ينتمي السيد عمر بن عباس السقاف (1332-1394=1914-1974م) إلى أسرة عريقة من أسر المدينة النبوية التي تتصل بالنسب الشريف. وقد عاش طفولته تحت رعاية والده، متنقلًا بين حلق العلم والحفظ، والمدارس النظامية، حتى أكمل دراسته بمدرسة تحضير البعثات بمكة، تلك المدرسة التي سارع لإنشائها الملك المؤسس كي يتأهل فيها شباب البلد للابتعاث وإكمال الدراسة الجامعية وخدمة بلادهم، وهكذا جرى للسقاف الذي ابتعث مثل غيره لمصر؛ لكنه آثر الدراسة في الجامعة الأمريكية ببيروت، وفيها تخرج. اختياره الدراسة في بروت خلافًا لأكثرية الطلاب يدل على صفات حميدة فيها قدر من الجرأة، والاستقلالية، وربما الرغبة بالتميز.
ومع أن بيروت وجامعتها في الزمن الذي كان السقاف فيه أحد طلابها تموج بالتيارات الفكرية والسياسية من كل مشرب، إلّا أن الشاب الذي حفظ القرآن الكريم، وتعلّم قريبًا من أنوار الحرمين الشريفين ونسائمهما العطرة المباركة، لم يعلق به شيء من ذلك علوق الكَلف الغالي غلوًا يجعل المبتلى به لا ينفك حائمًا حول تيار أو فكرة أو إطار، وقد حماه الله فأخلصه لخدمة بلاده، وحسن تمثيلها، وتمثيل أسرته المبجلة.

عمل السقاف في السفارات السعودية بوظائف عدة، أبرزها وأعلاها أنه أصبح السفير السعودي الأول في أديس أبابا عاصمة إثيوبيا. كما عمل في وزارة الخارجية بوظائف عدة في السكرتارية، والمراسم، وأخيرًا وكيلًا للوزارة التي تحتفظ لنفسها بالسبق الزمني في تاريخ الوزارات السعودية، وهذا مكنه من أن يكون قريبًا من عمالقة السياسة السعودية مثل الملك فيصل، والشيخ يوسف ياسين، والشيخ حافظ وهبة. إن المعايشة إحدى أهم سبل التدريب، والتعليم، ونقل الخبرة، وغرس الفكرة، واكتساب المزايا، وما أسعد الشاب الذي يلتصق بكهل أو شيخ مجرب حاذق ناصح، فيقتبس ويتشرب منه الخبرة والمعارف.

ثم بعد سنوات من تولي الملك فيصل مقاليد الحكم في البلاد (1384-1395=1964-1975م)، وهو الذي ضم إلى الملك ورئاسة مجلس الوزراء حقيبة وزارة الخارجية، ولم يتركها، في سمة لم تتكرر لغيره سعوديًا حتى الآن، أراد الملك أن يصطفي أحد العاملين الأذكياء في الخارجية ليتولى كثيرًا من المهام التنفيذية لها؛ إذ يصعب على الملك إدارة عملها اليومي، والتنقل في رحلات عمل يقتضيها المنصب، فوقع الاختيار على السيد عمر السقاف، لتسند إليه هذه الأمانة الثقيلة بعظم مكانة المملكة، وحجمها، وتأثيرها.

فأصبح معاليه أول وزير دولة للشؤون الخارجية مع عضوية مجلس الوزراء (1388-1394=1968-1974م)، وتبعه على المسمى نفسه أو قريبًا منه، الأمير سعود الفيصل مرتين عمل بينهما وزيرًا للخارجية أربعة عقود، والأستاذ عادل الجبير. وقد نشط الوزير السقاف في أداء هذه المهمة تحت عين الفيصل، وتنفيذًا لتوجيهاته، وانقسمت أيامه ما بين أيام يمشي فيها فوق الأرض، وأخرى يطير بين السماء والأرض مسافرًا بين عاصمة وأخرى، ومشاركًا في اجتماعات ثنائية أو متعددة أو دولية، وضمن وفود بلاده، وزيارات الملك فيصل الدولية، أو ممثلًا لها.

من أبرز الأعمال السياسية والاقتصادية والعسكرية التي شارك فيها الوزير السقاف قبل الوزارة وبعدها، أحداث حرب اليمن، وتداعيات حظر النفط، وتطورات أيلول الأسود، ومفاوضات ما بعد حرب الأيام الستة، وحرب أكتوبر، ومعالجة العدوان الإسرائيلي المتكرر على بلدان عربية. وقد أضطرته هذه المهام لمواجهة وزراء خارجية يمثلون دولًا كبيرة قوية متحكمة ومنحازة، وهم من أدهى الناس وأمكرهم، وأكثرهم ولاءً لانتمائهم العرقي، مثل وزير الخارجية الأمريكي الأشهر “هنري كيسنجر”، مما جعل الملف الأهم الذي تولاه السقاف صعبًا وشاقًا.

هذا الملف هو الدفاع عن القضية الفلسطينية في كل محفل، وكان آخرها عند حضور السقاف الفاعل لاجتماعات تخصها في نيويورك، وخلالها وافاه أجله المسمى، وهو لا يزال في منصبه الرفيع، فنقل جثمانه إلى جدة، وكان الملك فهد على رأس مستقبليه، والأمير فهد حينها هو النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية، ثمّ شيع في المدينة النبوية بعد الصلاة عليه في المسجد النبوي. وقد عمّ الحزن لرحيله المفاجئ، وتلقى الملك فيصل التعازي فيه، ولا غرو من هذا التقدير للراحل؛ فمن سمات الأسرة الملكية السعودية الوفاء لرجال الدولة، ومبادلتهم الحب والثقة، وقد كان السيد عمر مخلصًا محبًا لبلادته وقادتها، وأظهر هذا الولاء بمواقفه كلها، وبإطلاق اسم “فيصل” على أكبر أنجاله.

لقد كان البيت والأسرة، والتنشئة الدينية المتصلة بالقرآن الكريم واللغة العربية، ثم التعليم الجاد، والدخول في العمل بقوة، والقرب من رجالات دولة كبار، وزعماء عظماء -رحم الله الجميع-، مع سمات وخصال أكرم الله بها المترجم، أبرز المؤثرات على شخصية هذا الرجل الرزين الذكي، الذي لم يفتن بما انصبغت به بيروت إن بمباهجها حينذاك، أو بأفكارها آنذاك حتى لو تأثر ببعضها تاثرًا يسيرًا لا يضر عند العقلاء ومن شابههم. وقد ورد اسمه في بعض السير العربية ممن زاملوه دراسيًا، وكلهم يعتز بتلكم المزامنة والمزاملة. وعندما ارتحل مبكرًا رثاه الأستاذ عبدالقدوس الأنصاري بمجلة المنهل في مقال عنوانه: “الفارس الذي سقط في الميدان”، وهو عنوان معبر جدًا.
إن الوزير السيد عمر بن عباس السقاف، لوزير سياسي أصيل بعيد الجذور، متطاول الذرى إلى عنان السماء، وهو يمثل نموذجًا صادقًا، وصورة ناصعة، لإنسان بلادنا السعودية المباركة المقدسة، الذي يخدم بلاده ومصالحها دارسًا وموظفًا، داخل البلاد وخارجها، وفي كل أحواله حتى لو أنهكه التعب، أو أدركه المرض. وهو مثال على أن صاحب المحتد الطيب، والمنبت الأصيل، والتربية العميقة، والأهداف السامية، لا يتأثر بأي شيء من مغريات وشبه تسطو على العقول والقلوب، فهنيئًا للبلاد وأهلها بما في المجتمع من عراقة، وصفاء، ونبل، وتماسك.
الرياض- ليلة الأربعاء 18 من شهرِ ربيع الأول عام 1447
10 من شهر سبتمبر عام 2025م
2 Comments
ما شاء الله تبارك الله
لله تلاد أناملك وإبداعاتك 😘
ويعلم الله شوقنا ومحبتنا لكم كبيرة وعالية 🌹
الله يرعاكم…