قبل مدة قصيرة كتبت مقالًا عن وقائع في الطائرات، وأخرت بعضها لقياس أثر المقال الأول. وبما أن الأثر مقبول لديّ والحمدلله، استخرت لكتابة هذا المقال، والاكتفاء به إلى حين. إن هذه الذكريات التي وقعت لي، أو سمعتها، أو قرأتها، تكاد أن تجتمع مع ذكريات أخرى مسطورة لها علاقة بالوالدين والأجداد والإخوة، وفي الحج والمواسم، وفيما يخص الدراسة والسفر، ومع القراءة والكتابة، وقصص وحكايات أخرى متفرقة، وبضم مقالاتها إلى بعضها يمكن إصدار كتاب آمل أن يكون ماتعًا ونافعًا.

ولعل الطائرة من أكثر وسائل السفر جمعًا لطبائع البشر وغرائب النفوس وعجائب الأحوال؛ ففي ساعات قليلة يجتمع أشخاص من طبقات متباينة، وأعمار مختلفة، وأحوال فيها ضحك وبكاء، وصحة ومرض، وفيهم ذكي لبق ماتع، ولا يخلو من ثقيل على العين والروح! ثم يهبط كل واحد من هذه الأصناف وقد ترك بعضهم في ذاكرة غيره قصة أو طرفة أو عبرة. وحتى لا أطيل فإليكم هذه الوقائع والمرويات.
نعي في الطائرة:
ركبت مرة في الطائرة، وقرأت في مجلة أهلًا وسهلًا قصيدة رثائية كتبها الأميري الابن عن الأميري الأب، وكانت موجعة خاصة أنها تزامنت مع وفاة أبي، وبعد ثلاثين سنة ركبت في طائرة، وقبل ربط الحزام وصلتني رسالة بالواتساب تنعي الأميري الابن، فكتبت عن الرجلين الفاضلين مقالًا، ووقعت تلك الكتابة من أسرتهما النبيلة موقعًا حسنًا.
وفي رحلة عودة من أبها، لاحظت ارتفاع عداد القراءات لمقال كتبته عن المؤرخ السوداني عبدالعزيز عبدالغني، فخفت عليه، وحين وصلت للمطار تتبعت خبره حتى تأكدت لي وفاته المحزنة قبل ساعات، فكتبت عنه مقالًا آخر وفاء لعلاقة علمية قصيرة ربطتني به.
ومن عجائب النعي في الطائرة، أني عدت على رحلة دولية في طائرة فخمة قبل بضعة عشر عامًا، وقد أتيحت خدمة النت لركاب الدرجة الأولى، وحين فتحت جهازي تواصلت مع قريب للسؤال عن والدته المريضة، فأخبرني بأنها للتو قد فارقت الحياة، وبعد ذلك أخبرت بعض أقاربي، وأستغرب العارفون منهم بمكاني كيف بلغتني أخبار الوفاة وأنا في الجو، بينما لم يصلهم خبرها وهم المقيمون على الأرض! والشيء بالشيء يذكر، ففي رحلتي هذه للمدينة النبوية أتيحت خدمة الإنترنت لجميع الركاب من باب التجربة، وكان الإرسال قويًا، والحمدلله أن لم يمت أحد وأنا في الطائرة!
كيف نستحملهم؟!
يقول صاحبي: كنت في رحلة داخلية على الخطوط المصرية، وتأثرت صلعتي -أي الراوي وللصلعة حديث خاص لاحق- من تبريد المكيف، فتلطفت أسرة مصرية قبطية بإعطائي ما أستر به الصلعة عن البرد؛ لأن طاقم الطائرة لم يتجاوب معي. وبعد برهة أعلنت قائدة الطائرة وهي امرأة أن الطائرة ستصادف مطبات هوائية، وفعلًا كانت المطبات قوية مخيفة، فقالت المرأة القبطية العجوز بأعلى صوتها وبلهجتها: “هو إحنا مستحملين الستات على الأرض حتى نستحملهم في الجو!”، ويعلّق صاحبي على روايته بقوله: وشهد شاهد من أهلها، أما أنا فأنقل الرواية والتعليق دون تدخل سوى الإشارة إلى ما يُشاع بأن المرأة كلما كبرت ازدادت دهاء وحكمة! ومن الإضافات أن صاحبنا عندما ركب الطائرة إلى مصر، عادت بعد برهة بحجة وجود عطل في المحرك، وبناء عليه انتقل الركاب لطائرة أخرى رفضت أن تقلع كليّة، وربما أن بعض الركاب تشاءموا وأبوا إكمال الرحلة، وأما الراوي فتوكل على الله وسافر بالطائرة الثالثة.
هل أنت دبلوماسي؟:
ذهب وزوجه يقضيان شهر العسل بعد زواجهما، وكان طريقهما الجوي يتحرك من الرياض إلى الأردن ثم تونس وبعدها محطات أخرى، والقصة مضى عليها ثلث قرن. عندما وقف الزوجان في صف الانتظار بمطار عمّان أتاهما ضابط وطلب من الزوج أن يتبعه حتى أدخلهما إلى مكان خاص بالدبلوماسيين، وأخذ جوازاتهما لإنهاء ختمها، وكان معه في الانتظار والطائرة رجل أردني كبير السن وقور، فقال لصاحبي: هل أنت دبلوماسي؟ فأجابه الجواب الصحيح بالنفي الجازم.
لكنهم حين نزلوا في مطار تونس، ووقف صاحبنا في صف الجوازات ينتظر دوره مع زوجه، بادر إليه ضابط تونسي، وأخذه لغرفة خاصة بالسلك الدبلوماسي، وتكفّل بإنهاء الإجراءات، وليست هنا الحكاية، إذ وجد صاحبي في تلك الغرفة الرجل الأردني الوقور نفسه، الذي كان يرمق صاحب القصة بنصف عين، ويمسد سكسوكته قائلًا بلهجته: “أجل بتحكي مش دبلوماسي!”.
لم تنته القصة هنا، فقد تجاور الرجلان معًا في فندق واحد بتوتس، وذات يوم جاءت الزوجة الأردنية لصاحبنا وزوجه بحلوى وقالت لهما: هذه بمناسبة المولد النبوي الذي يصادف اليوم، فأخبراها بأنهما لا يحتفلان بهذه البدعة، فقالت لهما: “آه أنتو وهابيين!”، علمًا أن صاحبي وزوجه ليسا في التصنيف العام من المتدينين، ولما سألتُه عن سرّ تعاون الضباط معه في بلدين مختلفين أجاب: لعله أن يكون بعد فضل الله برضا الوالدين، ثمّ بمنظر زوجي اللافت بحجابها الأسود المحتشم.
الملح بدلا من السكر:
هو مسؤول كبير راحل، شرع بكتابة سيرته الذاتية، لكن المرض العضال دهمه وتوفي قبل أن يتمها حسب ظني، والله يرحمه وأموات المسلمين. وقد أخبرني أنه سافر إلى لبنان قبل عدة عقود، لقضاء الصيف مع عمته وزوجها وبنيهما، وفي الطائرة جاورته خادمات مرافقات لذويهن من ذوي الجاه واليسار، وعندما سكبوا لصاحبنا كوب شاي وضع معه الملح لا السكر حتى ضحكت عليه الخادمات، ولم يرأفن بصغر سنه، وربما لم يعلمن أن هذه هي أول مرة يرى فيها الطائرة.
إليك عني!:
يقول: دعيت لإلقاء محاضرة في تبوك، وركب بجواري صبي مع أبيه، وقد أكل الصبي وجبة الطائرة الثقيلة وأتبعها بعصير ثقيل على المعدة كذلك، وبعد أن عبرت الطائرة من مطبات هوائية هجم على الصغير المسكين دوار الطائرة فكاد أن يستفرغ، ولأن الراوي ليس معه سوى ثوبه الذي يرتديه، وسوف يذهب من فوره لإلقاء المحاضرة ثم يعود، فقد صرخ بالصبي: قم عني قم عني! وربما أن والد الصبي أدرك عذر صاحبنا، أو تفهم موقفه فلا أحد يحب مشاهدة هذا المنظر، لذلك لقط ابنه وأبعده وأدار حاله حتى تم الأمر دونما ضرر على ثوب المحاضر.
كيف سنتعامل مع إبليس؟:
عاد صديقنا من مطار ماليزيا إلى الرياض، والمطار حديث عهد بافتتاح وقتها، وقد استغرب أنهم منحوهم مع بطاقة الصعود بطاقة لوجبة طعام مجانية، مع أن موعد الرحلة في الثالثة عصرًا، وهي في يوم يسبق العودة للدراسة بيوم واحد. ويكمل الصديق: تأخرت الرحلة إلى الساعة الخامسة ثم السابعة ثم إلى أجل غير مسمى، وفي العاشرة أعلنوا أن الطائرة ستقلع في الواحدة بعد منتصف الليل، وحينذاك كان ركابها الأربعمئة قد ملوا وتعبوا ولم يطمئنوا لصدق هذا الموعد الرابع. وقبل الواحدة بساعة واحدة فتحت البواية للدخول وإكمال الإجراءات، لكن عددًا قليلًا من الناس توافد عليها لاهتزاز الثقة بدقة الموعد، وكان صديقي أول من دخل، وتلاه ناس منهم عائلة تبرم أبوهم من الانتظار الطويل، وفيهم طفل دون العاشرة يسأل والده: “يبه هل جت الطيارة””، فقال الأب الحانق: “طيارة إبليس جت!”، فسأله الطفل من جديد: “يعني نركب داخل إبليس أو فوقه؟!”، فأصبح سؤاله مثار ضحك والده والتسرية عنه، وابتسامة كل من سمعه من الركاب الذين سئموا من طول الانتظار.
اعتذار محرج:
دعاني زميل للعشاء يوم أربعاء، فاعتذرت منه بأني مسافر، وحينها كانت التذاكر ورقية، وأنا أجزم بأن سفري في يوم الأربعاء؛ لأني كنت وما زلت لا أرتب حقيبة السفر إلّا متأخرًا! المهم أني اكتشفت عصر الأربعاء الموعود بأن سفري الخميس وليس الأربعاء، ولم يكن لدي وسيلة اتصال بصاحبي، والهواتف المحمولة لم تعمل آنذاك.
فذهبت للمطار بعد عشاء الخميس، وقابلت صاحب الدعوة وجهًا لوجه، فلم أوضح له، ولم يسألني! وبعد أن أغلقت أبواب الطائرة طلب أحد الملاحين بمكبر الصوت تعريف نفسي لأي ملاح! ففعلت وأنا متوجس ولا أذكر أني أحدثت ما يستوجب ذلك، ونزهت الداعي عن أي مزاح ثقيل، وبعد أن أخذوا كعب التذكرة أرجعوه لي دون أي إجراء، وبدون أن أعرف سبب السؤال!
عقد قران في مطار جديد:
حضرت عقد قران شخص عزيز. وأثناء مشاركتي في حفل العشاء أكثر أحد الحاضرين من الحديث عن تجاربه في السفر، وفي جلها يصادف وصوله لمطار جديد في يوم افتتاحه، وهو صادق فيما يقول، بيد أن أحد الظرفاء علّق قائلًا: يبدو أن بينك وبين المطارات الجديدة عقد مثل عقد القران!

هذه حكايات الغاية منها المؤانسة وربما يكون معها فائدة لقارئ، ورسالتها الأهم أنها تحث على تدوين الذكريات والحكايات، فما لا ينفع منها لن يضر بحول الله، فالأسفار لا تنقطع، ولن تنقطع معها الحكايات والذكريات التي سوف تموت إلّا إن حفظت بقلم أو لسان. وهي فرصة لأن يجد فيها المسافر سلوة وبسمة؛ ذلك أن السفر قطعة من العذاب، وما أحوجنا فيه إلى الصبر وطول البال والاستعداد المسبق لكل مفاجأة، سائلًا المولى لكل مسافر الحفظ والعون، والنجاة من أي منغص، والاستمتاع بالرحلة وطرائفها، فالطائرة والمطارات من أصدق مختبرات المجتمعات والنفوس!
مكة -ليلة الأربعاء 23 من شهرِ الله المحرم عام 1448
08 من شهر يوليو عام 2026م