سير وأعلام

كيف خدم عبدالرحمن السويلم وطنه ومجتمعه؟

ما من إنسان إلّا ويؤدي خدمة أو أكثر لصالح وطنه ومجتمعه. الفرق يكمن في شعور المرء حينما يصنع ذلك، وفي تجاوز مجرد الإنجاز إلى التأسيس وصناعة المشروع، وفي مدى نفع تلك الخدمة، وكونها متعدية أو لازمة وفي كلٍّ خير. من الفروق كذلك طول عمر تلك الخدمة، واستمراريتها وضمان الاستدامة لها، وما تنتجه من آثار، وإلى أين تصل. لكن الفارق الأعظم يكمن في القدرة على تحويل تلك الخدمة إلى نموذج يحتذى ويتطور، ويحسن تقديمه للآخرين، إضافة إلى أن الخدمة كانت قابلة لأن تنحرف لمصالح شخصية أو فئوية؛ بيد أن صاحبها تسامى، وعن حظوظ النفس تعامى، وإلى مدارج الرقي تعالى.

من هؤلاء الذين يصدق عليهم الوصف أعلاه -ولا ريب عندي- معالي الدكتور عبدالرحمن بن عبدالعزيز بن أحمد بن عبدالله السويلم (1357-1447= 1938-2026م) -رحمه الله رحمة واسعة-، وسوف أستعرض هنا بعض الخدمات التي اجتهد راحلنا في تقديمها لوطنه ومجتمعه قيامًا بالواجب وزيادة، ولن أحصي مهما حاولت، ولست أنفي هذه الفضيلة عن غيره، فهم في مجتمعنا كثر، ولا غرو فالمجتمع العريق راسخ الجذور، ثابت الأصول، متجدد الثمار، وتعينه على ذلك حكومة موفقة تفتح الباب، وتزيل العقبات، ولا تبخل برعاية أو مال. شملت خدمات د.السويلم المحور الطبي والأكاديمي، والمحور المؤسسي والإداري، والمحور المجتمعي والتطوعي، ثم المحور المبادئي والرمزي.

أول خدمة أذكرها لمعاليه ضمن هذا السياق هي جهده الكبير في قسم الأطفال بالمستشفى المركزي بالرياض، فبفضل الله ثم بجهوده صار للقسم نشاط مضاعف، ودبت فيه الحياة باستقطاب أطباء دوليين من مؤسسات صحية محلية أخرى، وأعظم منجز كان إقامة دبلوم طب الأطفال، الذي طاف السويلم لأجله العالم، ووطن هذا التخصص في أنحاء المملكة حتى في أطرافها القصية، ثمّ ظلّ جبلًا يحمي هذا الدبلوم عندما أراد بعض الوزراء إلغاءه بحجة أن وزارة الصحة ليست مؤسسة أكاديمية تعليمية، وأموال الدبلوم لها مصارف أخرى. إن المستوى المدهش لصحة الطفل وسلامته في مملكتنا يرجع إلى أسباب منها هذا الدبلوم الذي تخرج فيه عدد كبير من أطباء الأطفال خلال عقدين. ولم يقتصر على الأطفال إذ سعى لإقرار برنامج الرعاية الصحية الأولية، الذي خدم الأسر، وخفف الضغط على المستشفيات، وقد تطورت هذه الرعاية في الكيف والكم كما نشاهد هذه الأيام.

ومن خدماته المهمة السبّاقة أنه أشرع الأبواب على مصارعيها للمشاركة المجتمعية الطوعية، تمثل ذلك في إنشاء مستشفى في مدينة حفر الباطن الكثير سكانها بعد أن حثّ رجال الأعمال على التعاون فلم يقصروا. من ذلك المبادرة لإنشاء جميعة أصدقاء المرضى بالتعاون بين الشؤون الصحية في المنطقة الشرقية والغرفة التجارية الصناعية بها، وهي فكرة جديدة غير مسبوقة. ومن ذلك إتاحة بناء مراكز للهلال الأحمر في المدن بجهود خيار أهلها حسب مواصفات هيئة الهلال الأحمر، وبدأت تلك الفكرة في القويعية غرب الرياض، ومنها سرت لغيرها سريان النسيم العليل، وجرت جريان الماء العذب الزلال. ومن مبتكراته في هذا الباب فكرة التبرع بالهلالات الباقية من الحساب على كل متسوق في أسواق التموين الكبرى، وجمعها ثم إنشاء وقف بمكة من هذه الهلالات.

وبعد أن اصطفته القيادة الحكيمة ليصبح على رأس جهاز حيوي مهم هو الهلال الأحمر السعودي، لم يرَ هذا التكليف أنه مجرد تشريف قبيل التقاعد، ولم يقنع بتيسير الأعمال مثلما كانت. لقد أحدث “ثورة” إدارية داخل هذا الجهاز، نقلته من خانة المفعول به إلى خانة الفاعل المؤثر، ليس محليًا ولا إقليميًا، بل حتى على نطاق دولي. كانت تغييراته في الجهاز شاملة في جوانب إدارية ومالية وتقنية واتصالية ومهارية وفنية، وفي التجهيزات والمباني والمكاتب والتدريب وإقامة المؤتمرات وبناء العلاقات؛ لكن التحسين الأكبر هو في تغيير نظرة الإدارة الحكومية للهلال الأحمر، وتغيير نظرة منسوبيه لجهازهم والارتفاع بمعنوياتهم وحقوقهم.

ثمّ إنه لا يمكن التغافل عن الجهد الكبير الذي حمله أبو سعد وأسامه على عاتقيه في مجال الأعمال الخيرية والتطوعية والمجتمعية، فلم يكن يتردد عن المشاركة بنفسه، أو بذل الجاه والمال، إضافة إلى تسهيل أمور هذا الركن الركين من مكونات المجتمع إبان عمله الرسمي، وخلال عضويته في مجلس الشورى حينما اقترح بعض الأنظمة الخاصة بالتطوع أو شارك في صياغتها وتقويمها ومناقشتها. إن صنائع المعروف تزيد في لحمة المجتمع، وتقلل من الفجوات، وتصنع عدة فرص للعمل، وتساند الحكومة، وغير ذلك. إن مسيرة صاحبنا الكبير تمتاز بأنه صاحب هموم المجتمع والتطوع معه دون كلل حتى بعد التقاعد، وإلى آخر رمق في محياه.

كذلك أحسن الدكتور تمثيل مجتمعه ووطنه والتعبير عنهما منذ بواكير شبابه إلى شيخوخته المتأخرة، وبقي حساسًا للصورة الذهنية التي يصنعها عن حضارته وثقافته، وصمد مدافعًا عن هذه الأصول والثوابت الدينية والوطنية، ولم يقف موقف ضعف أو وهن فيها، وحاشاه، وهي خدمة عالية من أبي سعد الذي أحب وطنه وولاته ومواطنيه. وكذلك صنع قدوة ونموذجًا لأجيال من مواطنيه وأبناء أمته، وهي خدمة لا تنسى، وأثبت وهو صامت عراقة حكومته ومجتمعه وأناسه بما ناله من توقير وتقدير في محياته ومرضه ومماته.

إن عبدالرحمن السويلم يصف الخيرية من كل أطرافها، فهو المورد العذب مترامي الأطراف، من حيث أتيته سوف تجد السقيا التي تروي، والرائحة الحسنة التي تعطر الأجواء، والقول السديد والرأي الرشيد. وإننا حين نودعه بمثل هذه الكلمات التي لن تفيده بشيء إلّا شيئًا واحدًا -وهو المرتجى- وخلاصته: أن تدمع عيون القارئ، ويخشع قلبه، وترق نفسه، وتحلّق روحه، فيبتهل للراحل العزيز، داعيًا المولى الرحمن له بالرحمة والمغفرة والرضوان والعفو، ولذريته بالحفظ والعون، ولمجتمعنا بحسن الخلف وزيادته.

ahmalassaf@

الرياض- الأحد 20 من شهرِ شعبان عام 1447

08  من شهر فبراير عام 2026م

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

X (Twitter)