سؤال أهل العلم وذوي الخبرة، والمذاكرة معهم، من أنفع ما يكون للطرفين. المذاكرة نعمة قد يحرمها المنعزل الذي لا يخالط لحياء أو كبر، أو ضيق العطن الذي لا يصبر على سؤال، ولا يطيق المخالفة. وقد كنت أحرص على سؤال بعض من ألقى حول جملة من المسائل التي أبحث عنها أو أكتب فيها أو أجد اهتمامًا نحوها، فتفاعل جمع كريم منهم بالتجاوب المثمر العاجل، بل قال لي أحدهم متفضلًا متلطفًا ما معناه: بسؤالاتك أنت المتفضل عليّ؛ لأني أتذكر وأبحث وأتنشط للقراءة والتفكير.
لكن ليس الناس كلهم على قدر واحد من هذا الحظ والنصيب، فأحدهم مثلًا كان يتهرب من الجواب عن السؤال وكأني أورد استفسارًا عن سر تحت الأرض السابعة، ولا يعلم عنه إلّا نفر قليل عديدهم! ويضنّ هذا المسكين بالمعلومة ضنانة من لديه شيء ثمين إذا سُلب منه لا يعود إليه، فهو يتمنع ويتغلّى بدون موجب مقنع. ثمّ شاء الله أن أجد عددًا من الكتب واللقاءات المسجلة والحوارات الصحفية والسير التي تجيب عما كنت أسأل عنه الآنف ذكره، بل وأزيد، فعجبت من هذا الذي بخل بالمعلومة المتوافرة لديه بحكم الدراسة والعمل، وعجبت أكثر حين لم يحلني لبعض هذه المصادر، والإحالة على مليء تكفي وتغني وترفع اللوم، وقد أحسن الظن به حين أعتقد أنه لم يسمع بهذه المصادر والمراجع، ولم يطلع عليها أصلًا، مع أنها ذات مساس كبير بعمله وتخصصه.
من هذه المراجع المهمة جدًا، كتاب إمام في بابه، ضخم في حجمه، غزير في محتواه العلمي والتطبيقي، عنوانه: القانون الدستوري السعودي (دراسة قانونية تطبيقية)، تأليف: د.محمد نسيب أزرقي، وَ د.محمد بن عبدالعزيز الجرباء، وَ د.عصام بن سعد بن سعيد. صدرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب عن مكتبة القانون والاقتصاد بالرياض الطبعة الأولى 1432= 2011م، ويقع في (888) صفحة. يتكون هذا السفر النفيس من إهداء لدارسي الشريعة والقانون فمقدمة، ثم ستة أبواب تتلوها الملاحق وعددها ستة، وأخيرًا المراجع العربية والأجنبية التي بلغت (183) مرجعًا.
عنوان الباب الأول النظرية العامة للقانون الدستوري وفيه ثلاثة فصول، واختص الباب الثاني بالحديث عن الدستور وفيه أربعة فصول. هذان البابان مهمان جدًا في التقديم للقانون الدستوري، وتاريخه، وفلسفته، وفهم مناهجه، وحري بأي دارس أو ممارس أن يكون على علم بها وخبر عنها، ويمكن فصلهما في كتاب مستقل، ففيهما نظريات عامة، والعلاقة مع النظم السياسية بأنواعها، وتعريج على فكرة الدولة، بالإضافة لمفهوم الدستور وأشكاله وإعداده وسموه وحمايته.
بعد هذا التمهيد العلمي يدلف بنا مؤلفو الكتاب إلى الباب الثالث عن نشأة القانون الدستوري السعودي، وفي هذا الباب تاريخ وفكر عرضهما فصلان عن طبيعة القانون الدستوري السعودي وأسسه ومصادره، وتبعه الباب الرابع عن مدى تأثر القانون الدستوري السعودي بعوامل تطور المجتمع والدولة السعوديين، وهي عوامل اقتصادية وسياسية واجتماعية، والخلاصة العملية الثابتة هي أن التطور في القانون الدستوري السعودي ممكن جدًا حتى مع ثبات الأصول الشرعية والتاريخية له.
ثم يبحث الباب الخامس مراحل تطور السلطة التنظيمية (التشريعية) بالمملكة العربية السعودية في ضوء تعاليم الشريعة الإسلامية، وفيه فصل واحد فقط عن تاريخ صدور الأنظمة، وحرص المؤلفون قبله على إيراد بعض التعريفات المهمة، وسبق لي الاستفادة من هذا الباب في بحث كتبته عن تاريخ إصدار الأنظمة السعودية. إن هذا التاريخ يبرز معالم من خصائص الأنظمة في المملكة العربية السعودية، وبعضها فريد باسق، وهو موضوع خصب مهم، وأسعى منذ مدة للقراءة والسؤال عنه تمهيدًا للكتابة التي أسأل الله أن ييسرها ويبارك عليها.
آخر باب من هذا الكتاب الذي هو على التحقيق لباب حتى مع ضخامته، هو الباب السادس بعنوان السلطة التشريعية في المملكة في ظل النظام الأساسي للحكم، وفيه سبعة فصول، ويتحدث عن سلطة الملك، ومجلس الشورى، ومجلس الوزراء وسلطتيه التنظيمية والتنفيذية، والعلاقة بين السلطات الثلاث، والتداخل المبني على التعاون بين هذه السلطات، وتكوين السلطة التنفيذية، مع تعريف بالأدوات النظامية.
ويقدم الباحثون في هذا الباب وطوال الكتاب آراء خاصة، ومقترحات تطويرية أو لإكمال الموجود، مع كتابة توصيات نظامية وواقعية تتفاعل مع الموجود، وترنو للمأمول. كما يقارن المؤلفون الدستور السعودي بداستير دولية وإقليمية، مع اعتزازهم الظاهر بالهوية الشرعية والوطنية والتاريخية للمملكة، وهذا أطول أبواب الكتاب، وأسلوبه مثل ما سبقه سلس خفف على القارئ الحجم الكبير، وبعض التكرار.
إن هذا الكتاب المرجعي في أصل مادته، وفي تطبيقاته السعودية، لجدير بأن يكون من أهم الكتب التأسيسية في المكتبة القانونية الدستورية السعودية والعربية والإسلامية. وهو حري بأن يكون ضمن المراجع الجامعية المعتمدة لدارسي الشريعة والقانون. وعسى أن يجد مؤلفوه من الوقت ما يكفي لتحديثه بناء على المستجدات التي توالت بعد صدوره خاصة في عصر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان -حفظه الله ورعاه- دون أن تؤثر على أصل فكرته الراسخة، العميقة جذورها، القابلة للتطور بقوة ذاتية مرنة؛ تقبس بها من المفيد المناسب، وتستمسك بالأصل الثابت مصدره الرفيع بنيانه.
الرياض- الاثنين 30 من شهرِ ربيع الأول عام 1447
22 من شهر سبتمبر عام 2025م