يتوارد على خاطري أحيانًا أن بعض ذوي التجلة والفضل من السعوديين الذين اختصوا بالتحقيق، وعلوم البلدان، والكتب والمكتبات، لم ينالوا من المكانة ما يستحقونها خاصة خارج حدود بلادهم. على سبيل المثال قد نعرف أكثر من كتبي مصري وشامي ومغاربي وعراقي، ولكن كم من كتبي سعودي يعرفه أهلنا في بقية البلدان العربية فضلًا عن غيرها؟ طبعًا هذا الرأي قد تناقضه أسماء أعلام مشتهرة؛ بيد أن الاكتفاء بهم قد يؤكد ما أشير إليه!

أقول ذلك وقد تسامعنا يوم أمس بحزن عن خبر وفاة الكتبي المتفنن الأستاذ محمد بن عبدالله الحمدان -رحمه الله- (1357-1447=1938-2025م). وقد صلي عليه ظهر اليوم الأربعاء بجامع المهيني في حي العارض بشمال الرياض، ودفن في مقبرة بلدته، ونعته أسرته العريقة، وحسابات بلدته الطيبة البير وهي من أقاليم المحمل الواقع شمال غرب العاصمة الرياض، وتذاكره بخير وإجلال المشتغلون بالأدب والتاريخ والكتابة والشعر، وتداولوا مآثره ومحاسنه عبر تغريدات وتدوينات.

شغف أبو عبدالله بالكتب والصحف والمجلات القديمة، وتميز في هذا الباب حتى اجتمع لديه مالم يوجد لدى غيره، وغدا هو ومكتبته ذات النوادر قبلة للباحثين والمثقفين، بالاستعارة والاطلاع والشراء، هذا غير حرص المعارض على مشاركته فيها لما تحويه خزائن كتبه من مقتنيات قلّ أن توجد لدى سواه. لقد امتاز شيخنا الراحل بهذا الأمر، وتميز بأنه بادر إلى الاستقالة من العمل الحكومي كي يتفرغ لهذا الشأن الذي وقف عليه عمره وجهده، ونذر له النفس والعمر.
ومن أبواب التميز لدى الأستاذ الكاتب أنه اتخذ لمكتبته النفيسة اسم نجله “قيس” حتى تكون معروفة مميزة بهذا الاسم النادر محليًا، مع أن أرضنا قد شهدت على ميلاد أكثر من “قيس” حكيم وفارس وشجاع، لكن هذا الاسم الجميل غير شائع فيها! وقد اصطحب الحمدان مكتبته معه حيثما سكن وحل، وكانت أثيرة لديه حتى لو ضافت الدنيا والمواضع عليه، وكم هو محزن أن تضيق الأحوال على أهل العلم والأدب والفكر، وتتسع لغيرهم ممن لا يجاريهم نفعًا وتأثيرًا وفضلًا، والله يحمي النبلاء من أن يكونوا أغراضًا للزمن.

كما جمع أبو عبدالله إلى حب النوادر من الكتب والصحف محبة بلاده وما يختص بها، فكتب عن الشعر والأهازيج والدواوين لشعرائها حتى المفقود منها، وتجول في دياره لجمع بعض الآثار النادرة، وتصوير المواقع بعد الوقوف عليها، وهي جملة من الاهتمامات لم تجتمع لكثير من أمثاله، فاختص بها إذ أن محبته للقديم والنادر غير منحصرة في الورق، ولم تحجبه هذه المحبة البالغة عن ممارسة التصوير، والترحال، وجوب البلاد الداخلية والخارجية بالسفر والسياحة.


كذلك ألف الأستاذ الحمدان بضعة كتب، ونشر عددًا من المقالات والأبحاث، وكلها متاحة في موقعه بنسخ شرعية، إضافة إلى لقاءات مرئية معه أو مكتوبة، ووقائع حفل تكريمه من قبل النادي الأدبي بالرياض، وهي يد منه على مجتمع الثقافة والقراءة، تقف تالية خلف يده الكبرى بحفظ النادر والقديم، وإتاحتها بأكثر من سبيل، ومما لا أنساه أنه تفضل بإهداء كتاب تاريخي نادر لي حينما علم أني أبحث عنه، دون أن تكون لي علاقة مباشرة معه.
وقد عرف أكابر مجتمعنا وسروات أهله لأبي عبدالله منزلته وقدره الرفيع، فاستعانت به إمارة الرياض مستشارًا ثقافيًا عقب تقاعده، وكان قريبًا في هذا العمل من الملك سلمان -حفظه الله- إبان إمارته على العاصمة، وقبل ذلك عمل في عدة أجهزة حكومية منها الديوان الملكي، وكانت وظائفه في شؤون تتصل بالكتابة والثقافة. كما احتفظ بعلاقات كبيرة متينة مع العلماء والكتّاب والأدباء، ومع الصحف ووسائل الإعلام، وله مشاركات إعلامية بالتأسيس، والكتابة، والارتقاء بالمحتوى.

كما أحسن الأستاذ الكتبي الأديب محمد بن عبدالله الحمدان حينما أجرى عدة لقاءات حكى فيها أطرافًا من سيرته، وسطر ملخصًا مكتوبًا يحكي فيه قصة حياته من أولها بمصاعبها وطرائفها، ولعله قد توسع وكتب المزيد بما أوتي من أسلوب رشيق لطيف محبب. رحم الله سليل الأسرة النابهة العريقة، نجل الفضلاء والصالحين، دارس الشريعة، المشارك مخلصًا بنصيب وافر في الأدب والتاريخ، السادن بأمانة لقسم مهم من تراثنا العلمي المكتوب والمطبوع، المستقبل ببشاشة وإكرام كلّ من يطلب الفائدة والمعلومة.
الرياض- الأربعاء 04 من شهرِ رجب عام 1447
24 من شهر ديسمبر عام 2025م
4 Comments
مقالكم لا يكتفي بتخليد ذكراه بل يفتح نافذة على رحلة التفرّد والإخلاص في العلم. رحم الله الأستاذ محمد الحمدان وأسكنه فسيح جناته. وأسأل الله أن يمنحك دوام التوفيق والسداد على هذا الطرح البديع.
شكرا لكم
رحمه الله
كنت نقابله سنوياً
كانت بيننا وبينه رحمه الله
رابطة أصدقاء الوالد
الاجتماع بعد أسبوعين
الله يرحمهما … الوفاء جميل