من سعادة الدول أن يوجد فيها أناس أكابر، يصنعون القدوة بتفكيرهم وعملهم، ويضربون المثل العليا بتحري المصالح العامة الحالية والمستقبلية، وإن لم ينسوا حظهم فهذا من حقهم، والجمع بين النصيب والواجب غير عسير على من وفقه الله لذلك؛ فجمع بين الحسنيين. إن تكاثر الأمثلة على حضور رجال الدولة وتمكينهم في أي عصر لمن النعم التي تستحق الشكر، وهي غنيمة يسعى العقلاء لتحصيلها أداء للأمانة، وتحقيقًا للأهداف، وتزيينًا للتاريخ والسيرة.

أكتب ذلك عقب الفراغ من قراءة كتاب عنوانه: عبدالعزيز بن أحمد السديري (1327-1375)، تأليف د.نايف بن علي السنيد الشراري، صدرت طبعته الأولى عن دارة الملك عبدالعزيز عام (1437=2016م)، ويحمل الرقم (334) من إصدارات الدارة. يتكون الكتاب من تقديم ومقدمة وتمهيد، ثم أربعة فصول، فالخاتمة التي تتلوها ملحقات بالوثائق والصور، وكشاف عام، والمصادر والمراجع وهي مخطوطان، ومئة واثنان وأربعون وثيقة، وعشرون مجلة وصحيفة، وواحد وعشرون كتابًا، وأربع رسائل وبحوث، وسبع مقابلات، ومصدران أجنبيان.
يشهد عنوان كل فصل على جانب من سيرة عبدالعزيز، فالفصل الأول يستعرض جهوده السياسية والإدارية، ويختص ثاني الفصول بجهوده في الجوانب الحضارية، ويبحث الفصل الثالث جهوده في الجوانب الاجتماعية والاقتصادية، ويجمع آخر فصل عدة شهادات تحكي جوانب من شخصية عبدالعزيز السديري في عيون بعض معاصريه. إن هذه المحاور المختلفة مما يزيد التأكيد على براعة الملك عبدالعزيز في انتقاء الرجال واستثمارهم؛ إذ استعمل عبدالعزيز السديري منذ عام (1347) وعمره عشرون عامًا أو أزيد بقليل بناء على أقوال أخرى تجعل مولده في عام (1324) أو بعده بسنة.
نشأ عبدالعزيز قريبًا من والده الأمير أحمد الثاني -جدّ الملك سلمان– في حضره وسفره، فتربى على يديه وصنعه على عينيه؛ فكان هذا الشاب أهلًا للاصطفاء من قبل الملك المؤسس. هذا الاصطفاء الذي امتاز بعدة أشياء، منها أنه كان بديلًا عن أخيه الأكبر الأمير تركي الذي أمره الملك عبدالعزيز بتسليم إمارة الجوف لعبدالعزيز واللحاق بالملك من أجل إسناد مهمة أخرى له. وتميز هذا الاصطفاء الملكي بمشاورة دائمة لعبدالعزيز السديري فيما يخص التعيين وتقدير الرواتب، مع تفويض باختيار الأعوان واستبدال الموظفين، وإجراء المفاوضات مع الدول المجاورة، وتجاوزت الشورى بينهما العمل إلى موضوعات اجتماعية.

لقد كان قرار تولية الأمير عبدالعزيز السديري على الإمارة ومفتشية الحدود في مناطق قبلية وحدودية تزكية ملكية له بالمكانة والمقدرة، بل زادت هذه المنزلة فأوكلت إليه إمارة منطقتين وهو مالم يكن لأحد سواه. وبعد أن سلّم عبدالعزيز إمارة الجوف لأخيه الأمير عبدالرحمن، وأصبح أميرًا على القريات وحدها، وافق الملك عبدالعزيز على مقترح السديري بنقل مقر الإمارة؛ لأن السديري لاحظ أن المقر الأول قريب من الحدود، ويسرع فيه الوباء، وقد يكون سببًا لانصراف الناس، وهذه نظرة حصيفة منه.
وإبان إمارته على القريات استطاع الأمير عبدالعزيز في وقت قصير تنظيم شؤونها المدنية والعسكرية، وكسب قلوب الناس بتيسير أمورهم، والسعي من أجل مصالحهم؛ ولهذا بادلوه الحب ومنحوه الوفاء والولاء عندما وقفوا على منجزاته، ورأوا رأي العين ملكاته ومواهبه. وكان من سيرة الأمير عبدالعزيز المسارعة إلى زيادة عدد العاملين في الحكومة من مدنيين وعسكرين، وافتتاح عدة أجهزة حكومية بعد بناء مقرات لها.

كما وفقه الله ببناء عدة جوامع ومساجد في بلدات المنطقة، وعندما اقترح زيادة مساحة أحدها تعجب بعض الموظفين فقال لهم: بعد عشر سنوات سترون صحة رأيي، وهذا قرار استشرافي صائب. ولم يكتف بهذه المشروعات على عظمتها وأجورها، بل نهض من فوره من أجل افتتاح الكتاتيب، وبناء المدارس ولو كانت صغيرة، وتحفيز الأهالي بدفع مكافأة حكومية للطلبة الدارسين، وعمل على استقطاب المدرسين من داخل المملكة وخارجها. ليس هذا وحسب؛ بل عرض على بعض الأهالي ابتعاث أبنائهم مع ابنيه للدراسة خارج المملكة على حسابه، وليس هذا فقط، بل سجل لمنطقة القريات أنها أول مدينة سعودية تفتتح بها مدرسة لتعليم البنات عام (1371=1952م)، وساند هذه الفكرة عندما عرضت في مجلس ملكي، وروي عنه الحث على تخصيص بعض الأوقاف للمدارس، وهذه وجهة نظر عميقة لم تكن شائعة حينها عند كثير من الواقفين.
ومما أعانه الله عليه مساندة الأعمال التجارية والزراعية، وافتتاح مصنع للبلاط، واستثمار توافر الملح في المنطقة، والإصرار على إعفاء بضائع تجار الأردن من الجمارك الأردنية، ومفاوضة البلدان المجاورة لستهيل حركة التجار، والعناية بجميع ما يرتبط بالمراعي في منطقته، واستقدام البعثات الزراعية من مصر وفلسطين والأردن وسورية والعراق، واستيراد الآلات والمعدات، والإشراف على تشغيلها وصيانتها؛ من أجل الارتقاء بالزراعة في القريات، ففوق أهمية الزراعة للأمن والاقتصاد والمعيشة، فلدى “السدارى” علاقة خاصة ووثيقة مع المزارع والتخيل والإبل! وقد استورد مواد البناء والكهرباء من دول مجاورة، وحرص على تشييد المباني على أحسن هيئة ممكنة، حتى أن هيئة زائرة من الرياض كتبت في تقرير لها ما معناه: في القريات مسجد ومدرسة ومستوصف أحسن مما في الرياض ومكة وفي بلدان خارجية أيضًا!

الإشارة للمستوصف تأخذنا إلى جانب مهم من مسيرة الأمير؛ إذ صرف الجهد من أجل افتتاح مستوصف، والتعاقد مع طبيب وطاقم صحي ممارس، وتجهيز المستوصف بالأجهزة والأدوية والمستلزمات بما يجعله مؤديًا للخدمة المرجوة منه؛ ولهذا أصبح المستوصف سببًا في علاج عدة مرضى من مناطق شمالية أخرى مثل عرعر والجوف وحائل. لم يقف عبدالعزيز عند هذا الحدّ، فمن لم يجد علاجه في المستوصف أرسله على حسابه للاستشفاء خارج البلاد. ولا يترك السديري الوضع القائم كما هو؛ لكنه يسافر للرياض من أجل متابعة تطوير المستوصف، وتلبية احتياجاته.

كذلك برز عبدالعزيز في الشأن السياسي بمتابعة قضية فلسطين، وما يجري في الدول العربية القريبة، وبالتفاوض مع “كلوب باشا” في قضايا الحدود، والمصالح التجارية، والتعديات الجوية والبرية، والسجناء، ومسائل التجارة والعبور، وكان عبدالعزيز مفوضًا من قبل الملك عبدالعزيز، وعلى اتصال دائم معه بالبرقيات والرسائل. ويحسب للمؤلف د.نايف هذه المكاتبات في بحث آخر منشور عن المراسلات بين أمير القريات عبدالعزيز السديري، والمسؤول الإنجليزي في شرق الأردن “كلوب باشا”، وهي في مجملها تدل على الحس السياسي والدبلوماسي لدى السديري. ومما قرأته في كتاب عنوانه “الاتصالات اللاسلكية ودورها في تأسيس المملكة العربية السعودية”، تأليف: حمدان بن سليم البلوي، وهو ممن عمل في البرقية بالقريات، أن الأمير عبدالعزيز أول من استقبل رشيد الكيلاني القادم من العراق، قبل أن يأمن بوصوله بين يدي الملك عبدالعزيز.

ثمّ اختار الملك سعود الأمير عبدالعزيز فعينه وزيرًا للزراعة عام (1375)، وبعد أسابيع قليلة توفي فخلفه أخوه الأمير خالد على الوزارة نفسها، وأصبحا بذلك أول أخوين يتعاقبان على عضوية مجلس الوزراء من غير أمراء بيت الحكم. إن عبدالعزيز بن أحمد السديري أمير يصنع المبادرات ويقف على رأسها حتى تستتم قائمة مثمرة متجاوزًا العوائق، لأجل هذا صار ضمن الخالدين في الذكريات والسير، ولذا استحق منا الوصف بأنه أمير يتحدى الصعاب!
الرياض-الجمعة 25 من شهرِ ربيع الآخر عام 1447
17 من شهر أكتوبر عام 2025م