سير وأعلام مواسم ومجتمع

سلمان بن عبدالعزيز والسيادة في الإحسان!

دأبت السلالات الحاكمة، والأسر العريقة، على تكليف أنجالها بممارسة شيء من العمل المجتمعي والتطوعي، إن بصورة مؤقتة أو دائمة. هذا المسلك النبيل يستهدف عدة غايات موفقة، مثل التعرف إلى المجتمع وآماله وآلامه، والقرب من الناس والشارع، والتشارك معهم، والتعود على الصبر، والتواضع، والعمل في أحوال مختلفة. إن مشاركة سراة القوم وعليتهم في هذه الأعمال من علامات السعادة والتوافق للمجتمعات والبلاد.

لكن أن تجد سليل أسرة حاكمة، مارس العمل الرسمي مبكرًا، وهو عمل ضخم تمثل بإمارة عاصمة البلاد، ومرافقة الملوك وأولياء العهود وكبار ضيوف الدولة، مع تمثيلها خارجيًا في بعض الأحيان، وتولي أكثر موضوعات الأسرة الملكية الكبيرة، ومتابعة الشأن العام والثقافي، ثمّ ترى رأي العين أنه اسم أساسي في العمل الخيري والتطوعي والمجتمعي في بلاده، حتى لكأنه قد تفرغ لهذا الأمر من دون سائر شؤون الدنيا، حتى غدا التطوع سجية ملاصقة له؛ فذلكم هو النادر وقوعه، واللافت وجوده، وقد كان -كما سنرى- ماثلًا في شخصية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله ورعاه-.

بدأت علاقة “سلمان” مع العمل التطوعي بداية مبكرة جدًا، فهو يعيش داخل بيت ركناه والده الملك عبدالعزيز الذي كان يهب المال والعون حتى أيام ضيق ذات اليد، أو يعد بالمساعدة ساعة الفرج، ثم أفاض بالمال يمنة ويسرة حين أفاء الله عليه. أما ركنه الآخر فوالدته الأميرة حصة الأحمد السديري التي خصصت جزءًا من مالها لمساعدة ذوي الحاجة؛ فكانت يدها الكريمة ندية بالعطاء، توالي الإحسان بالهبات والصدقات، هذا غير مشاركة الأبوين العظيمين -رحمهما الله- في كل سبيل للخير والنفع سرًا وعلانية. لقد نهل “سلمان” من هذه المدرسة العليا مهارات القيادة، ومبادئ الحكمة، وأسس التطوع والنفع العام.

ولمعرفة الملوك بهذه الخاصية المتجذرة في شخصية أخيهم الأمير سلمان، أوكلوا إليه منذ القدم الإشراف على أعمال تطوعية وإغاثية داخل المملكة وخارجها، فالتاريخ الرسمي المحفوظ للملك سلمان مع العمل التطوعي الداخلي والخارجي يبدأ داخليًا منذ عام (1374=1955م) بتأسيس تأسيس هيئة صندوق البر في الرياض، وخارجيًا منذ عام (1375=1956م) لمساندة مصر عقب العدوان الثلاثي، وربما أنها قبل هذا التاريخ لو تعمق البحث في هذه المسألة، علمًا ان هذه المعلومة الموثقة وردت في كتاب عنوانه “سلمان بن عبدالعزيز آل سعود: سيرة توثيقية”، تأليف: أ.د.عبداللطيف بن محمد الحميد.

ذلكم يعني أن عمر هذه العلائق الراسخة يتجاوز سبعة عقود تقبلها الله بفضل منه وكرم، ونماها لديه في صحائف الحسنات وسجلاتها. إن هذه الروابط الملكية المبكرة مع العمل الخيري والتطوعي، كانت هي السبب وراء اقتران مقامه الكريم واسمه الرفيع بعدد كبير من المؤسسات والجمعيات فاق به أفراد أسرته الملكية العريقة ذات الإسهامات الخيرية التي لا تنكر، ومن الأكيد أنه من أوائل الأسماء في هذه المزية لو أحصيت الأعداد إقليميًا أو عالميًا.

هذه الكثرة يمكن تفسيرها؛ فقد علمنا أنها بدأت مبكرًا جدًا. هذه الكثرة تُفهم إذا نظرنا إلى تنوع الأعمال وشمولها لمجالات وحقول عديدة. ففي رحاب الدين مؤسسات وأعمال أجلّها الرئاسة الفخرية لجمعية “مكنون” لتحفيظ القرآن الكريم بالرياض مدة نصف قرن، مع أعمال قرآنية أخرى. ومنها أعمال مجتمعية كالمساعدة على الزواج، وفيها جمعيات طبية كزراعة الأعضاء، وبعضها تتجاوز تقديم العون إلى رعاية الأبحاث في موضوع مهم مغفول عنه وهو الإعاقة؛ وهذه سمة للعمل السلماني التطوعي؛ إذ لم يكتف بالمشهور والمعتاد، إنما طرق من أبواب الخير ما لم يسبقه إليه أحد، ومالم يخطر على بال.

كما أن الإسهام الملكي في العمل التطوعي وغير الربحي شمل عدة نواح من ابتداء فكرة العمل فما بعدها، من ذلك رعايته للأفكار وتشجيع أصحابها، وتأسيسه لعدة مؤسسات وجمعيات، ورئاسة مجالس إدارتها فعليًا أو فخريًا، وإدارة لجانها التنفيذية خاصة في البدايات. طبعًا هذا غير الدعم المالي، وبناء المقرات، وتجهيزها، وحث الأثرياء برفق على ذلك، ورعاية الاحتفالات، ودعوات التبرع، وتبجيل رموز العمل الخيري، ولا غرو فهو الذي مافتئ يكرر أن جاهه الكريم مبذول لصالح العمل التطوعي خاصة ما ارتبط بالقرآن الكريم.

كذلك فمن الملامح التي لا تخفى لعناية الملك سلمان بالعمل التطوعي، أن صدرت في عهده المتميز قانونيًا عدة تشريعات جديدة أو محدثة تخص العمل غير الربحي. وفي عصره ازدهر العمل الخيري في الأنظمة والتنظيم، من ذلك غير الأنظمة واللوائح والقواعد والأدلة الاسترشادية والمعاهدات والاتفاقيات المشتركة، إنشاء مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية في السابع والعشرين من شهر رجب عام 1436 الذي يوافقه السادس عشر من شهر مايو عام 2015م. وتأسيس المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي بقرار مجلس الوزراء رقم (459) وتاريخ 11 من شهر شعبان عام 1440= 16 من شهر أبريل عام 2019م، وإصدار نظام العمل التطوعي في 27 من شهر جمادى الأولى عام 1441= 22 من شهر يناير عام 2020م، وهو نظام أصيل في هذا السياق. وأيضًا من ضمنها إطلاق منصة إحسان الصادرة بالأمر السامي رقم (48019) وتاريخ 13 من شهر شعبان عام 1441= 06 من شهر أبريل عام 2020م.

أما إحدى أبرز السمات التي تفرد بها الملك سلمان، فهي أنه أدخل أولاده للعمل التطوعي بأكثر من صفة، وكان يحث رواد العمل التطوعي على الحديث معهم مباشرة في هذا الشأن، ولحرصه على موافقة أنجاله يسبق أولئك الرواد بالتواصل مع أبنائه لأمرهم بالموافقة على مقترح الانضمام للجمعية المعنية، حتى لو كان الابن مسافرًا لقضاء شهر العسل بعد زواجه! ومنها أنه حين يتبرع ينسب التبرع لنفسه وأولاده وأحفاده؛ كي يشيع فيهم هذه الخصلة، وقد تشربت ذريته الكريمة تلكم المعاني الباسقة، ولكل واحد منهم مشاركات تطوعية شتى، ولبعضهم مؤسسات وجمعيات بأسمائهم.

ومن السمات السلمانية في باب التطوع أنه تداخل في تطوعه مع المجتمع والثقافة والصحة والرياضة والدعوة والإغاثة والتعليم والعمران والتراث والعمران، ووافق على رئاسة جمعيات ومراكز تحمل أسماء أعلام سعودية معاصرة من غير أسرته، مثل سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز، وعلامة الجزيرة الشيخ حمد الجاسر -رحمهما الله-. وقد ظل الملك وثيق العرى والصلات بالعمل الغير ربحي حتى عندما أسندت إليه مهمات أعلى في وزارة الدفاع وولاية العهد، وحتى عقب مبايعته ملكًا على البلاد.

 ولم يقصر خادم الحرمين الشريفين جهوده التطوعية داخل البلاد فقط، فقد رأس عشرات اللجان التي تشرف على العمل الإغاثي السعودي في بلدان عربية وإسلامية وعالمية، وفي عهده يفتتح الحملات بالتبرع السخي المالي فيكسب أجور من اقتدى وتابع ولي الأمر في إحسانه. ولم يقتصر الملك على المشاركات التطوعية المدنية؛ إذ بادر غير مرة للتطوع مع الجيوش العربية التي تدافع عن بلادها ضد العدوان الخارجي، ولا ريب فهو نجل أسرة ليوث وفرسان، وكان العمل العسكري من أمانيه الأولى كما قرأت في لقاء صحفي، ولك أن تتأمل اجتماع القوتين في شخص واحد: القوة في مواقف الحرب والدفاع والإدارة، مع القوة في سبيل خدمة العمل غير الربحي بآفاقه الواسعة!

إن دائرة العمل التطوعي في سيرة الملك سلمان واسعة جدًا، طويلة القطر، عصية على الحصر، فكم من مؤسسة تبرع لها بأرض أو بناء أو مال، وكم من فكرة انطلقت من بيته، وكم من جمعية تابع بنفسه إجراءات الترخيص الرسمي لها، وكم حظي العمل التطوعي منه بالعناية والثناء والإسناد، وكم من مرة ومرة دفع بأنجاله إلى هذا الميدان، وهو الذي يحرص على وجود بعضهم معه إذ استقبل أو زار أو رعى، كي يقتبسوا مباشرة من العمل دون حاجة إلى كثير من القول. لقد تطورت فلسفة التطوع لدى “سلمان” من العطاء والمشاركة، إلى التأسيس والمساندة المعنوية، وصولًا إلى رؤية وطنية مستوعبة.

لأجل ذلك فلا عجب أن ينهض القطاع غير الربحي في بلادنا، وبين خيار مجتمعنا، وأثريائه، ووجهائه، ومسؤوليه. وليس بغريب أن يكون التطوع صفة طيبة مباركة في أهله، وركيزة مستهدفة في رؤية المملكة 2030. لأجل هذا يأوي العمل التطوعي والخيري وغير الربحي في المملكة إلى ركن شديد رشيد؛ فرأس الهرم أمضى من جهده ووقته وتفكيره، ودفع من ماله، وشارك بنفسه وبأولاده، في هذا الحقل الخصيب، والله يبارك لمقامه السامي وعليه، ويجعل هذا الصنيع من العمل المقبول المذخور المضاعفة درجاته عند المولى المحسن الكريم. لقد جعل “سلمان” من التطوع تربية ملكية، ونموذج حكم، وجزءًا من تعريف الدولة بشقيها الحكومي والمجتمعي لنفسها، وحقًا حقًا لقد جعل الملك سلمان من التطوع وظيفة سيادية صامتة!

ahmalassaf@

الرياض- الأربعاء 25  من شهرِ رجب عام 1447

14 من شهر يناير عام 2026م

Please follow and like us:

2 Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

X (Twitter)