأجوج والقضاء عليهم.

إن هذا الفرع من العلم الشرعي يصب مباشرة في علم المستقبل، وهو علم ضروري يمكن البناء عليه انطلاقًا من نصوص، وسنن، ودراسات، وغيرها. هو علم مهم للسياسي والعسكري والإستراتيجي المسلم بغض النظر عن أي اعتبار آخر، ومهما كانت دراسته أو تخصصه، فحتى لو درس الذكاء الاصطناعي أو تقنية النانو؛ ذلك أن تشبع رجل الدولة بموروثه مهم جدًا، ومعرفته به مهم كذلك، ولأجل هذا سارع “بوتين” إلى طلب مباركة طائراته وطياريها من قبل “أشياخ الكنيسة”، ومثله صنع “ترامب” الذي استقبل “الأشياخ والقسس” من الجنسين في البيت الأبيض مستمطرًا منهم الدعاء بالنصر والبركة والحفظ، ولأسلافه من رؤساء أمريكا تصريحات وكلمات تصب في هذا الاتجاه.

ويحسن في الخاتمة إعادة التأكيد على حرمة العبث بهذه النصوص، وسوء مغبة إيقاعها على مجريات نعاصرها، بلا علم ولا برهان، وقد خاض من خاض فيما سلف في هذا الباب، وجاء بمضحكات أثبتت الأيام فساد القول فيها، وشر من ذلك التعلّق بمنامات وأخبار واهية موضوعة، وإشاعات مصنوعة مغرضة. إن الساعة لآتية لكنها بغتة، والمسيح الدجال خارج لكن حين غفلة الناس عنه ونسيانه، ومثلهما -والله أعلم- الملاحم الكبرى التي ربما تطل برأسها ببداية غير متوقعة، ودون أن يشعر أحد من الأطراف كافة أنها هي المنازلة الكبرى.

ahmalassaf@

الرياض- ليلة الجمعة 24  من شهرِ رمضان عام 1447

13 من شهر مارس عام 2026م

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

X (Twitter)