الرؤى والأحلام جزء من الحياة عند كل إنسان، ورد بخصوصها نصوص واضحة في القرآن والسنة، وهي مسألة درسها علماء الشريعة، والنفس، والاجتماع، والأنثروبولوجيا، كلٌّ من زاويته، ولبعضهم كتب فيها. كما أنها لا تختص بنا مثلما يظن البعض، فهي شائعة حتى لدى أقوى الحضارات المادية في القديم والحديث، وعند أكابر الناس في كل مجتمع؛ ذلك أن الولع بمعرفة الغيب الآتي، والاطمئنان على المستقبل لا يعرف نخبوية ولا شعبوية! هذا فضلًا عن كون الرؤى بشارات ونذارات، والصالحة منها يستأنس بها، وهي كلها ليست مصدرًا للتشريع، ومن العسير ربط القرارات بها، وما أحوج هذا الباب إلى علم وعقل، بلا تهوين يلغيه، ولا تهويل يجنح به.
من لطيف ما مر بي، أن رجلًا كبير السن والمنصب يظهر كثيرًا التقليل من شأن الرؤى والأحلام؛ لأنه يظن أن هذا التقليل يجعله من النخبة وأهل الفكر. وحينما جمعنا مجلس واحد مع عابر يكتم علمه بالتأويل، وعرف هذا الأشيب بخبره، كاد أن يهلكه ليس بعرض مناماته عليه فقط، بل اتصل بأفراد أسرته واحدًا واحدًا، واستقبل منهم أضغاث أحلامهم فما فوقها، وأرهق الشيخ بها، وهو الذي كان يرفع عقيرته برأيه النشاز واستخفافه الممجوج عن الرؤى! أما العابر فأظنه قد سجد شكرًا بعد أن فارقه الرجل الذي غضب من الشيخ إذا قال: لا أعلم.
وحتى لا أطيل؛ فسوف أعرض هنا بعض ما وقع لي أو لمن أعرفه مباشرة من رؤى، أكتبها من باب الإيناس، ولعلها أن تكون مفيدة:
أبي يكرم نفسه!:
توفي صاحبي عبدالله الحديد -رحمه الله-، وبعد أقل من شهرين على وفاته، رأيت في المنام نجله عمر، ودار بيني وبينه هذا الحوار القصير:
-أين أبوك يا عمر؟
-مسافر.
-أين يسكن بالعادة؟ ولم أسأله إلى أين سافر!
-أبوي يكرم نفسه وما يسكن إلا في الفردوس…فوق! وكان عمر حينها يؤشر بأصبعه للأعلى، ويرمق بعينيه السماء!
الله يجعلها رؤيا حق وتطمين، ويغفر لأبي عبدالرحمن ووالدينا وكل مسلم ومسلمة.
أين المعاملة؟:
فقدنا أوراقًا لمعاملة حكومية مهمة قبل عقدين تقريبًا، ومن أهميتها أن وزير الصحة بنفسه يسأل عنها. وقد ظللنا لمدة أسبوع نبحث عنها دون جدوى، وشغلني أمرها كما شغل مدير الإدارة عبدالله الحديد -هو صاحبي الراحل-، وكان لا مناص من إجابة الوزير عنها يوم الأحد من الأسبوع الجديد. وبعد فجر يوم السبت -أول يوم عمل آنذاك- رأيت كأني أحلق بعض شعر وجهي، وهذه الرؤيا تعني أحيانًا زوال الهم. استيقظت مسرعًا، وذهبت للمكتب، ووقع في نفسي أن الأوراق لدى زميل يعمل في إدارة بعيدة عن الموضوع كلية، فاتصلت به قبل بدء موعد العمل، إذ كنت وإياه من أهل التبكير، وسألته عنها، فقال ببرود: هي أمامي منذ أسبوع! فلمته لأنه أبقاها لديه، مع أنها لا تخصه، ويرى أسماءنا فيها، والحمدلله على أن وجدناها ونجونا من مشكلة إدارية عويصة.
الوزير بخير:
التقيت مرة واحدة بمعالي أ.د.عماد بن محمد بن عبدالعزيز العتيقي -وزير النفط ونائب رئيس مجلس الوزراء بالكويت- في داره بالكويت، وكان لقاء جميلًا لا ينسى، نهلنا من علمه وأدبه وسمته وفكره، وأكرمنا بضيافته وإهداء بعض كتبه. وقد حزنت حين دهمه المرض العضال حتى استقال من منصبه، وظللت أتابع وضعه بالسؤال قدر المستطاع.
ثم شاء الله أن أبيت في الطائف ليلة قبل ذهابي لمكة، فرأيت في المنام كأنه يتحدث معي وهو بصحة جيدة، واطمئنان، ووجه مشرق. مما قاله لي: أنا طيب وبخير! ففرحت بهذه الرؤيا غاية الفرح، وقررت مهاتفته -أو مهاتفة نجله عبدالعزيز- منتصف النهار للسلام والتأكد من وضعه الصحي، لكني فوجئت برسالة النعي، فكتبت عنه قبل نزولي من الطائف لمكة، والله يتقبل الدعاء له ولكل مسلم.
أنت سوف تحج:
لي جار صالح، صاحب عبادة وطاعة. وأذكر أنه قصدني قبل بضعة عشر عامًا عقب إحدى الصلوات، وقال: هل ستحج؟ فقلت له: لا أعتقد! لكنه أجاب: بل ستحج، وذكر لي رؤيا صريحة رآها بهذا الخصوص، وقد صدقت رؤياه من حيث لم أحتسب. ومرة رأيت صديقًا يطرق عليّ الباب، ويقول سوف نذهب للحج ولكن هذا معنا، وأنا لا أعرف المقصود بهذا الواقف خلف صاحبي، وفعلًا حججنا ومعنا عديله. وآخر ما يمكن ذكره في هذا الباب أني مرة رأيت رؤيا فقال العابر: لن تحج هذه السنة! ومع أن كل شيء كان على ما يرام فيما يخص أداء النسك، إلّا أن الذهاب للحج لم يتيسر تلك السنة، والله ييسرها قريبًا على خير.
رؤيا أنقذت رجلًا:
رحم الله والدي، فقد كان كريمًا محبًا للخير والإصلاح في حياته، وكان كذلك حتى بعد مماته، ومصداق ذلك خبر هذه الرؤيا العجيبة التي رآها شقيقي بعد وفاة الوالد بمدة، وحكيت قصتها كاملة في مقال مفرد لها. ومن لطيف ما يخص الوالد -رحمه الله- أن أحد الماكرين جاء وقال: رأيت والدكم يأمر لي بكذا وكذا! فقلنا له: لو رأيناه يدعي عليك بكذا وكذا فهل ستأخذ بها؟ فولى الرجل عريض الدعوى هاربًا.
هذا تأويل رؤياي:
رأيت أستاذًا لي في الجامعة أكثر من مرة، وكانت الرؤى تدل على أنه سيصبح ذا منصب، وكنت حين أبارك له منصبه يبتسم؛ لأني أقول له مع المباركة: أنا أرى وأنت المستفيد! والمرة الأخيرة لم أستطع التواصل معه، لكني أرسلت له التهنئة مع زميل وطلبت منه أن يقول له: “هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقًا”.
وأذكر أني رأيت أحد أئمة الحرم يصلي بنا الوتر، ويدعو في العشر الأخير من رمضان قبل ربع قرن، فأخبرت من معي، وهم يستبعدون هذا الأمر -وأنا مثلهم-، وحين جاءت ليلة الثاني والعشرين من شهر رمضان تلك السنة، صلى بنا ذلكم الإمام الوتر فيها، وفي جميع الليالي الزوجية.
التسمية بالرؤية:
سبق أن ذكرت قصة تسميتي، وأنها جاءت برؤيا للجد أخبر بها أبواي -رحمهم الله جميعًا-. ومن تأكيد المؤكد أن هذه الرؤيا لا تعني شيئًا البتة، وإنما غاية ما هنالك أنها أخبرت والديّ مسبقًا بأن هذا الحمل ذكر وليس أنثى، وبالتالي فلن يكون اسمه “منيرة” وهو الاسم المحدد للحمل لو كان أنثى. وبما أنه مولود ذكر فقد تحول خيار التسمية من “حمد” إلى “أحمد”، علمًا أن هذين الاسمين في نجد اسم واحد كما ذكر المفتي اللغوي الكبير أ.د.سليمان العيوني في رأي له كتبه عبر حسابه على منصة إكس.
إن هذا الباب من الحديث لا ينتهي في مجالس السمر، ومثله أخبار العوالم الأخرى، وغرائب الوقائع، وانشغال كل فئة بأخرى، والمهم أن تكون الرؤى والأحلام في حرز من العبث، وهذا الحرز ليس سياجًا من فولاذ، وإنما علم ووعي وصدق، فكم في نشر العلم، وبثه، من قطع لدابر شرور كثيرة، إن في التصور، أو في العمل، وعلى النقيض فكم جرّ الجهل من ويلات حتى لو كان الجاهل من أعلم الناس بظاهر الحياة الدنيا!
مكة- ليلة الثلاثاء 22 من شهرِ الله المحرم عام 1448
07 من شهر يوليو عام 2026م