سير وأعلام

البروفيسور إسماعيل نيازي وفواصل لا تنسى!

أجدني منجذبًا للكتابة عن أستاذي البروفيسور إسماعيل بن محمد نيازي مع أني لم أدرس عنده أي مادة في كلية الصيدلة بجامعة الملك سعود كما أتذكر، بيد أني شاركت معه في رحلة تدريبية لمصنع الشركة الدوائية بالقصيم، وأمضينا معًا ومع بقية الزملاء الآخرين أسبوعين كاملين. من تلك الرحلة عرفت الرجل عن قرب، وأحببته على ندرة التلاقي أيام الدراسة، أما بعدها فقد تفرقت بنا السبل، والله يجعلها كما يحب ربنا ويرضى، ويجمعنا في مستقر رحمته إخوانًا على سرر متقابلين.

مما أذكره أن أستاذنا كان مهتمًا بمشاركة الطلبة جميعهم في التدريب، حتى أنه كان تابع الوصول المتأخر عبر مطار القصيم لاثنين من المتدربين القادمين فجرًا من القطيف بالمنطقة الشرقية. ومن جملة اهتمامه أنه حرص على ضبط مواعيد ذهابنا جماعيًا للمصنع، وعودتنا منه، ومشاركتنا في التدريب والنقاش الذي حضنا عليه حضًا. ليس هذا فقط بل حتى جلساتنا المشتركة في الفندق بعنيزة أصبحت موضع اهتمامه مع إعطاء مساحة من الوقت الحر للطلبة، ومن نافلة القول أنه حثنا على أداء الصلاة معًا دون إجبار؛ لأن اثنين من المشاركين كان لهما رأي مختلف، وإن أدوا بعض الفروض معنا طواعية من تلقاء أنفسهم.

كما أذكر أنه قال لنا، وخطابه موجه لي على وجه الخصوص: بما أننا في القصيم والموسم هو أول وقت بيع البطيخ، فإني أريد شراء بطيخ لبيتي في الرياض حينما أرجع إليه نهاية الأسبوع الأول، فقلّما وفقت في انتقاء الطيب اللذيذ منه. وبناء على ذلك ذهبت وأحد الزملاء للسوق بعد صلاة الفجر مباشرة، واشترينا له حمولة صندوق سيارة صغيرة من البطيخ في الحراج بسعر زهيد، وعندما أحضرناها له أصر على أن يعطينا ثمنها، وأبقى كمية منها في الفندق، فأصبحت من مكونات مائدتنا اليومية المشتركة على العشاء.

سبيماكو الدوائية (@SpimacoAddwaeih) / X

هذه المائدة صارت أشبه بمنتدى لمراجعة تدريب اليوم، مع نقاشات مختلفة. ومن لطيف ما جرى فيها أن د.إسماعيل استدعى كبير الطباخين، وقال له: نريد في الغد أكلًا هنديًا لكن دون فلفل، وفعلًا صنعوا لنا ما طلبناه وكان لذيذًا لولا كمية الفلفل الحار فيه، وعندما لام أستاذنا كبير الطبابخة كان جوابه بما معناه: لقد وضعنا لكم كمية قليلة جدًا من الفلفل توضع للأطفال عادة! ومما لاحظته آنذاك أن الدكتور إسماعيل تغلّب على حرارة الفلفل بطلب كوب فيه قوالب ثلج، وشرع يأكلها ثم قال لنا: هذه عادة اكتسبتها إبان الدراسة خارج البلاد، وأما نحن فقد أسعفتنا قطع البطيخ البارد التي تفنن طاقم المطعم بتقطيعها لنا.

ولست أنسى أنه قال لي مرة أمام الزملاء: أنت تقرأ الكتب كثيرًا، وتستخدم فواصل قد تؤذي صفحات الكتاب، ومعي لك هدية أحضرتها من أمريكا قبل شهور ولم أجدها في الأسواق هنا، وهي فواصل قراءة شفافة تلصق على الكتاب ولا تجرح الصفحات، ويمكن استخدام الملصق الواحد منها عدة مرات، وقد آثرني على نفسه بهذه الملصقات التي كان يستخدمها في قراءته، وسّلمها لي عن طيب نفس وهو يقلبها بيده كأنها أمامي الآن بلونها الأحمر، ومن يومها فتحتُ صفحة من العلاقة مع فواصل القراءة التي بدأت الشركات تبدع في أنواعها وطرقها، وهجرت فواصل من ورق مقوى توضع بين حبات الشاي وكنت أستعملها لحفظ مواقف القراءة.

في تلك الرحلة، ورد ضمن نقاشنا اليومي مصطلح “إدارة الوقت” الذي كان مصطلحًا حديثًا وفاتنًا حينها، ولا أدري ما دار حول هذا المفهوم، لكني بمجرد أن وجدت كتابًا عن إدارة الوقت للدكتور نادر أبو شيخة اشتريت نسخة لي ونسخة أخرى أهديتها عبر البريد للدكتور إسماعيل، وهو في ذلكم الوقت مدير لأحد مصانع الأدوية السعودية الجديدة، وهذه الهدية أشبه برد شيء من فضله بأن خصني بالفواصل، هذا غير فوائده الأخرى.

وقد روى لي بعض الأصدقاء -وهو ما وقفت عليه بنفسي- أن د.نيازي شديد التعظيم للسنة، حتى أنه يتوقف عن المحاضرة للترديد مع المؤذن، ويحثّ الطلبة الذاهبين للدراسة في الغرب على التمسك بتعاليم دينهم حتى في النظافة الشخصية، وقد كان شديد الاستمساك بتعاليم الدين وبالسنة في مظهره وملبسه وكلامه وعامة شأنه، وإذا رافق الطلبة في رحلة إلى مكة أو المدينة نصحهم باستثمار فضل مضاعفة الأجر والثواب في المسجدين والإكثار فيهما من السنن والنوافل.

كما جمع أستاذنا مع ما سلف صرامة في أداء العلم وتقريبه، وحماسة له، ومحبة لعلم الصيدلة وطلابه، حتى أن أحد الأصدقاء كتب لي ما خلاصته بعد يسير من إعادة الصياغة: “البروف نيازي لم يدرسني أي مادة، ولم يكن لي به علاقة في الكلية، لكني أذكر زيارتنا لمصنع الأدوية الذي يديره بعد أن أعيرت خدماته إليه من الجامعة، إذ رافقنا بجولة على المصنع بنفسه، ومن ضمنها خطوط الإنتاج، ولا أنس شرحه وربطه ما درسناه بالكلية نظريًا على ما يطبق في المصنع عمليًا، ثم وزع علينا فيتامين “ج” بعد أن أعطانا نبذة علمية عنه. ومع أني زرت بعد هذه الزيارة عدة مصانع داخل المملكة وخارجها، إلّا أن بعض تفاصيل هذه الزيارة ما زالت عالقة في الذاكرة…متعه الله بالصحة والعافية وختم الله لنا وله بخير”.

وبعد أن عمل أ.د.إسماعيل بن محمد نيازي أستاذًا للصيدلانيات ورئيسًا لقسمها في كلية الصيدلة بجامعة الملك سعود، اختير عميدًا مؤسسًا لكلية الصيدلة بجامعة طيبة، فانتقل ليستقر في المدينة النبوية، وهذه غاية المنى. وهناك نشط في تأسيس الكلية الجديدة، وعقد المؤتمرات، والاستضافة أو الزيارة مع الكليات المثيلة، وصرف جهده كله من أجل خدمة هذا العلم ودارسيه، وكان له بحكم خبرته إسهامات في أمانة المجلس العلمي لجامعة طيبة، ثم واصل بعد التقاعد استقراره في المدينة، شفاه الله وعافاه، وعظم له الأجر والمثوبة، وتقبل منه أحسن الذي عمل، وإذا كانت كل فتاة بأبيها معجبة، فكل طالب بأستاذه إذا كان مثل أستاذنا معجب ولا ملامة!

ahmalassaf@

الرياض- الأحد 30  من شهرِ ربيع الآخر عام 1448

11 من شهر أكتوبر عام 2026م

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.