سياسة واقتصاد سير وأعلام عرض كتاب

بيت بن إبراهيم: أسرة صنعت أثرًا!

إن تاريخ الأوطان قد يكتب انطلاقًا من سيرة عظمائها، ولذلك أعدت جذلًا النظر بكتاب عنوانه: بيت بن إبراهيم من الخزانة الوثائقية، إعداد: خالد عبداللطيف سليمان الإبراهيم، صدرت الطبعة الأولى منه عام 2023م، وتقع في (323) صفحة. يتكون هذا الكتاب من ثمانية أجزاء -أي فصول-، وعلى غلافه الخارجي صور لفريج الإبراهيم، ومخازن تمورهم، وبيوتهم. يوجد من هذا الكتاب نسخة إلكترونية “مبركدة” في مطلع الكتاب، وهذه حسنة للكتاب من ضمن محاسن أخرى صان بها الأستاذ خالد تاريخ أسرته من النسيان، وهو صنيع عليه يشكر، إضافة لإنشائه موقعًا للأسرة كي يصل إليه من شاء أينما كان.

يحكي الكتاب نقلًا عن وثائق، وكتب، ولقاءات مصورة، جانبًا مهمًا من تاريخ الكويت والمنطقة؛ لأنه يتعلق بأسرة كريمة عريقة من أقدم الأسر الكويتية، وفي نهاية أكثر مواد الكتاب يضع المعدّ رابطًا “مبركدًا” لمن شاء الاطلاع على المصدر مباشرة. كما يحفظ الكتاب طرفًا من أخبار عدة أعلام خاصة من الكويت، حتى لو كانت أخبارهم تدور في فلك هذه الأسرة المؤثرة، وأعلامها، ومشاركاتها، وأملاكها. إن وجود الأسر الكبيرة في آثارها مما يقوي المجتمعات والبلاد، ويزيد في الروابط والمناقب المجتمعية؛ خاصة أن هذه الأسر أصبحت مؤسسات مجتمع مدني يحمل كثيرًا من الأعباء التي تقوم بها الدول والمؤسسات غير الربحية.

لم تكن أسرة “الإبراهيم” أسرة تجارية فقط، على أهمية التجارة، وعلو كعب أهلها في أي مجتمع. لقد كانت أسرة “تنموية” بمعنى الكلمة؛ فقد كانت أسرة مسارعة لفعل الخير وصنع المعروف بمالها وجاهها. كانت أسرة ذات عناية بالعلم في مدارسه وكتبه وصحفه ورجالاته. كانت أسرة تربط الكويت مع غيرها من الحواضر ورموز العصر. كما كان لها مشاركات في تجهيز الجيوش، والدفاع عن بلاد المسلمين. إن هذه الحمية المنغرسة في جذر القلوب لأجل الدين والوطن والأهل لخصال كريمة تشير إلى طيب المحتد، وأصالة المنبت، وعبق النشأة، ورسوخ المبادئ.

إن أسرة هذا شأنها، وهذا جزء من أخبارها، لا يستغرب منها الخوض في السياسة، والحضور الفاعل فيها، خاصة أن صورة الدولة الحديثة لم تتكون إلّا متأخرًا، ومجتمع التجار والأسر العريقة في الكويت له منزلته الكبيرة خاصة قبل اكتشاف النفط. وإن أسرة هذا شأنها قد حفظت شيئًا من ذاكرة البلاد والأماكن بتدوين تاريخها، وأسهمت بقوة ناعمة مبكرة، ومسؤولية مجتمعية قبل أن تعرف، وفي مسالكها الحميدة إثبات على خيرية بلادنا ومجتمعاتها.

يتحدث الجزء الأول من الكتاب عن الجذور والوطن؛ إذ تنتسب الأسرة للعناقر من بني تميم أمراء ثرمداء، وكان انتقال جدهم محمد بن إبراهيم بن ريمان من الحرّيق -من الوشم- إلى الكويت عام (1120=1709م)، وهذا يعني أنها واحدة من الأسر الكويتية القديمة، وأماكنهم وآثارهم معروفة، ومنها بناء أول مسجد معروف في الكويت. وبعد ختم هذا الجزء بشجرة الأسرة، أصبح الجزء الثاني عن الشيخ علي محمد الإبراهيم، وهو الذي أرسل أول طالب علم كويتي إلى الأزهر وهو الشيخ أحمد الفارسي، وطبع ووزع كتبًا شرعية ولغوية في الكويت. في ختام هذا الجزء ورد ذكر اثنين من العبادلة ينتمون لهذه الأسرة، أولهم حوله نقوده المعدنية إلى رصاص دفاعًا عن الكويت عام (1783م)، والثاني خصص بيتًا للكويتيين في مكة.

ثم أخذنا الجزء الثالث إلى الشيخ عبدالعزيز علي الإبراهيم الذي دعم الشيخ مبارك الصباح بالمال وثلاثة آلآف كيس عيش؛ ولذلك صلت عليه مساجد الكويت صلاة الغائب حينما توفي عام (1328=1910م)، ورثته الصحف العربية حينها ومنها صدى بابل العراقية، وقد كان بيته في بومبي مضافة إذ أقام عنده جد الفلكي صالح العجيري ثمان سنوات أجاد فيها الإنجليزية، وحين حلت بالكويت سنة المجاعة عام (1867م) هبت أسرة الإبراهيم مع غيرها من الأسر الثرية المنفقة لغوث الناس.

عقب ذلك يقف بنا الجزء الرابع عند الشيخ يوسف عبدالله عيسى الإبراهيم، وهو شخصية شهيرة في التاريخ الاقتصادي والمجتمعي والسياسي المعاصر. من جليل أعماله أنه تكفل بنفقة أول زواج للملك عبدالعزيز حينما كان في الكويت حسبما وثقه الزركلي وفؤاد حمزة وغيرهما. ومن مآثره تطوير العمران في الكويت، وتوظيف عدد غير قليل في الحراسة والزراعة والتجارة، ودفع مبلغ الضريبة عن الكويت، ونصرة البلاد الإسلامية، ونجدة ذوي الحاجات، وإعانة مسلم بريطاني على الفرار بدينه، وتوسيع دوائر التجارة للكويت مع بلدان عالمية، واستقدام وسائل نقل وأجهزة ومعدات لم تكن معروفة من قبل.

وقد تابعه أولاده وأزواجه على منهج العطاء والتجارة والحضور الفاعل داخل الكويت وخارجها، وتلك ذرية بعضها من بعض، ومن أعمالهم خدمة عين زبيدة، وطباعة الكتب، وتخصيص المقابر، والتبرع للمدارس، وتصدير تمور الكويت للخارج. لقد كان الشيخ يوسف شخصية محورية حتى أن بريطانيا تتابع تحركاته، وختم الله حياته بالتوافق مع بلاده، وقبضت روحه وهو في طريقه لأداء فريضة الحج.

ثم نذهب إلى خامس الأجزاء وأطولها عن الشيخ جاسم محمد علي الإبراهيم (1869-1956م)، وهو مالك قصر بالهند شهد اجتماعات لقادة مقاومة الاحتلال الإنجليزي حتى أصبح اسمًا مرتبطًا بالعون في الهند. وله يد معروف على من انقطع من أهل الكويت في جزيرة سيلان، ومساعدات متكررة للدولة العثمانية ولدول عربية فضلًا عن مساعداته المتوالية للكويت وسكانها، وتبرعه بالمال والجهد والتواصل مع الشيخ رشيد رضا لأجل تأسيس المدرسة المباركية، وبناء مناهجها وطرائق التعليم فيها، واستقدام المدرسين، ولم يغفل عن تعليم حتى بنات الكويتيين في الهند، بل إن المؤرخ مقبل الذكير تعلّم في بيوتهم الكتابة، وله التفات نحو الثقافة ومتابعة الأخبار كما يتضح من اشتراكه بصحيفة الأهرام. أما التجارة فله فيها القدح المعلى خاصة في اللؤلؤ والمجوهرات، وتأسيس أول شركة مساهمة عربية عام 1329.

وهو صاحب إهداءت مميزة، منها سيارة للشيخ مبارك هي الأولى في تاريخ الكويت، وعقد تزين به جيد الملكة “ماري” زوجة “جورج الخامس”، ومن هداياه للشيخ مبارك عصا السلطان عبدالحميد، وعلبة سجائره الذهبية المطعمة بالألماس. كذلك شارك في مشروع السكة الحديد، وتبرع لبناء أول مسجد في لندن، ودفع المال مساندة للأسطول العثماني، ولجمعيات إرشادية مصرية، وتبرع لسوريا ولبنان والعراق وليبيا، وأعاد بناء جامع الصحابي الزبير بن العوام -رضي الله عنه- في بلدة الزّبير، وهو رابع من تولى ذلك بعد ثلاثة من سلاطين الدولة العثمانية. لأجل ذلك كان الشيخ مبارك يستقبله بحفاوة كلما زار الكويت، ومنحته الدولة العثمانية وسامًا بل ومنحت لزوجه وسامًا آخر، وربما هي أول امرأة كويتية تنال وسامًا. إن دبلوماسية الهدايا، وعالمية العلائق، تضيف أبعادًا لافتة للإنسان والأسرة.

والجزء السادس عنوانه الشيخ صالح الإبراهيم (1844-1935م)، وله مشاركة أساسية في بناء سور الكويت والدفاع عنها، وفي ديوانه تعلّم الفلكي الجيري هذا العلم على يد عالم الفلك أحمد النبهاني، وهذه منقبة تذكر لتميز العجيري فلكيًا. وكان يكرم حفظة القرآن الكريم بالهدايا، ومن وقر الكتاب العزيز وحملته فهو جدير بالثناء، ولنجله الشيخ محمد مكتبة ضخمة في الكم وفريدة في الكيف، وهذا مما يعزز من قيمة العلم لدى هذه الأسرة، ولذا نبغ منها أسماء بارزة في العلم مثل المؤرخ الباحث يعقوب بن يوسف الإبراهيم، صاحب المؤلفات والمقالات التاريخية المحققة الرصينة.

ويختص الجزء السابع باستعراض بساتين النخيل؛ فقد امتلكت الأسرة أكبر عدد منها في المساحة والنخل والإنتاج، وكان لها السبق في زراعة النخيل بالكويت، وشراء المزارع في البصرة وجوارها، وبناء مصانع لكبس التمور، وتصديرها لأمريكا وأوروبا حتى وصلت إلى نيويورك قبل قرن. وبسبب امتلاكهم المزارع والبساتين في البصرة، نجح الشيخ عبدالله بن عيسى بن إبراهيم وآخرون معه في التصدي لفكرة نامق باشا عام (1866م) التي أوهمته بقدرته على ضم الكويت للبصرة، فقبرها هؤلاء المخلصون لديارهم في مهدها. وفي الجزء الثامن تتبع لذكر الأسرة في الوثائق البريطانية والعثمانية، مما يؤكد على أهميتها وفاعليتها.

إن حفظ تاريخ الأسر المركزية في مجتمعاتها فرع عن حفظ تاريخ تلك البلاد والمجتمعات. هو عمل نبيل يتجاوز الأسرة ذاتها إلى ما هو أبعد. هو عمل جليل يخلد مآثر السالفين، ويزيد في نشاط من يأتي بعدهم من أجل الإسهام المجتمعي الفاعل، والمشاركة الحية، بما يجعل جذوة النفع والخدمة العامة حية لدى البيوت العريقة، وغير قاصرة على الأطر الرسمية، وإنما تتعاون معها تلكم البيوت الرفيع عمادها في سبيل تحقيق الصالح العام والخير العميم. ألا ما أعظم خسارة المجتمعات التي تهمل تاريخ الأسر المركزية فيها.

ahmalassaf@

الرياض- اليلة الجمعة  20 من شهرِ رجب عام 1447

09 من شهر يناير عام 2026م

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

X (Twitter)