سير وأعلام مواسم ومجتمع

حميدان التركي ومحمد القاسم: توافقا وإن اختلفا!

في يوم واحد، استقبل السعوديون عائدين اثنين من غربة بعيدة المسافة، متباينة المدة، في واقعتين بينهما اختلاف في التفاصيل، ووحدة في المعاني؛ فتوافق الرجلان في الدلائل، وفي ابتداء مرحلة جديدة، وإن اختلفا في السياق. الأول منهما: المبتعث السعودي إلى أمريكا حميدان بن علي التركي، الذي قضى عقدين من السنوات في سجون أمريكا صابرًا محتسبًا داعيًا إلى الله وإلى دينه القويم. والثاني: جثمان الشاب دارس اللغة الإنجليزية في بريطانيا محمد بن يوسف القاسم، الذي سبقت إلى رقبته العالية يد غدر آثمة عاجلت بمنيته، فاحتسبته أسرته عند القوي العزيز، والله أسأل أن يعوض الشاب عن الدنيا بجنانه، وأن يربط على قلب والديه وإخوته، وأن يمنح للشيخ حميدان حياة جديدة سعيدة تنسيه الشدائد، وتسعده مع عائلته ويسعدها معه، والله يجعل في الحادثتين محمدة لأطرافها كافة، وسعادة، وهناء، وعلوًا، ويسلي أصحابها كما تصنع بقارئها سورة يوسف.

حملت الواقعتان عدة معان في طياتهما، لا تخطئهما عين، ولا يغيبان عن فكر. من هذه المعاني اهتمام حكومة المملكة المبكر ومن يمثلها بأبناء البلد في جميع أحوالهم، وهو اهتمام سابق بالتوعية والتوجيه، ولاحق بالمؤازرة والمساندة، وإن الأقسام المعنية بالمواطنين في السفارات لذات جهد لا ينكر، وينتظر منها دائمًا المزيد عن طريق توثيق الصلات بالمواطنين في الخارج، وتقوية العلائق بالمسؤولين والمؤثرين في تلك الدول، والتنسيق الدائم مع مرجعهم في وزارة الخارجية، ومع وزارات أخرى لها أهمية مثل الداخلية وغيرها. إن هذه العناية الرسمية جديرة بالإشهار لحصول مزيد تطمين للناس، وتحذير الآخرين من أي تصرف مسيء لأبناء البلد.

ومما تجلّى فيهما بوضوح تام أن مجتمعنا السعودي مجتمع عريق، عريق لأعمق مدى، مجتمع أصيل، أصيل لأرفع درجة، مجتمع مؤمن، مؤمن لا يتضعضع مهما داهمته الخطوب، مجتمع ثبات على النصرة والمبدأ الحق، ثبات راسخ حتى لو حاولت قوى حائدة عن الصواب تغيير نظرته إلى شيء مستقر في وعيه بكل سبيل وشهوة وشبهة، ذلك أنه مجتمع الإسلام مصدرًا ومئرزًا، ومجتمع العروبة منبعًا ولغة، ومجتمع المروءة وكريم الشيم وموئلها، ومجتمع الوحدة في دولته وحكومته منذ قرون مضت، وهي على العهد باقية وبه مستمسكة.

جاءت هاتان الواقعتان لتعيد لنا التأكيد على سمو المعاني الأسرية، وقوة الوشائج الأخوية، فالناس من غير ذويهم لا قيمة لهم، ولا عبق للحياة بدونهم. وجاءت الواقعتان لتؤكد متانة اللحمة اللافتة في مجتمعنا السعودي العربي المسلم، وصلابة هويته المتجذرة ليس في جذر القلوب، أو في تلافيف الذهن فقط مع أهميتهما؛ بل مختلطة مع ذرات ترابه، واضرة في حنسمات هوائه، ومنتشرة مع خيوط أشعة شمسه، وبارزة في شعاره المهيب، وعلمه السامي، فنحن يا أيها العالم بلد له صفة وثقافة وحضارة وخصوصيات، بها نفخر ونفاخر، وعن صوابها لا نحيد ولا نبتعد.

ومن الملامح اللافتة جدا، العجيبة جدا، أن البِّشر بدا دون تكلف على الوجوه، ومثله السرور والحبور، وهذا أثر من آثار طمأنينة الروح، وسكينة النفس، وهدوء البال، فكأن حميدان التركي وآله لم يعانوا من غياب دام عشرين عامًا، وكأن يوسف القاسم وآله لم يودعوا فلذة الكبد ذا العشرين عامًا! إنها عراقة الإيمان، والإيمان بالقضاء والقدر على وجه الخصوص، وصدق التوجه، ولا أزكي على الله أحدًا.

لقد أصبحنا في يومنا السالف وغالبنا يرى نفسه من آل التركي والخنيزان ومعهم، وأصبحنا كذلك وغالبنا يرى نفسه من آل القاسم وأبا الخيل ومعهم. أصبحنا على تداول رسائل، واقتباسات، ومقاطع، وقصص، منها العين تدمع، والنفس تخشع، والقلب يسجد شكرًا وحمدًا على ما كان، وكيف كان، وعلى التفاعل الذي تلاه، بلا جزع، ولا خضوع، ولا انكسار، مع بقاء أساس الحق لأصحابه، إن في الدنيا، أو حين تجتمع الخلائق عند الملك الواحد الأحد.

وأوضحت لنا هذه الحوادث بما فيها من سعادة كبرى، أو حزن موجع، تشارك جلّ الناس فيهما، موقفنا الواحد العام؛ ففي كل بيت أصوات فرح من أجل سلامة حميدان، ونشيج حزن بسبب رحيل محمد، ولا يستثنى من ذلك إلّا قلة زعموا لأنفسهم الفهم الرفيع بالمخالفة والشذوذ عن الموقف الشعبي والرسمي، ويالها من حال سوء، وخساسة طبع، وظهور لؤم، مع انتفاء لأي حسٍّ ديني أو وطني، ولو كان المعتدى عليه من الملل الأخرى، والمعتدي من أهل ديننا، لما أصيبوا بهذه الرخاوة والميوعة، ولغابت عنهم الاحتمالات، ودعاوى المنطق، وجزموا وعمموا، ولو فقهوا لساروا في ركاب رسمي وشعبي راشد صائب لاعوج فيه ولا خيبة معه؛ بيد أن المحروم بالشقاء مصفد، وبصفة الأجرب المقصى مبتلى!

كما جاءت هذه الوقائع لتقشع الغشاوة عن الأعين حول مفاهيم طالما ظلمت بالتخصيص أو القصر؛ فأمريكا ليست بلد العدالة وحقوق الإنسان بكل حال. والعنصرية، وكره الآخر، والعدوان عليه بغير وجه حق، كلها سمات مشتركة بين شرار الخلق أينما كانوا، وهي لدى بعض الأجناس مرتبطة باحتقار الغير، وهدر آدميتهم، وإنكار تساويهم مع البشر، ففي الغرب الأبيض النصراني، تيارات هادرة صاخبة جارفة، تقوم على أن غيرهم برابرة همج لامكان لهم في أوروبا، ولا حقّ لهم بالتنعم حتى في ديارهم وبلادهم ومن خيراتهم! وسيبقى الغرب في وجدان أهله وتكوينهم المعرفي غربًا، وعسى أن يعلم الشرق وأناسه أنهم شرق وإن إن!

الحمدلله أن رجع حميدان سالمًا غانمًا، راضيًا بما قسم الله له، تاركًا في قصته الشاهد الموثق على أن الظلم والبغي والعدوان الغربي أشنع ما يكون حينما يقع على فرد أو مجتمع مسلم يتناسى الغرب في التعامل معه المبادئ الجميلة المعلنة من قبلهم. والحمدلله أن ترك محمد الدنيا والألسن تلهج بالدعاء له ولوالديه، وغادر عالمنا وهو أحد الأدلة الدامغة على الإرهاب الغربي في أفراده وتكويناته المجتمعية، التي لم ترع حقًا لإنسان، ولا لطالب علم، ولا حتى لسمعة بلادهم في استقبال الدارسين، وهذا كله دون تعميم ظالم. والحمدلله أن العاطفة العامة، والعقل الجمعي، تلتف حول الأصالة والمعادن الطيبة، وتأنف من التفاهة والسخف، وإن تابعت حساباتهم “السوشلية” الملايين.

ثم إننا نحن أهل البلد قد أمضينا يوم جمعتنا وعيدنا في استذكار خبر أسر عريقة ترتبط مع بيتين كريمين، ضربا المثل الكبير في الصبر والانضباط والاحتساب ورباطة الجأش بلا فتور ولا ضجر، وظفرا بالأجر -بإذن الله- حتى مع عظم الفقد وهول المصاب وطول الانتظار؛ فهنيئًا لهما هذه المنزلة، والله يكتب لهم مضاعف الأجور، ويجعل مآلهم إلى حسن وأحسن، وعوض أكبر. وقد سعدنا في أيامنا هذه بمشاهدة صورة عالية ناصعة من التماسك المجتمعي، والتشارك الشعوري، والوحدة الوجدانية، بين مكونات هذا المجتمع التي تتنوع تنوع تكامل لا تنوع تنافر، وتجتمع في أحوالها المهمة على قلب إنسان واحد يعلم علم اليقين أنها بلاده وحكومته، وأنهم أناسه وأهله، وأنه مصيره ومآله، ولا مناص له من التراص في صف لا يخرمه شيء، وفي بنيان لا يخترقه شيء.

هذا وإن غاب القمر في شهرنا الهجري الحالي، ولم يبتدر فوق ديارنا خلافًا للمعتاد بسبب وضع فلكي نادر، فلقد سطعت في سمائنا بدور كثيرة، فمحمد القاسم -رحمه الله- بدر تسامى وإن طوته الأرض في أحشائها، وحميدان التركي -حفظه الله- بدر طلع بعد طول ترقب، ولاح بهما المجتمع السعودي -صانه الله- مثل بدر صاف فيه الضياء والنور والألق الباهر بعراقته ونبله ومحبته للخير وتداعيه تلبية لنداء الواجب، وهو مجتمع يأبى ألّا أن يكون له الظهور في السماء بمنجزاته وتفاعلاته؛ ولذا عمّ الخبران وانتشرا، ذلك أن السعودية متى أعلن منها شيء أو عنها، خطف الأبصار والاهتمام والأولوية، والله يجعلنا في مقام دائم متقدم من الولاية والتأثير والسيادة.

ahmalassaf@

الرياض- ليلة السبت 15 من شهرِ صفر عام 1447

09 من شهر أغسطس عام 2025م

Please follow and like us:

One Comment

  1. رحم الله ابن القاسم وغفر له وألهم آله الصبر. السلوان ونهنئكم بعودة حميدان التركي كتب الله أجره و احتسابه و أقر عينه وعين ذويه والحمد لله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

X (Twitter)