الاقتصاد علم صعب صعب، متداخل مع جميع الشؤون، مؤثر بها، ومتأثر منها. هذا العلم العميقة أغواره، الكثيرة موضوعاته ومباحثه، الذي يحتاج لفهم دقيق، ليس غريبًا على التراث العلمي لأمتنا العربية والإسلامية، وأي استعراض للكتب المؤلفة فيه يقود إلى هذه النتيجة، مثل “الأموال” و “الخراج”، إضافة لموضوعاته التي انتشرت في أبواب المعاملات من كتب الفقه، وفي كتاب عَلَم في بابه مثل “مقدمة ابن خلدون”، هذا غير الكتب التي تحثّ على التجارة، وإصلاح المال، وغيرها، ولا عجب من ذلك فقد كان العرب في جاهليتهم أمة تجارة وصفق في الأسواق؛ ولأجلها ابتكر أبناء عبد مناف الأربعة “الإيلاف” الذي ضمن لقريش رحلتي الشتاء والصيف بأمن في الذهاب والإياب.
لذلك فليس بغريب حين يبرع جمع من أبناء المسلمين والعرب في فهم علوم الاقتصاد -ترجمته إلى “الاقتصاد” ربما تحتاج لمراجعة-، ومنهم أحد أوائل علماء الاقتصاد السعوديين الذين نالوا فيه درجة الدكتوراة من جامعة روتجرز الأمريكية عام (1387=1967م)، وهو د.محسون بن بهجت جلال (1355-1423= 1936-2002م)، الذي كان كما تبرهن لنا سيرته الفكرية والعملية نابغة في علمه، جريئًا في أفكاره، صريحًا في عرض آرائه، مبتكرًا في مشروعاته، مخلصًا لبلاده وثقافتها ومواطنيها، سبّاقًا بتنفيذ ما يؤمن به، ولا ينقصه الوضوح مع القدرة على تقريب الفكرة من أجل حسن تصورها من قبل الآخرين، ولو سردها بلغة خالية من المصطلحات التي لا يعرفها إلّا أهل الفن نفسه.
درس عالمنا في مكة ثم ابتعث لمصر من أجل دراسة الطب، فكان الاقتصاد من حظه، وهو لهذا العلم حظ ومغنم، وبعد عودته من مصر عمل معيدًا في جامعة الملك سعود، ثم ابتعث مرة أخرى إلى أمريكا ونال درجة الدكتوراة عام (1387=1967م) ومعه زميله د.يوسف بن عبدالوهاب نعمة الله. وبعد رجوعه إلى المملكة درّس في جامعة الملك سعود، وكان قريبًا من الطلبة محببًا إليهم؛ لسماحته، ولطفه، ولإجاباته البديهية الطريفة، ولأنه لم “يتغطرس” عليهم، وحرص على إحياء ملكة التفكير لديهم، وإعمال الحوار معهم وبينهم، كي يتلقوا العلم بقناعة، ويتمكنوا من النقد على بينة وبصيرة.
ثمّ أصبح د.محسون أول رئيس للصندوق السعودي للتنمية عام (1395=1975م)، وهو أول من مثّل المملكة في صندوق النقد الدولي، تلك المؤسسة الدولية التي تعاقب على تمثيل المملكة فيها جمع من طلبته ومن تعلّم على أيديهم، وفيهم وزراء ممن درسوا الاقتصاد وهما معالي د.إبراهيم العسّاف، ومعالي د.جبارة الصّريصري. كذلك أسس أول مركز استشاري يقدم خدماته للقطاع الخاص، وشارك في عدة لجان استشارية لدراسة موضوعات نفطية وصناعية واقتصادية ومصرفية، وتولى رئاسة صندوق الأوبيك للتنمية الدولية فنجح في تحويل الصندوق من مؤسسة مؤقتة إلى منظمة دولية دائمة يديرها وزراء المالية، ويُعد بذلك أحد السعوديين الذين أداروا منظمات دولية. أيضًا أسس د.محسون أول شركة تصنيع سعودية مساهمة تنفيذًا لرؤيته، وأصبح عضوًا في مجالس إدارة عدة بنوك، وشركات، داخل المملكة وخارجها، وساعد في الاستثمار السعودي داخل تونس التي اتخذها مقر إقامة أخير له، متجاوزًا أي تضييق صادفه مع أنه نفع تونس واقتصادها بترؤسه للشركة السعودية التونسية للاستثمار عدة سنوات.
إن منهج د.محسون جلال في العمل يقوم على التنقل من عمل إلى آخر من أجل خوض تحديات متنوعة، وفتح آفاق ذهنية بالتجربة؛ لأن طول المكوث في عمل واحد دون تجديد أو تحديات ينقص من قدر المرء وقدراته. وكان من أسلوبه العملي الاعتماد على اللامركزية في التفويض؛ ولم تكن بواعثه التخلص من الأعباء، وإنما تدريب الصف الثاتي وتأهيل أفراده، وتعزيز مشاركتهم في صنع القرار واتخاذه، ومع ذلك فهو صارم جاد صريح، لا يسكت عن خطأ، ولا يدخل في شبهة أو شائبة. ومن جليل ثوابته العملية أنفته من المناطقية والفئوية؛ ويجزم أن التنوع السعودي مصدر للإثراء، وليس للتنافر، وأن الفروقات المحلية طبيعية في أي مجتمع، وهي مصدر للقوة وليست حجة للتباعد. وحين غادر العمل الأكاديمي والحكومي، ولج إلى عالم التجارة بإقدام وثقة، ووصف نفسه -وهو الفكه المرح- بأنه “بزنوقراطي” الذي جمع بين صفتي الموظف والعامل في “البزنس”.
لم يكتف د.جلال بهذا النصيب من العطاء، فقد ألّف ثلاثة كتب، الأول منها مقرر جامعي يدرس للطلاب لسنوات طويلة عنوانه “مبادئ الاقتصاد”، سدّ به فراغًا، وقضى على انفراد الكتب “المستوردة” في هذا الحقل الخصيب. والثاني عرض فيه إحدى ركائز فكره، وهو “خيار التصنيع” الذي احتوى على جملة من الآراء الاقتصادية، بيد أن الثالث هو أعظمها وربما أشهرها، إذ جمعت ابنته “صوفي” عدة مقالات وأبحاث له، فنشط لضمها مع غيرها، والإضافة عليها، حتى أصدر كتابًا عنوانه لافت ومستثير للانتباه “زراعة البترول”، وقدّم له صديقه وزميله في الجامعة وكلية التجارة د.غازي القصيبي.

تقوم فكرة هذا الكتاب الصادر عام (1393=1973م) على تحويل عوائد النفط إلى مشروعات صناعية وزراعية واجتماعية، تفيد البلد ومستقبله وأجياله، وتنوع سبل الدخل، وتزيد من إفادة الحكومة من عوائد النفط التي لا تُضمن بسبب تقلّبات الأسعار، وتموجات الأحداث. ثمّ صارت هذه الفكرة من محاور أحاديث أساتذة الاقتصاد والتنمية في دول الخليج المعتمدة على النفط، وتوالى طرق هذا الموضوع كي تعظم الثمار من مصدر ناضب محفوف بالمخاطر، واختلف التطبيق للفكرة وما يترتب عليها، حتى جاءت رؤية المملكة 2030، فضمت معها هذا التوجه الذي أشار له د.جلال، وأضافت عليه ما يحقق التنويع والجدوى في مجالات شتى.
وفي محاضراته ومقالاته وكتبه، دافع د.محسون عن خيارات أساسية لديه، مثل خيار التصنيع، والتوطين، وتمكين القطاع الخاص ومساندته، وتوظيف الشباب من الجنسين، والحماية الجمركية، وغير ذلك، وهي الخيارات التي نبغ في بيانها، وابتكر ما لم يُعهد من أجل تنفيذها، فكان ممن وافقت أعماله أقواله، وممن نفخ الروح في آرائه حتى رآها الآخرون ماثلة أمامهم، واجتهد في ذلك قدر وسعه وطاقته، ولذلك استحق الوصف بأنه مفكر وطني يشغله موقع بلده في العالم، مفكر لا يرى في التصنيع مجرد وسيلة لتنويع الدخل، بل مشروعًا للنهضة والاستقلال الاقتصادي.
من أفكاره المهمة جدًا، وهي مهمة لأي اقتصادي وأي مختص آخر قبل أن يقدم على اقتراح فكرة، أو بناء مبادرة، أو صناعة إستراتيجية، ولا غرو فهي فكرة ذات أساس، ولا مناص من جعلها أمام العيون أوضح نبراس. خلاصة هذه الفكرة أن مجتمعنا عربي إسلامي، فلا ينفع استيراد فلسفة له من خارج نسيجه، حتى لو استعنا بخبراء أجانب، وتقنيات خارجية، فإن النظم والتعليمات والضوابط يجب أن تبقى محلية متسقة مع الحضارة والثقافة، وعلى هذه الفلسفة تشيّد أي إستراتيجية يُراد لها النجاح.

يقول د. محسون: “… لئن كان استيراد رأس المال والخبرة مجدياً إذا قابلة التصميم والعزم الأكيد من قبل أبناء المجتمع إلا أن استيراد الفلسفة الذي تتم في إطارها عملية التنمية لن يكون مجدياً على الإطلاق. فالإطارالفلسفي للتنمية الاقتصادية يجب أن يكون مستمداً من داخل المجتمع نفسه…”، ويختم :” إن ما نخلص به من التجارب التي مرت بها العديد من الدول المتخلفة أن الفلسفة المستوردة مآلها الفشل، ولا محالة… وإن الخط الأمثل للمجتمع هو ذاك الذي يأتي من داخله متمشياً مع دينه وعاداته وتقاليده…”، وهذه لعمركم كلمة غيور مخلص مستقل غير تابع أو منكسر في فكره أو في انتمائه.
وقد شاء الله أن تهاجمه نوبة قلبية لم تمهله، فتوفي على إثرها في تونس، وقد تسابق زملاؤه وطلبته والمنصفون للإشادة به، والدعوة إلى تكريمه، وأصبح الشخصية المكرمة في منتدى الأمير عبدالرحمن السديري، وسيرته الطيبة باقية تتجدد، فلسان الصدق في الآخرين قدر إلاهي ليس للبشر فيه يد متحكمة مهما اجتهدوا. وممن رثاه حين وفاته زميله د.غازي القصيبي -رحمهما الله-، في أبيات تصف د.محسون، وتحوي الحكمة، منها قوله:

عليك سلام الله.. ما طابتِ الوغى لفرسانها.. والنصر يدنو.. ويَبعدُ
عليك سلام الله.. ما قستْ النوى على كبدٍ مصدوعةٍ تتنهدُ
عليك سلام الله.. ما طافت الرؤى على «سيدي بوسعيد».. التي تتوسدُ
أسائلُ هذا القبر.. كيف ضَممَته؟ أما كان كالبركانِ يعلو.. ويَخمدُ؟
أما كان في حجم الحياةِ.. بصحوها وأمطارها.. هل تُحتَوى.. أو تُحددُ؟
وكان عنيفاً كالمحيطِ إذا طغى وكان رقيقاً مثل طفلٍ يُهدهَدُ
أمحسونُ! هل أروي حكاية ثائرٍ قضى عُمره، أو جلّه، يتمردُ؟
أبى أن يجاري الناس.. واختار خطةً كما شاءها، إذ شاءها، لا يُقلِّدُ
وطبعُ الورى طبعُ القطيعِ.. يسرهُ خضوعٌ.. ويؤذيه الجَسُورُ المُجدِّدُ
وهل يستريح الناس إلا إذا قضوا على كلِ فذٍ.. حيثما يتفردُ؟
وتعجبُ أن عاداك قومٌ.. وخاصموا وأعجبُ أن حاباك قومٌ.. وأيدوا!
أمحسونُ! هل أروي حكاية ناقمٍ عنيدٍ.. تحدى الفقرَ.. والفقرُ أعندُ؟
وقاتل من أجلِ الجياع بعالمٍ حضارتُه تذرو الجياعَ.. وتَحصُدُ
أمحسونُ! هل أروي حكايةَ صاحبٍ وفيٍ.. وحزِبُ الأوفياءِ مُهددُ؟
تعودتَ في وجهِ الرياءِ صراحةً وكم قائلٍ: «يا بئس ما يتعوّدُ!»
تحاربُ إن حاربت ضِمْن رجولةٍ فلا أنتَ غدارٌ.. ولا أنتَ تحقدُ
وتصدقُ والدنيا عدُّوةُ صِدقها تكابدُ.. والكذابُ بالكذبِ يَسعدُ
تحمل هذا القلب ما لا يطيقهُ ومن لك بالقلبِ الذي ليس يُجهدُ؟!
الرياض-الأحد 27 من شهرِ ربيع الآخر عام 1447
19 من شهر أكتوبر عام 2025م