قراءة وكتابة

في الثناء على نص رديء!

أعاذنا الله وإياكم -معشر الكتّاب والكاتبات ومن يقرأ- من الرداءة، ومن السوء وأهله؛ فهما بئس القرين في الحال والمآل، وفي المخبر وربما المنظر، بيد أننا ننطلق في هذا الرأي من حكمة الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه- الذي قال في حديث صحيح أخرجه الإمام البخاري: ” كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر، مخافة أن يدركني”، وليس بخاف أن الشر والخطأ والسوء والرداءة تكمل الطريق الآخر في الحياة وما فيه من الخير والصواب والحسن والجودة.

بناء عليه؛ فقد يكون من المناسب حثّ الكتّاب على قراءة نصوص رديئة من ناحية أدبية أو فنية، شريطة أن يكون لديهم من التأسيس المتين ما يمكنهم من إدراك مكامن الخلل في هذه النصوص، لأن التورط في وحل الخطأ والسوء دون بصيرة من علم، وبغير حبل متين من أساس قويم قد يودي بصاحبه حتى يهلك في صحراء التيه؛ ولذلك جزم عمر بن الخطاب رضي الله عنه بأن سبب هلاك المسلمين هو أن يسوسهم من لم يعالج أمر الجاهلية، ومن هذا الباب جاءت هذه المقولة دون نسبتها للفاروق: إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة، إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية.

والمطلوب من الكاتب أن يكون فطنًا، وأعرف الناس بالشر وأبعدهم منه مثل حال المؤمن، وهذه الفطنة فوق كونها مهارة ذهنية، فهي جزء من العلم والممارسة والتيقظ لأعمال الآخرين بحاسة نقدية منصفة، الغاية منها نفع النفس وليس البحث عن الزلات، أو استنقاص جهود شركاء الحرف وزملاء الحرفة. بهذه الطريقة أدّب ابن المقفع نفسه واصفًا طريقته: “إذا رأيت من غيري حسنًا آتيه، وإن رأيت قبيحًا أبيته”، ومرة قرأت أن أديبًا سُأل: ممن تعلمت الأدب؟ فأجاب: من قليل الأدب!

لذا فالأجدى من الاكتفاء بقراءة النص الرديء قراءةً عابرة، أن يعيد القارئ الكاتب تفكيك النص وتركيبه؛ فينظر في فكرته، وبنائه، ولغته، وإيقاعه، وانتقالاته، وعنوانه، ومقدمته، وخاتمته، وأمثاله وشواهده، ثم يسأل نفسه في كل موضع: ماذا يمكن أن يصنع الكاتب هنا لو أراد للنص أن يكون أفضل؟ وبذلك يرتفع مقام الكاتب من مجرد ناقد إلى تفسير أسباب الحكم المنطقي على النص كي لا يكون الرأي جزافًا أو ذوفيًا فقط، وفي التفسير تفكير وتعليم وتمهير.

ولا بأس على كاتبنا حين يتعلم ممن لم يوفق في كتابة نص، سواء في الفكرة والمعنى، أو في الصياغة والأسلوب، أو في العنوان والمعالجة، أو في طريقة النشر وموعدها ووسيلتها، أو في غفلته عن مراعاة سياق الزمان والمكان والحال، ولهم في ذلك سلف نجده فيما كتبه علماؤنا من موازنات ونقد وبيان للردئ والضعيف من القول، وحري بالكاتب وهو يطالع تلك النماذج الرديئة أن يستحضر ما شدا به الأمير الشاعر أبو فراس الحمداني:

عرفت الشر لا للشر لكن لتوقّيه *** ومن لا يعرف الشر من الناس يقع فيه

هذا المسلك الحكيم ليس حصرًا على تراثنا، فقد قرأت في كتاب جمع مقالات “مونتيني” شيئًا شبيهًا به؛ إذ أشار إلى ضرورة الانتفاع من النماذج السيئة خلافًا لاقتصار الناس على البحث عن النماذج الناجحة والقدوات الطيبة فقط، وروى عن “كاتو” قوله: العقلاء يتعلمون من الحمقى أكثر مما يتعلم الحمقى من العقلاء، فحقيق بالكاتب “العاقل” أن يتعلّم من كاتب “أحمق” -حاشاكم جميعًا-.

ثمّ ذكر “مونتيني” تجربة عازف اعتاد أن يرسل تلاميذه ليستمعوا إلى العزف الرديء من رجل يعيش في الجانب المقابل للطريق حتى يتعلموا النفور من نشازه وعباراته الموسيقية السقيمة، وتفسير ذلك أن العقل السليم حين يرفض أمرًا، والعين الفنية عندما تزدري منظرًا، والأذن الطروب إذا مجّت كلمة، فهذا سيقودها -غالبًا- إلى تحاشي هذه الأخطاء في مسيرتها الكتابية، أو هكذا يفترض، مع التنبيه المتكرر إلى سرعة الخروج من منطقة القبح كي لا تعلق مساوئها بالكاتب وذهنه وقلمه ولسانه.

خلاصة القول: إن العيش مع الصواب دائمًا قد يجعل الشعور بالخطأ صعبًا بعض الأحيان، ومن المهم حين تعجبنا منتجات ثقافية وكتابية أن نبحث بلا اعتساف عن مواطن النقص فيها من باب تعليم النفس وتطوير القدرات فقط، وليس حبًا في تخطئة الآخرين، وهذا هو الأصل فنحن لا نقرأ إلّا الجيد الجميل، لكننا لا نقف أمامه كالمأسور المسلوب عقله وإرادته، وبالتالي فيمكن النظر إلى الزوايا المعتمة حتى في اللوحة الساطعة.

وربما يناسب أن نقف بين فينة وأخرى على أعمال “تافهة” -ولو بمقياس شخصي- ثمّ نبحث عن سبب وصمها بهذا الحكم الشديد، ونعرف ما الذي قادها إلى هذه السقطة، والغاية من هذا التحليل المنصف أن نحمي سيرتنا الكتابية والثقافية من أي هاوية ومزلق، مع التنبيه إلى أن يكون مقامنا مع الأعمال التافهة مثل طريقة مرور الحاج من بطن عرنة وبطن محسر، وارتفاعه العاجل عنهما، أو محاذاة الإنسان لمواضع العذاب بعبور حثيث غايته الاعتبار فقط كي لا نماثلهم في المصير.

هذا المصير يجب الهرب منه والبعد عنه باتباع ما سلف من اقتراحات، إضافة إلى تخصيص الكاتب ساعة من الأسبوع يخلو فيها بنفسه في جلسة نقد ذاتي، يتحسس مواضع الضعف والهشاشة في أعماله، وما فيها من حشو، أو غموض، أو خلل بإطالة أو اختصار، وغير ذلك مما يجلب الملل أو الغبش للقارئ، فالكاتب لا يكتب في عزلة، وليس مطلوبًا منه استرضاء الآخرين، لكن من الواجب عليه ألّا تغدو أعماله مادة للسخرية أو العظة، وألّا يجعل اسمه عرضة لأن يُلاك ثم يلفظ، أو يُسلق بألسنة حداد!

إن النظر في النصوص الضعيفة ليس شغفاً بالرديء، بل هو تعليم بالضد، وممارسة للعمل في الاتجاه المعاكس؛ فالنص الركيك يضع يدك مباشرة على الخطأ المكشوف في العراء أمام القارئ الكاتب الفطن، والنص الرديء يمكن أن يصبح معلّمًا جيدًا، بشرط أن يقرأه الكاتب بعين الناقد لا بعين المتذوق، وهو الهدف من هذا المقال كي تسمو بأدبك ونصوصك، وليس العيش في دائرة النقد وتسقّط الأخطاء فقط، فهذا مما يضيع به العمر والجهد، ولا يرتقي بالكتابة ولا بأي عمل.

والتعليم بالضد باب واسع في المعرفة؛ فكما يعرف الإنسان قيمة الصحة حين يرى المرض، وقيمة النظام وهو يعاين الفوضى، وأثر الأمن وهو يرى ما يصنعه الخوف، وجمال النظافة عندما يبتلى برؤية مناظر تفقدها، فإن الكاتب يعرف قوة الأسلوب إذا قرأ أسلوبًا عاجزًا، ونعمة الاختصار حينما ينظر في صفحات مترهلة، وقيمة الفكرة إذا تأمل كلامًا كثيرًا لا يحمل فكرة تستحق كل تلك العبارات.

أخيرًا: ليس كل ما لم يعجبنا رديئًا؛ فهذه أولى قواعد الإنصاف؛ فقد يكون النص جيدًا ولا يوافق ذائقتنا، وقد يكون ضعيفًا وفيه جملة بديعة، وقد يكون عظيمًا وفيه موضع يمكن تحسينه. إن الكاتب الناضج لا يصدر حكمًا على النص كله من عثرة، ولا يرفض الجميل لأن فيه قبيحًا، ولا يعجب بالرديء لمجرد أنه وافق هواه، وبهذه الضوابط المؤطرة للفكرة يخدم الكاتب نفسه ومواهبه، فما من شيء يقضي على الموهبة كالهوى، والتكلّف، والتكبر.

ahmalassaf@

الرياض- الجمعة غرة شهرِ ربيع الأول عام 1448

14 من شهر أغسطس عام 2026م

Please follow and like us:

2 Comments

  1. هذه مقالة نقدية بديعة فيها من التشخيص الكتابي ما يجعل كاتبها أشبه بجراح حاذق لا يكتفي بأن يرى موضع العلّة وإنما يضع مشرطه حتى يستأصل موطن الخلل بوعي ورويّة، ثم يترك للنص فرصة أن يستعيد عافيته دون أن يفقد ملامحه.

    ولعل أخطر ما في النص الرديء كاتبنا العزيز ليس رداءة ما كُتب وإنما أن يألف الكاتب رداءة كتابته حتى يظنها صحيحة وأن يطول به المقام في طريق معوج فلا يعود يرى اعوجاجه.

    فالكتابة، ككل صنعة رفيعة، لا تفسد دفعة واحدة، وإنما قد تتراجع قليلًا قليلًا حين ينقطع صاحبها عن المراجعة، ويستسلم لما ألفه، ويحسب التكرار خبرة، والعادة أسلوبًا، والممارسة نضجًا.

    ولا أنسى في بدايات التدريب معك في تلك البرامج التدريبية كنت تمارس معنا التدريب الكتابي بالتوجيه الأعمق أثرًا وأبقى نفعًا فقد كنت تترك لكل واحد منا مساحته، وأسلوبه، ونبرته الخاصة، وفي الوقت نفسه تنبّهنا إلى مواطن الضعف، وتحذرنا من غواية النصوص الرديئة، حتى تنشأ في داخلنا ذائقةٌ قادرة على التمييز قبل أن تمتلك القدرة على الإنشاء.

    وهذه، في ظني إحدى أجلّ غايات المعلم الحقيقي: ألا يجعل متدربه نسخة منه، لكن يعينه على أن يعثر على صوته الخاص.

    شكرًا لك على هذه المقالة؛ لأنها لا تنقد النصوص وحدها، بل تذكّر الكاتب بأن الكتابة مسؤوليةٌ تجاه نصوصه ، وأن أصدق ما في القلم أن يظل صاحبه قادرًا على مراجعة نفسه.

    لقد قرأتها بوصفها مقالةً في نقد الكتابة، وقرأتها كذلك بوصفها تذكيرًا نبيلًا بأن الذائقة لا تُمنح مكتملة، وإنما تُصقل بالمطالعة، والتأمل، والنقد، والشجاعة على الاعتراف بأن النص الذي كتبناه بالأمس قد يحتاج منا اليوم إلى أن نكتبَه على نحوٍ أفضل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.