سير وأعلام شريعة وقانون قراءة وكتابة

قانونيون وكتّاب

العلاقة بين القانون وفنون الكتابة والحديث لا تنفك أبدًا، ولا ينبغي لها. يمكن لبعض المهن والوظائف أن يستمر فيها صاحبها دون حاجة لحد أدنى – فضلًا عن البراعة- من هذه الفنون التي لا يحتاجها في عمله، لكن مهنة القانون باتساع نطاقها في التشريع والقضاء والفقه والادعاء والمحاماة والتعليم والتأليف، لا تصلح لمن لا يحسن الكتابة والحديث أو أحدهما على الأقل. الكتابة والخطابة مهمان للناس كافة بغض النظر عن وظائفهم؛ بيد أنها لفئات أهم وأولى من غيرهم.

إن عمل القانوني متصل بالنصوص، والقراءة، والقلم، وتحليل الخطاب، ولذا فلا مناص له من أن يصبح كاتبًا أو مشروع كاتب ناجح، ولا محيد عن إجادة الخطابة والقدرة على الحوار والإقناع. ومن استطاع الترقي متجاوزًا مرحلة الكاتب إلى الكاتب الأديب المتفنن، ومتخطيًا صفة الخطيب إلى المصقع المقنع فهو خير له وأجدى. إن القانوني يشترك مع الأديب في التكوين الثقافي؛ فكل واحد منهما يطلّع على علوم إنسانية كثيرة، ويستخدم الخيال والمنطق في الافتراض والخيال، ويتداخل مع الحياة وشؤونها، فلا غرو بعد ذلك أن تُكتب فلسفة القانون وتاريخ التشريع بلغة جذابة فخمة، فهي أدب وتاريخ يحكيان عن القانون.

وفي التاريخ القانوني القديم والمعاصر، العربي والأجنبي، تبرز لنا أسماء كثيرة ممن امتلكوا ناصية الكتابة والحديث، مع أن أصل تخصصهم في القانون، فمنهم من طغت حرفته على التخصص حتى عرف بها، ومنهم من أعطى لكل ذي حقٍّ حقه، وأبقى على القانون والكتابة المتنوعة. من الأمثلة على الصنف الثاني القانوني المصري الكبير د.عبدالرزاق السنهوري شارح الأنظمة وواضعها، والشيخ القانوني السعودي صالح الحصين صاحب الأفكار العميقة، والمحامي السوري ظافر القاسمي الذي وصف بأنه من نقباء صناعة القانون وصناعة البيان، علمًا أنه نجل الجمال القاسمي، ولست أنسى أستاذ القانون في مصر د.سمير تناغو الذي كتب في القانون وفلسفته وأفكاره الكبرى.

كذلك منهم القانوني السوري/السعودي معروف الدواليبي الذي ألف في التشريع والأصول، والدبلوماسي اللبناني/السعودي فؤاد حمزة، وله سيرة مطبوعة، والسياسي العراقي رشيد عالي الكيلاني صاحب التحريرات الكتابية المتقنة، والمحامي التونسي/ السوري علي الرضا الحسيني الذي خدم تراث عمه شيخ الأزهر وعالم الزيتونة الشيخ محمد الخضر حسين، ومنهم شيخ العروبي الأديب والقانوني المصري أحمد زكي باشا مالك خزانة الكتب الشهيرة، والسياسي والمحامي والأديب السوري منير العجلاني، وله مؤلفات تاريخية وأدبية.

أما الصنف الأول ففيهم أسماء كثيرة قد يتعجب القارئ حين يعلم أن تخصص بعضهم في القانون أو الحقوق، مثل الشاعر السوري الشهير نزار قباني، وهو دبلوماسي مثّل بلاده مدة من الزمن، وله قصائد سيّارة، والروائي المصري توفيق الحكيم الذي وصف نفسه في أحد مؤلفاته بأنه نائب في الأرياف، والروائي السعودي عبدالرحمن منيف الذي طبعت قضية الحقوق غالب أعماله الأدبية ومن أشهرها خماسية مدن الملح.

يضاف لهذه القائمة الروائي اللبناني المهجري ميخائيل نعيمة الذي نال شهادتين في الجامعة واحدة في الحقوق، والأخرى في الآداب، وله سيرة ثلاثية جميلة عنوانها” سبعون”، وكان مسكونًا بقضايا المجتمع. ولا يمكن تجاوز السياسي المصري المؤثر سعد باشا زغلول، الذي تفنن في الكتابة والخطابة، وعظم تأثيره بهما في الشارع والبرلمان حتى حُفظت كلماته وتعبيراته. كل واحد من هذين الفريقين له أخبار ومحفوظات، ومن المؤكد أن القائمة طويلة تتسع لغيرهم، والحصر ليس هو القصد.

كما يوجد قانونيون عالميون برعوا في الكتابة والأدب، مثل الأمريكي “جون غريشام”، الذي كتب روايات قانونية مثيرة تحول بعضها إلى أفلام لها رواج. من رواياته: المحامي الوغد، وقت للقتل، الاستئناف، الاعتراف، ويلاحظ أن عناوين رواياته متأثرة بمهنته. لهذا القانوني الأديب موقف يشكر عليه حين أدان بشجاعة إقدام بعض متعصبي الغرب على حرق نسخ من المصحف الشريف. 

ومنهم الأمريكي “سكوت تورو” الذي أشرك بين القانون والأدب، وكتب روايات منها رواية البرئ. وكذلك القانوني اليهودي “فيليب ساندز” وهو إنجليزي ويحمل جنسية أوروبية أخرى فيما فهمت، ونال جوائز أدبية، ويرأس نادي القلم. لهذا المحامي الروائي كتب تمزج بين القانون والتاريخ والسيرة الذاتية، وموضوعات تدور حول الإبادة الجماعية وحقوق الإنسان؛ ولذا فهو يدافع عن الحقوق السياسية للشعب الفلسطيني، وينتقد وحشية إسرائيل في غزة، وإن كان ينتقد موقف المقاومين في فلسطين أيضًا. 

لم يكن القانون مهنة جامدة؛ بل هو علم وفن حي يتنفس وينمو وينازل، لذلك أصبح عند هؤلاء الأعلام -ونظرائهم- أرضية للفكر الحر، وأداة لإعادة النظر في بعض المفاهيم التي يسوغ إعادة النظر فيها مما هو شائع في المجتمع، والدولة، والرواق العدلي، وقضايا المجال العام، ولا عجب فلدى القانوني اتساع في الأفق، وبناء ثقافي متنوع وقائم على أسس واصول، فصيروا من القانون عدسة فهموا بها ما يحيط بهم بعد أن غاصوا في تفاصيله، ثم استخدموا القلم واللسان للتعبير عما يرونه.

إن العلاقة بين أدب الكتابة والحديث ليست قاصرة على مهنة القانون، وإنما شاعت فيهم لقوة التخادم والتداخل والمشتركات بين هذين الحقلين ذوي الخصب والثراء والتجدد والتفاعل الدائم. وإذا كان القانوني البليغ خطرًا على العدل أحيانًا؛ فإن خطر القانوني الذي يفقد هذه الميزة أشد وأضر. وإذا كان الكاتب يبحث عن الكلمة التي تؤدي غرضه أسبوعًا كاملًا في بعض الأحيان قبل أن يعثر عليها بما يقنعه بها لتأدية الغرض الدلالي منها مثلما جزم كاتب فرنسي، فإن القانوني الكاتب والأديب يجد من العناء ما هو أثقل واصعب؛ ذلك أن كلمته ترتبط بحقوق ومصائر ومستقبل.

وقد كانت العلاقة بين الأدب والقانون، وسوف تبقى، قضية مثيرة للجدل، ذلك أن لغة الأديب تباين لغة القانوني، وحتى يسلم القانوني ويحسن، فلا بدّ أن يعرف الحدّ الذي يقف عنده في كتابته القانونية أيًا كان تصنيفها. ومما يحفظه تاريخنا الثقافي المعاصر، نقاش هذه المسألة بين علمين كبيرين، حينما كتب د.طه حسين مقالًا عنوانه: “بين الأدب والقانون” في مجلة الهلال، وأجابه صديقه د.محمد حسين هيكل بمقال أسماه: “صلة الأدب بالقانون”. إن وجود الصلة مما يؤمن به المرء، وحسن إعمال هذه الصلاة واجب حتمي؛ كي لا يطغى جانب على آخر، وحتى يبقى ذلكم التعانق الجميل بين الأدب والقانون.

ahmalassaf@

الرياض- الاثنين 09 من شهرِ ربيع الأول عام 1447

01 من شهر سبتمبر عام 2025م

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

X (Twitter)