سير وأعلام عرض كتاب قراءة وكتابة

جسور من كتب

جميل أن يصمد في عصرنا من يحفز على القراءة، ويحث عليها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، ثمّ يزداد تمسكه بها، والحضّ عليها كلما تعاظم انجفال الناس إلى غيرها أو صدودهم عنها. إن القراءة فعل حياة، ووعي، وعشق، هي عمل يشبه التنفس لا غنى لحي عنه وإن ظن غير ذلك، هي سلوك مثل الكيف يجلب البهجة، هي عند جماهيرها كأنها صلاة سادسة أو وجبة رابعة، وهي مكان ثالث يخلوه إليه المرء، فيجد فيه شيئًا من الانشراح والرضا والسكون.

اليوم سوف أتحدث عن عدة كتب جملة واحدة، والرابط الأهم هو أن مؤلف هذه الكتب واحد من الذين يحملون همّ القراءة، وحسابه في منصة “إكس” يشهد بذلك، إضافة لما في كتبه التي صدرت تباعًا. سوف أستعرض هنا أربعة منها؛ لأنها ذات طبيعة عامة أكثر من غيرها. عنوان الأول: جسور من ضوء: بوح وتأملات باحث في دروب (قلاسقو)، ويقع في (240) صفحة مقسمة على خمسة موضوعات غير المقدمة والخاتمة. أما الثاني فعنوانه: دروب مختلفة: تأملات في بدايات جديدة، وهو يتكون من (200) صفحة فيها ثلاثة أجزاء، والكتابان يكملان بعضهما، والأول يشبه مؤلفه، بينما الثاني يشبه القراء.

والكتاب الثالث عنوانه: عشريات تويتر، ويقع في (233) صفحة فيها ثمانية موضوعات تحت كل واحد منها مجموعة من العشريات في مجالات مختلفة كالإدارة والتسويق والقراءة والإيمان وتويتر ذاته الذي ظفر بالإهداء كذلك، وهو الذي سرق من وقت الكاتب، فاغتنمه ليجعل منصة فوائد ثقافية ومجتمعية متبادلة. ورابع كتاب عنوانه: قاع الفنجان: تأملات وفلسفات وقصص، وجاء في (230) صفحة تحتوي على مقالات متنوعة، ولا غرو فالكتاب يشبهنا، ومن الطبيعي أن يكون التنوع سمة له.

هذه الكتب تدفع الناظر فيها إلى القراءة كما هو شأن المؤلف د.خالد بن سليمان بن عبدالعزيز الراجحي مثلما أشرت آنفًا، لكنها تعين على الكتابة من طرف صريح أو خفي، ولذا أورد المؤلف في أحدها رسالة وصلته من شاب يستفهم عن سر صنعة الكتابة، وساق جوابه عن السؤال. إن حديث المؤلف عن هذين العملين المترابطين هو حديث الشغوف المحب؛ فكثرة القراءة سبب من أسباب الكتابة، وربما أصبحت في بعض الأحوال عائقًا كبيرًا لها! هذه المحبة كانت وراء ارتباط المؤلف بالمقاهي للقراءة والكتابة، وابتكاره مصطلح “صديق المقهى”، وكم وددت لو أنجح في القراءة والكتابة بمقهى.

اختص الكتاب الأول بسرد حكاية المؤلف مع رحلة الحصول على درجة الدكتوراة، هي رحلة، وجزء من المسيرة، وفيها قراءة وكتابة وسفر وتأمل، وبالمناسبة فهذه الكتب الأربعة تثير لدى القارئ الفضول الحسن المطلوب نحو التأمل الموجود في العنوان أحيانًا، والمتواري في المضمون، وتسوقه نحو التساؤل، وكم قاد حسن السؤال، والخلوة التأملية، إلى خيرات كثيرة في العاجل والآجل. هذا الكتاب سوف يفيد المبتعثين ومن واصل دراسته على كبر فضلًا عن غيرهم. وأكمل الكتاب الثاني حكايات العودة للبلاد، والتدريس في الجامعة، وهي تجربة من أثرى التجارب التي يوفق الله لها الإنسان، وتزيده شبابًا وحيوية وقربًا من الشباب وعالمهم؛ هذا القرب الذي يتميز به المؤلف، ويشهد بذلك من عرفه عن قرب.

وقد جاء في خواتيم الكتاب الثاني حديث متكرر عن منصة إكس -تويتر سابقًا-، ولعل هذه المقالات كانت أحد العوامل وراء الكتاب الثالث الذي ضم عشريات نثرها المؤلف أمام متابعيه وقرائه في منصة تويتر، وفيها يواصل الكاتب حثه على القراءة والتفكير والتأمل، ويفتح نوافذ في الكتابة الإدارية والتسويقية، وهي العلوم التي درسها ونال الشهادات فيها، ومارسها في عمله التجاري والخيري. وفي الكتاب الرابع مقالات قصيرة ذات شمولية، تضم أشتات هذه الموضوعات مع غيرها من شؤون المجتمع والحياة، في نصوص غير طويلة تؤدي الغرض، وهي مهارة أفتقدها مع الأسف.

امتازت هذه الكتب بالوضوح البعيد عن التعقيد، هذا التعقيد الذي يهِم البعض معتقدًا أنه دليل على العمق، وهو على التحقيق دليل على الغبش والارتباك في أحسن الظنون. وظهرت فيها سمة التلقائية البريئة من التكلف؛ وأقول لكم بصراحة وإعلان: لعمركم -غير حانث- إن التكلّف ثقيل جدّ ثقيل، وهو أثقل من رقيب بين حبيبين كما قيل في الحكم، وادخل على الله! كما أورد المؤلف أفكاره بثقة تفتح الباب للنقد، وبإهاب من الأدب والترفع والتحرز لا يستغرب منه، ولا من أنجال الأسر العريقة، وما أرقى النص المتين الواثق بلا استعلاء، ودون رفض للحوار.

وسوف يستفيد القارئ من موضوعات هذه الكتب وأفكارها، وربما عارضها أو صارت سببًا لانبثاق فكرة أخرى لديه، وليس أحسن من نصٍّ يقدح في ذهن مطالعه شيئًا جديدًا. وبعد الفائدة فلن تختفي البسمة عن بعض ما تضمنته هذه الكتب صراحة أو رمزًا، مثل نجاة زياد من تحطم الطبق فوق رأسه، وصنيع المؤذن المتأخر، وبعضها يدعو للعجب كحال مبارك والزميل الذي تلاشى، وهكذا هي الدنيا وأعاجيبها لمن أعمل العقل الملاحظ لديه.

وكم سيتمنى القارئ لو عرف مكمن جنون المشرفة الذي لم يذكره الكاتب، وسيطرب لفكرة المناقشة التجريبية، وتسمية المقهى باسم من يكثر ارتياده، وسيزهو باعتذار الطلبة السعوديين في الجامعة عن حضور حفل ليلي؛ فلله در درهم. ومما يلفت النظر طريقة الفرح الإيطالية، وهم قوم يطلق عليهم أحيانًا عرب أوروبا خاصة أهل الجنوب منهم. وسوف تنكسر النفس عند شعور الغربة بالعيد؛ لكنها تقف بإجلال لعراقة مدينة تحاول أن تحنو على الغريب، ويقطنها بسبب ذلكم الحنان طلبة من مئة بلد أو أزيد.

ومن طرائف هذه الكتب أن أحدها تعرض للتقييم من قارئ لم يقرأه، وما أكثرهم وأظلمهم. ومن لطيف المواضع حكاية أقلام الفنادق، وشكر عامل القهوة الذي تصاحب والمؤلف لعقدين، وذكر قدماء العاملين مع الأسرة، واستذكار الأماكن القديمة في سوق قابل بجدة وغيرها، وابتداع أفكار عملية في التفاعل مع طلبة الجامعة، منها المشروع المبتكر الذي جعله أحد الطلبة التزامًا بأداء الصلاة لإرضاء والدته، وللمؤلف حديث شجي عن الأم؛ ومن كالأم!

بقي أن أقول: إن المؤلف ينتمي لأسرة عريقة في التجارة والتوظيف وابتداء فرص الأعمال، وعريقة عريقة في الوقف وخدمة المجتمع وصنائع المعروف، ولوالده -أمتع الله به-، ولأعمامه -رحمهم الله- تاريخ حافل سابق إمام في هذه الأبواب الطيبة. هذه المكانة المتوارثة، مع النهم في القراءة، والاستمرار في الكتابة، تجعل المادة التي يقدمها واضحة عملية مختصرة مفيدة، وقد أتاحها في موقعه بنسخ إلكترونية شرعية تخفف عن جيب القارئ، وتتناغم مع الأجيال الرقمية، وما أجدر القراء- خاصة من جيل الشباب الذين يعتني بهم المؤلف- أن ينهلوا منها، ويقتبسوا ما يفيدهم، سواء مما جاد به المؤلف من عبارات وأفكار، أو مما اقتبسه ونسبه لأصحابه، فهذه الكتب يمكن أن نفهم منها أننا أمام مشروع ثقافي هادئ عنوانه: إعادة الاعتبار للقراءة والكتابة اليومية والتأمل، مع العيش مع الشباب وفهمهم لكن بوقار الكبار.

ahmalassaf@

الرياض- الثلاثاء 22 من شهرِ شعبان عام 1447

10 من شهر فبراير عام 2026م

Please follow and like us:

2 Comments

  1. ما أجمل هذه الجسور حين تُبنى من ورقٍ ومداد ..
    لكنها تمتد في الحقيقة بين العقول والقلوب .

    قرأت المقال فشعرت أنني لا أطالع عرضًا لكتب ..
    بل أطالع احتفاءً بفكرة القراءة ذاتها ..
    وانحيازًا نبيلًا لها في زمنٍ تتزاحم فيه الملهيات .

    هذا النص لا يعرّفنا بكتب د. خالد الراجحي فحسب ..
    بل يقدّم لنا مشروعًا ثقافيًا هادئًا ..
    واثق الخطى ..
    يعيد الاعتبار للقراءة اليومية ..
    وللتأمل الذي يصنع الفرق في حياة الإنسان .

    أعجبني الربط بين القراءة والكتابة ..
    وبين المقهى والفكرة ..
    وبين التجربة الشخصية والهمّ العام ..
    وكأن الرسالة تقول لنا ..
    يمكن أن تكون حياتك نفسها مادة معرفة ..
    إذا أحسنت النظر والتدوين .

    النص ثريّ .. ممتع .. يوازن بين العرض والتحليل ..
    ويمنح القارئ فضولًا محمودًا ليمدّ يده إلى تلك الكتب لا بدافع المجاملة ..
    بل بدافع الشغف .

    وهكذا تكون الكتابة الحقيقية ..
    تفتح أبوابًا ولا تغلقها ..
    وتشعل أسئلة أكثر مما تقدم أجوبة جاهزة .

    شكرًا لهذا المقال الذي لا يكتفي بالحديث عن الجسور ..
    بل يصنع واحدًا منها .
    وبورك هذا القلم الذي يذكّرنا ..
    أن الأمة التي تقرأ ..
    تبقى حيّة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

X (Twitter)