سياسة واقتصاد سير وأعلام

وزراء كانوا وكلاء!

عندما كنت صغيرًا، وفي شبابي الأول، سمعت مقولة رائجة، مفادها أن وكيل الوزارة لا يصبح وزيرًا! كانت هذه الكلمة من الإطلاقات الطائرة بلا برهان ودون نقاش؛ ولأنها رنانة تنتشر بسرعة دون فحص، وربما تناقلها بعضنا على سبيل الجزم من غير نظر أو طلب إحصاء. وحين رجعت لما جمعته خلال سنوات من الجداول الخاصة بمجلس الوزراء الموقر، تبين لي أن هذه المعلومة غير صحيحة على الإجمال والتفصيل، وتسقط ذلكم الإطلاق، وبالمناسبة فلي صاحب عزيز يرى أن نقض الإطلاقات ألذ لديه من كذا وكذا مما زين للناس!

بلغ عدد الوكلاء الذين أحصيتهم -وهو مبلغ جهدي وعلمي وبهذا التحرز أهرب من معرة الإطلاق- ممن أصبحوا وزراء بعد مدة تطول أو تقصر أربعة وثلاثون وكيلًا وزيرًا، أولهم الوزيران الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ وزير المعارف عام (1380) بعد أن كان وكيلًا لوزيرها الأول الملك فهد -الأمير حينها- سبع سنوات، ومعه الشيخ أحمد شطا وزير التجارة سنة (1380) بعد أن كان وكيلًا لها، وقد دخلا إلى الوزارة معًا في تكوين واحد، وخرجا معًا كذلك بعد صدور تكوين جديد أعقب السابق عليه بمدة قصيرة.

أما آخر من أصبح من الوكلاء وزراء فهما على التوالي الوزير د.محمد بنتن وزير الحج والعمرة عام (1437) بعد أن عمل قبل هذا التاريخ بعقدين تقريبًا وكيلًا لوزارة الحج، والأمير خالد بن عياف وزير الحرس الوطني عام (1439) الذي سبق له العمل وكيلًا للحرس الوطني، وهو الجهاز الذي كان والده من قدماء العاملين فيه. ومن الموافقات في أول وزيرين وآخر وزيرين من هذه القائمة، أنهم أصبحوا وزراء على وزاراتهم نفسها، لا على غيرها مثل آخرين كما سيأتي.

فمثلًا، انتقل ثمانية وزراء من منصب الوكيل إلى منصب وزير دولة، أو وزير دولة لشؤون مهمة محددة، وثلاثة منهم أسندت لهم حقائب وزارية هم الشيخ محمد أبا الخيل وزير المالية والاقتصاد الوطني، والشيخ عبدالوهاب عبدالواسع وزير الحج والأوقاف، والأستاذ هشام ناظر وزير التخطيط ثم البترول. وعمل أربعة من هؤلاء الوكلاء في منصب نائب الوزير قبل توزيرهم، وهم إضافة إلى الوزير أبا الخيل الوزراء: د.خالد العنقري، ود.جبارة الصريصري، ود.مفرج الحقباني، علمًا أني حصرت في مقال سابق تسعة عشر نائبًا صاروا وزراء. وينفرد د.فؤاد الفارسي بأنه الوحيد الذي عمل وكيلًا لوزارتين قبل أن يصبح وزيرًا على وزارتين، إحداهما كان وكيلًا لها وهي الإعلام!

ويتضح من القائمة أن أكثر وزارة أصبح بعض وكلائها وزراء هي وزارة المالية والاقتصاد الوطني ثم وزارة المواصلات، فالتجارة والداخلية، وأكثر وزارة استقبلت الوزراء الذين كانوا وكلاء هي وزارة المواصلات التي تطور اسمها إلى النقل والخدمات اللوجستية، وتليها بالتساوي وزارات الإعلام والحج والتجارة. ويلاحظ أن وزارتي المالية والداخلية قد هيئتا وكلائهما لحمل عبء وزارات أخرى من منصب الوكيل مباشرة، وهذا لا يستغرب على وزارتين أنجبتا أكثر الوزارات القديمة.

 كما يتبين من القائمة أن أكثر من عشرة وزراء ممن كانوا وكلاء قد استمروا في مناصبهم الوزارية لمدة تقترب من خمسة عشر عامًا أو تزيد، وفيهم من لم تطل أيام وزارته. ونجد كذلك أن أصغر الوكلاء سنًا ممن صاروا وزراء هو الشيخ حسن المشاري وكيل وزارة المالية الذي سمي وزيرًا للزراعة والمياه عام (1384)، ثم د.سليمان السليم وكيل وزارة التجارة فوزيرها عام (1395)، وكانا حينها دون الأربعين. أما أكبرهم سنًا فهم الوزراء د.عبدالعزيز خوجه وكيل وزارة الإعلام ثم وزير الثقافة والإعلام عام (1430) وقد ناهز السبعين وقتها، وبعده يتساوى حين التعيين في مجلس الوزراء الأستاذ عمر فقيه وكيل وزارة التجارة ثم وزير الدولة ورئيس ديوان المراقبة عام (1407)، ود.محمد بنتن وزير الحج والعمرة عام (1437) بعد أن عمل وكيلًا لوزارة الحج، وكانا ساعتئذ على مشارف الستين، وربما أن هؤلاء الوزراء الثلاثة هم أطول من قضى مدة زمنية بين منصبي الوكيل والوزير، علمًا أنهم تسنموا مناصب أخرى بعد الوكالة وقبل الوزارة.

من هؤلاء الوكلاء الكرام والوزراء النبلاء وكيل مساعد واحد هو د.عبدالعزيز الخضيري الذي في عمل في وزارة الشؤون البلدية والقروية وبعد سنوات اختير وزيرًا للثقافة والإعلام. منهم آخر وزير لا يحمل شهادة جامعية وهو الأستاذ حسين منصوري الذي كان إداريًا متفوقًا خبيرًا بالمسؤولية الحكومية، وعمل وكيلًا نافذًا لوزارة المواصلات فوزيرًا منجزًا لها. ومنهم من كان وكيلًا صاحب كلمة مسموعة في وزارته مثل الشيخ حسين عرب، والدكتور ناصر السلوم. منهم من ذهب بعد الوزارة لمنصب آخر مثل أ.أسامة فقيه وكيل وزارة المالية ووزير التجارة ثم رئيس ديوان المراقبة العامة، وفيهم صاحب خبرة دولية مثل د.محمد الجاسر وكيل المالية ثم وزير الاقتصاد والتخطيط. من هؤلاء الوزراء عدد ممن أسندت لهم وزارتان أو ثلاث، وهي وزارات مهمة، كالشيخ إبراهيم العنقري، والأستاذ هشام ناظر، والأستاذ محمد الفايز.

ومع أهمية تدوين التاريخ، وكتابة السيرة الذاتية، فقد كان من أكثر الوكلاء الذين تمنى الناس حسبما سمعت أو قرأت لو أنهم سطروا ذكرياتهم وزير الدولة الأستاذ محمد إبراهيم مسعود، وعنده خبرة دبلوماسية واستخباراتية واسعة، وهو وكيل سابق لوزارة الخارجية، ووزير المالية ووكيلها قبل ذاك الشيخ محمد أبا الخيل، ووزير الدولة ورئيس الموانئ ووكيل وزارة التخطيط سابقًا د.فايز بدر صاحب الحجة في الجدل والبراعة القلمية وقوة الشخصية، علمًا أن من ضمن هؤلاء الوكلاء الوزراء من أصدر سيرته أو سيفعل.

من طرائف منصب الوكيل أن أحد الزملاء أصبح فجأة وكيلًا لوزارة ما، فأرسلت له تهنئة بريئة من الغرض، فمن عادتي التفاعل بالتهنئة والمواساة، لكنه لم يجب، ولم يكمل في وكالته سنة واحدة! ومنها أن وكيلًا مساعدًا أغلظ في اجتماع داخل وزارته لموظف أدنى منه مرتبة إدارية، وبعد أقل من شهر أصبح ذلكم الموظف وزيرًا يرأس الوكيل المساعد وغيره! ورفض أحد الوكلاء طلبًا لأحد موظفي وزارته، وبعد سنوات غدا ذلكم الموظف وزيرًا للوزارة ذاتها! الدنيا تدور، والموفق من أخلص وأحسن النية والخلق والعمل.

أسأل الله أن يحفظ ويرحم ويوفق من سلف ومن خلف، وأن يعين كل مسؤول وإداري ناشئ على الأمانة الثقيلة الموسدة إليه؛ ذلك أن المسؤولية في الأولى ثقيلة والمحاسبة شديدة، وهي في الأخرى أثقل وأشد؛ فاللهم سلم سلم. الشيء المهم هو أن أي قول مطلق بلا دليل صحيح لا مناص من فحصه، ونقضه إن لزم الأمر؛ فنقضه بالحق والصواب لذيذ لكن ليس للدرجة التي يصفها صاحبنا العزيز!

ahmalassaf@

الرياض- ليلة الاثنين 17 من شهرِ صفر عام 1447

11 من شهر أغسطس عام 2025م

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

X (Twitter)