سخر الله للعلم والثقافة والأدب من عباده من يخدمها ويقوم بشؤونها، سواء أكان القيام موضوعيًا، أم فنيًا، وأيًا كان معنويًا، أم ماديًا. وقد تسابق إلى هذه الساحات الفسيحة مساحاتها، السامية آثارها، الباقية مآثرها، أناس من طبقات وشرائح شتى. من هؤلاء الأمير سلطان بن عبدالعزيز (1349-1432= 1931-2011م) -رحمه الله-. تبنى الأمير سلطان إصدار عدة موسوعات وترجمات وكتب وطباعتها. منها ترجمة وثائق أجنبية تخص تاريخ المملكة جاءت في عشرين مجلدًا، وتأليف موسوعة عن الثقافة السعودية المعيشية والمجتمعية طبعت في عشرة أجزاء أو أكثر، ومنها إصدار الموسوعة العربية العالمية في طبعة فاخرة، وعمل فخم. في كل هذه الأعمال يوكل الأمير المهمة الجليلة إلى فرق ضخمة من ذوي الأهلية، رغبة في إجادة الأثر وإتقان العمل.
صدرت الموسوعة العربية العالمية أول الأمر عام (1416=1996م)، ثم صدرت عقب ذلك طبعتها الثانية المحدثة عام (1419=1999م) عن مؤسسة أعمال الموسوعة للنشر والتوزيع. تقع هذه الموسوعة في ثلاثين مجلدًا، وتتجاوز صفحات الطبعة الثانية منها سبع عشرة ألف صفحة، فيها مئة وثلاثون ألف مادة بحثية، تحت ثلاث وعشرين ألف عنوان رئيسي، إضافة إلى الآف الصور والأشكال والرسوم والخرائط، وفي هذه الطبعة إضافات عما كان في سابقتها.
شارك في إنتاج الموسوعة نحو ألف مؤلف ومترجم ومحرر ومراجع لغوي وفني ومستشار ومؤسسة، وتألفت لإدارة هذا المشروع وتنفيذه لجنة مكونة من د.أحمد الشويخات مديرًا، ود.صلاح الدين الطيب نائبًا، وأ.د.سعد البازعي رئيسًا للتحرير. ولتنفيذ مشروع الموسوعة عملت عدة فرق ولجان، منها لجنة تحرير ومراجعة مكونة من تسعة مختصين، وكتّاب للمواد الجديدة في الطبعة الثانية وعددهم أربعة عشر كاتبًا، معهم خمسة مترجمين، وسبعة عاملين في االإخراج الفني، وتولى تصميم قواعد البيانات خبيران اثنان. هذه اللجان تشير لحجم العمل، وتنوع المشاركين فيه إن بالاختصاص، أو البلد، أو الجنس، أو الثقافة.
ذكر البروفيسور البازعي في مقدمة الطبعة الثانية أن هذه الموسوعة ترجمة أمينة ومتوائمة مع الهوية ولو بالتدريج، فالهدف منها حضاري حيوي، على أن تكون المعرفة علمية من ناحية، ومنسجمة مع الشخصية الحضارية للأمة العربية الإسلامية من ناحية أخرى. هذا المطلب عزيز، بيد أنه غير عسير ولا مستحيل على كل ذي همة يوقر العلم، ويعتز بموروثه وحضارته، ولا يتطامن مهما كانت الأحوال. امتازت الطبعة الثانية بتوسع في المعرفة والموائمة، وتحديث للمعلومات حسب المستجدات، وتيسير سبل الوصول للمعلومات؛ ذلك أن الوصول اليسير السلس هو الوسيلة الحيوية لتحقيق أهداف الموسوعة؛ ولذلك جاء الكشاف في مجلدين اثنين، وفيه إحالات على المواد والمقالات، تجعل الباحث ينتقل من مادة لأخرى، ويجد مطلوبه دون عناء. هذه الموسوعة -بحق- من خير الزاد والحافز للكاتب والباحث.
بينما كتب كتب د.راشد بن عبدالعزيز المبارك -رحمه الله- في مقدمة الطبعة الأولى موضحًا أن العمل الموسوعي لدى أي أمة مرحلة لاحقة لنضج فكرها واتساع معارفها واكتمال لغتها. وأشار إلى أن هذه الموسوعة هي ترجمة للطبعة الدولية من دائرة المعارف العالمية “موسوعة الكتاب العالمي”، إذ أن خيار الترجمة أيسر وأسرع من ابتداء تأليف موسوعة جديدة. لم تكن الترجمة حرفية كما سبق بيانه، وهذا من أمانة الموسوعة العربية والقائمين عليها عندما صرحوا بذلك في المقدمتين، ففيها حذف وإضافة دون مساس بهيبة العلم ومكانة الحق. وبعد كلمة د.المبارك، شرعت اللجنة في بيان تفصيلي لتاريخ العمل ومنهجيته، وكيفية البحث داخل الموسوعة.
لي مع هذه الموسوعة ذكريات لطيفة! منها أنها صدرت وأنا طالب في الجامعة لا أقوى على سعرها المرتفع بستة الآف ريال تقريبًا، وأعجبني -آنذاك- مقترح قرأته يطالب بطباعتها طبعة شعبية بسعر رخيص، وأظن أن كاتب المقترح هو الشيخ الأديب عبدالكريم الجهيمان -رحمه الله-، علمًا أن سعرها بدأ يتناقص رويدًا رويدًا مع الزمن؛ والزمن عامل تغيير كما لا يخفى. ومن لطيف ما أذكره أني سمعت خبرًا في التلفزيون مفاده أن الأمير سلطان أهدى لرئيس اليمن ثلاث نسخ من الموسوعة، فقلت في نفسي: ليت واحدة منها كانت لي فأنا أحوج لها من فخامته الذي ربما لن يجد من الوقت ما يكفي لمطالعتها! كانت مجرد أمنية عابرة.
ثم أخبرني زميل أنه اشتراها بألفي ريال فقط، وترافق خبره مع زيارة مسوق آسيوي أراد بيع الموسوعة عليّ بضعف هذا الرقم، فنقلت له قصة زميلي فنفى وأصر! فقلت له: لو أثبت لك صحة ذلك، فأجابني من فوره: سوف نمنحك نسخة مجانية منها! فطلبت منه أن يكتب لي على أوراق شركته، وفعلًا كتب تعهدًا باللغة الإنجليزية ووقعه. ومن فوري طلبت من زميلي إيصالات الشراء وسندات القبض، وتواصلت مع المسوق الذي فرّ مني فرار الجبان من الأسد، ولم أتركه بل تواصلت مع شركته ومع مديره الذي انفجر غاضبًا بحنق من صنيع المسوق وتعهده الأحمق. طبعًا لم أحصل منهم على شيء البتة؛ لكني استعظمت أن أتركهم يسخرون منا، وعزمت على تأديب الكاذب في مقوله وموعوده.
ويشاء الله أن يتصل بي قبل بضعة عشر عامًا رجل محب كريم -سلمه الله وعافاه- طالبًا أن يزورني، وعندما وصل وقبل السلام والدخول، فتح صندوق سيارته، وقال: هذه النسخ لك فافعل بها ماشئت، ويالها من مفاجأة! إذ كانت تلكم الصناديق الأنيقة المحكمة لخمس نسخ من الموسوعة، فشكرته ودعوت له، وأخذت نسختي بسعادة وحبور، وأهديت الباقيات لأشخاص ومراكز بحثية، ولست أذكر منهم أحدًا الآن، بيد أني اجتهدت حينها، وآمل أن قائمة المستفيدين منها طويلة لا تنقطع، والأجر الرباني بلحق جميع من اقترح وعمل ودعم وأهدى بحول الكريم المنان.
تفخر هذه الموسوعة كما سطر أ.د.سعد البازعي بأنها الأولى في نوعها في حضارتنا، وتفخر بأنها تعي مسؤوليتها العلمية والتاريخية والحضارية. إن هذه الموسوعة تمثل أحد منتجات بلادنا الثقافية، وما أجدرها بالعناية من قبل مؤسسة الأمير سلطان الخيرية باعتبارها الراعي الأول لها، أو من قبل وزارة الثقافة. يمكن خدمة هذه الموسوعة المتداولة كاملة إلكترونيًا بتحديث موقعها، وإتاحة المادة كاملة فيه، كما يمكن تحويلها إلى تطبيق، ومن المؤكد أن تكوين لجنة دائمة للتحديث والتوسيع سيكون من خير ما تخدم به موسوعتنا السعودية فكرة ودعمًا وإشرافًا وتنفيذًا ومراجعة، العربية الإسلامية لغة وهوية، العالمية في أصلها وموادها وكتّابها.
الرياض- الخميس غرة المحرم عام 1447
26 من شهر يونيو عام 2025م
2 Comments
قبل سنوات بحثت عنها ولم اجدها
واستمر البحث في المكتبات والتواصل معهم ولم أجدها إلا عند شخص كانت لديه نسخة منها جديدة ،، وكانت مرتفعة السعر إلى حد ما، ولكن ابتعتها بفضل الله وارجو ان يبارك الله فيها وتنفع الأجيال القادمة بما يشغل وقتهم بالمفيد.
جزيتم خيراً
هذه الموسوعة حببتني في القراءة حينما كنت في الابتدائية. كنت أحرم نفسي الفطور في الفسح حتى أظفر ببعض الوقت لمطالعة الكتاب في مكتبة المدرسة، والحمد لله اقتنيتها قبل سنوات.