أحد أنفع الأعمال التي ينجزها الساسة خاصة بعد ابتعادهم عن المناصب، أن يجلس الواحد منهم متأملًا في ماضيه وذكرياته وأحداث ما سلف من أيامه، مقلبًا لأوراقه ووثائقه ومجريات لياليه، متفكرًا فيما كان، وماهو كائن، وما قد سيكون، ثمّ يكتب راويًا -بصدق- لمن سيقرأ، ويكتب متدبرًا مستخلصًا -بعمق- الدروس والعبر، ثمّ يكتب مستشرفًا -بنصح- المستقبل الآتي وكيفية التفاعل معه؛ فهذا حق بلاده وأناسه وأمته عليه، وصنيعه جزء من الوثائق التي يمكن الاستعانة بها لتفسير التاريخ، وحفظ الذاكرة المحلية حتى لا يعبث بها الخصوم أو الأفاكون.
هذا المنطق بأبعاده الثلاثة دفع الساسة والدبلوماسيين في الغرب للكتابة عقب انتهاء أعمالهم الرسمية في الغالب، حتى قلّما يتخلف منهم أحد ذو شأن، وهو مسلك نافع بيد أنه في عالمنا الشرقي أقل مما لدى غيرنا؛ لأسباب منها عشق التكتم بلا مسوغات مقبولة، وانخفاض المساحات المتاحة للقول والبوح، وطول بقاء الساسة في مناصبهم، وهذا بحدّ ذاته يشغلهم عن التفرغ الجزئي للكتابة، أو يحول بينهم وبينها ما داموا في الدائرة ذاتها.
ومن أمتن كتب الساسة العرب التي اطلعت عليها، مذكرات الشيخ جميل الحجيلان التي طبعت حديثًا في جزءين بعد طول ترقب، ومذكرات الأستاذ عمرو موسى التي طبعت قبل سنوات منجمة في جزءين ينتظران أخاهم الثالث، وهما كتابان ماتعان على طول وتوسع فيهما. يشترك الرجلان في أنهما من رجال الدولة في بلادهم وعصرهم، وقد عملا في وزارة الخارجية ببلديهما، وتنقلا بين عدة سفارات، وتولوا مناصب وزارية حكومية، وأنيطت بهما أمانة منظمات إقليمية، ولهما علاقات متشعبة، وهما فوق ذلك مثقفان أديبان كاتبان، حريصان على أمتهما، وعلى تاريخهما الشخصي من أن يتفرد بروايته غيرهما. ولا يخفى وجود اختلافات جوهرية بين الرجلين؛ فالأول لبلاده تماس مباشر مع إيران، ولديه بصيرة بالخلاف المذهبي وأثقاله، والثاني ينطلق من مساحة عربية أوسع، ويتكئ على السياسة مهملًا المذهب وآثاره.

تحضر إيران حضورًا لافتًا في مذكرات الشيخ الحجيلان-وأهمها في الجزء الثاني- لأربعة أسباب مهمة هي: أنه عمل فيها دبلوماسيًا في شبابه، ثم زارها وهو وزير في حكومة بلاده وحده أو مع وفد رسمي، أو رافق الشاه إبان زيارته للرياض، ومثّل دولته في عدة مفاوضات سرية مع إيران، وأخيرًا أصبح أمينًا عامًا لمجلس التعاون الخليجي، والعلاقة مع إيران موضوع متكرر في أروقة المجالس الخليجية لأكثر من دافع، على رأسها مسائل النفط والغاز، واحتلال الجزر، وبعض الدعاوى الحدودية، والحروب مع العراق، والمشاغبات الإيرانية المباشرة أو بواسطة أذرعتها.
كما تبرز إيران بروزًا غير خفي في مذكرات الأستاذ عمرو موسى -خاصة في الجزء الثاني- لأسباب أربعة هي: أنه منذ صغره يتابع الشأن الإيراني عبر مجالس أسرته والمشهد الثقافي في مصر، ثم زارها وحده أو ضمن وفد مرافق للرئيس السادات، وتعاطى مع شؤونها بعد أن أمضى عقدًا من الزمان وزيرًا لخارجية مصر بثقلها العربي، وزاد احتكاكه مع موضوع إيران في العقد الآخر الذي قضاه أمينًا عامًا لجامعة الدول العربية، فلإيران مساس لصيق وشديد بعدة قضايا عربية حرجة، ولها يد طولى في بضعة بلدان وعواصم عربية، فضلًا عن جوارها الإقليمي الذي لا مناص منه بحكم الجغرافيا.
وقد سرد الشيخ جميل سردًا موجزًا مختصرًا للعلاقات الدبلوماسية بين الرياض وطهران، وتبين من خلال السرد أن هذه العلاقات تتوتر كثيرًا، وتصل إلى القطع غير مرة، وهو ما قادني للظنّ بأن العلاقة السعودية مع إيران هي أكثر علاقاتها تعرضًا للإشكالات الدبلوماسية. تتركز الخلافات الظاهرة بين البلدين على أمور مثل: شؤون الحج، ودعوى مساندة العراق في حرب السنوات الثمان، ورؤية مستقبل أمن الخليج وقيادته، والعلاقة مع القوى الكبرى ومع القوى الإقليمية، إضافة لتدخلات إيران في البلاد العربية، وإيوائها بعض المناوئين، واتخاذها من موضوع المذهب حجة وستارًا، وأتصور أن هذه الشبهة الأخيرة داحضة مدموغة دون عناء؛ فلدى إيران من السنة من يمكن الانتصار لهم ولو من باب المشاكلة، وعند علماء إيران مواقف حادة شنيعة تجاه أهل السنة، وهي أشدّ من تلك التي ينكرونها من غيرهم نحوهم.

بينما كتب الأستاذ عمرو أن تدخلات إيران في العالم العربي آلت إلى إرهاق العرب وإيران، حتى بات بعض العرب يرى أن إسرائيل أقل خطورة من إيران التي لا مناص من الاستعانة بالقوى العظمى للاحتماء بها من شرور الجوار الفارسي. ومما ذكره أن أمريكا ومن ورائها دول الغرب في تعاطيها مع إيران لا تأبه لمخاوف العرب، ولا تعطيها أي وزن، وإنما همها الوحيد الحفاظ على أمن إسرائيل، وضمان تفوقها العسكري في المنطقة، ولا يدور في خلد الغرب مراعاة هواجس العرب، أو تقويتهم على إيران، وساق لذلك دليلًا المفاوضات الأمريكية الأوروبية مع إيران وما تبعها من توقيع الاتفاق النووي قبل أزيد من عقد. ومما جاء في مذكراته أن الغرب لم يطلع العرب على سير المفاوضات، وأن إيران لم تحرص على بناء جدار من الثقة بإشراك جيرانها العرب في فحوى تلك اللقاءات الطويلة. وانتقد موسى التفسير المذهبي لقلق العلاقة مع إيران، ولا أدري هل تغيّر رأيه بعدما حصل في بعض البلاد العربية من قبل أذرعة إيران المذهبية أم لا!

استنتج السفير الوزير الأمين الشيخ جميل في سياق روايته لما جرى، أن إيران مسكونة بأوهام الاستعلاء القومي العنصري، ومتخمة بغلواء التعصب المذهبي؛ ولذلك سادت نغمة “المظلومية” المرسلة بلا برهان في حواراتهم، دون اعتراف بما اقترفوه من أخطاء، وتدفقت من ألسنتهم الوعود المعسولة، ومزاعم الشراكة مع المملكة في المسؤولية الإقليمية والإسلامية، لكن هذه الوعود تبخرت وانكشفت حقيقتها بما صنعته طهران في العراق حينما أُطلقت يديها في بغداد، فطاشت اليد الفارسية المذهبية المتعصبة في عدة عواصم عربية صانعة المآسي والفرقة، ونكث المفاوضون جميع ما قالوه من لين الكلام عن الوحدة الإسلامية، ومقاومة مؤامرات الشرق والغرب، والاستعداد للجهاد ضد إسرائيل وتحرير القدس، ففضح ما اجترحته إيران في العراق وسورية ولبنان واليمن وغيرها، حقيقة ما تخفيه السياسة الإيرانية، وما تضمره.
أما السفير الوزير الأمين الأستاذ عمرو فقد أخذ على إيران أنها لم تسع إلى تطمين جيرانها، وبناء جسور متينة من الثقة والحوار معهم، ولم تدخل في شراكات تنفع الجانبين، وحينما سنحت لها الفرصة في العراق ارتكبت من الويلات ما لا يمكن نسيانه أو تخطيه، حتى أن المرجع الشيعي الكبير الإمام السيستاني كرر على مسامع موسى قوله: “لا تلقوا العراق في أحضان إيران”، وهي كلمة شبيهة بتوجس مبكر أعلنه وزير الخارجية السعودي الأسبق الأمير سعود الفيصل تحذيرًا من تقديم العراق لإيران على طبق من فضة! ومع أن الجامعة فتحت لإيران قنوات التواصل معها، إلّا أن طهرات فضلت الإعراض عن هذه الفرصة، وهذه المنهجية الإيرانية جعلت جيران إيران من العرب يلقون السمع لوساوس الشياطين صغيرهم وكبيرهم، ولا يرحبون بدعوة موسى إنشاء رابطة للجوار العربي من دول الإقليم القوية المجاورة، ومنها إيران. بالمناسبة يكاد أن يتفق الحجيلان وموسى على أن إحساس إيران بالتفوق العسكري على محيطها، يقف خلف غطرستها وتعنتها، ومطالباتها بأن تكون لها الكلمة الأولى، والمسؤولية عن أمن المنطقة.
لست أزعم أن هذا جميع ما ورد في الكتابين المنشورين، ولعله أن يكون مختصرًا للمهم منه حسب فهمي. ولست أزعم غياب إيران عن مذكرات عربية أخرى، ومن المؤكد أن النظر فيها، وقراءة سير رجال الدولة في إيران ومذكراتهم، وسير أجنبية أخرى، ربما يزيد في وضوح الصورة أكثر، ومثله مراجعة الاتفاقيات مع إيران، وآخرها الاتفاقية التي توسطت فيها بكين بين الرياض وطهران. وعسى أن ينشط الساسة الذين اقتربوا من الشأن الإيراني للكتابة وتسطير الشهادة والرأي ليستفاد من خبرتهم؛ فإيران الشاه -التغريبية الليبرالية- كانت مزعجة مستعلية متكبرة، وكذلك إيران الملالي -المتشددة مذهبيًا- مع شطحات تصدير الثورة، وهذا يوازن نظرة البعض التي تقصر الخطر الإيراني على العمائم والحوزات فقط.
وأيًا يكن؛ فإن إيران وغيرها، لن يردعها عن المضي في مشروعاتها وأحلامها، إلّا إذا شعروا أن أمامهم كيانات قوية بنفسها، وهذه القوة داخلية وخارجية، وتشمل جميع مناحي الحياة، وما سوى ذلك لا يردعهم عن المضي في مشروعاتهم. وسوف تبقى إيران، وغيرها من قوى الإقليم، جيرانًا يتميزون بالصعوبة، وإثارة المخاوف والقلق، ولن يحجزهم عن أي محاولة للإضرار بجوارهم الذي يخالفونه في الحضارة، والعرق، والثقافة، واللغة، وفي مسلمات دينية، إلّا إن كان هذا الجوار يبدو لهم بناء قويًا صلبًا متماسكًا، يتفق في أطر حفظه أمنه القومي، وينطلق من وجهة نظر غير قابلة للاختراق، ويأرز إلى مبادئ لا تهرم ولا تبلى، وهو المأمول والمرجو خاصة بعد الأحداث الأخيرة، والله يجعل لنا من عنده -في ليلة يوم الفرقان وغيرها- فرقانًا على القوم الظالمين بلا مثنوية.
الرياض- ليلة الجمعة 17 من شهرِ رمضان المبارك عام 1447
06 من شهر مارس عام 2026م