شريعة وقانون عرض كتاب

الخلاصة التيمية ودررها

يحتوي هذا الكتاب على أعمال سامية عريقة. فهو أول الأمر فعل قراءة، والأمم الحية تقرأ. وهو قراءة في كتب تعتمد اعتمادًا ظاهرًا على أصولنا وأسس ديننا وثقافتنا، والاتكاء على الأصول شرف وثبات وقوة. وهو قراءة في إرث عَلَم من أعلام الإسلام الكبار وأئمته المجددين العظام، والاحتفاء بالكبار وتوقيرهم سنة رشد ومسلك أدب؛ وإن سمو العلم مع سمت الأدب لمما نفاخر به، ونرصده في السير والتراجم، وهو واحد من معالم المدرسة العلمية المسجدية في حضارتنا.

كما أنه جولة ماتعة في علوم عدة، والتنقل بين العلوم يزيد من البصيرة ويفتح الذهن. وهو تقريب لعلوم ومؤلفات قد يصعب على كثيرين الرجوع إليها لأسباب متفرقة. هو كذلك عمل فيه تحبيب العلم والثقافة للناشئة، ومعالجة حكيمة لزحام المعلومات ومنافستها، وزيادة في المناعة والتحصين ورفع الوعي لأجيالنا، وفيه عبادة الذبٌّ عن عرض عالم نحرير طالما حاول الأفاكون النيل منه. وأخيرًا هو عمل يعلّم الجدية والصبر والتعمق، ويؤكد غزارة ما تركه الأول للآخر، ويبعث فينا معالم الاعتزاز بعراقة هذه الأمة في دينها، وعلومها، ورجالاتها، وسيرتها الحضارية كافة.

عنوان هذا الكتاب الذي أبهجني وملأ قلبي سرورًا هو: الخلاصة التيمية: 980 نص منتقى من مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية…خلاصة فكره وآرائه في الدين والحياة، اختيار وجمع وترتيب: إبراهيم بن عبدالرحمن بن إبراهيم التركي، صدرت طبعته الثانية منه عن دار ابن الجوزي عام (1447=2026م). تقع هذه الخلاصة في (1023) صفحة مكونة من المقدمة، وثمانية عشر عنوانًا تختلف في عدد صفحاتها، ثم فهرس المصادر وفهرس الموضوعات.

وقد رجع الباحث وهو يعد طبعته الثانية من كتابه هذا الذي نفدت طبعته الأولى في بضعة شهور بعد نشرها إلى أكثر من ألف كتاب ورسالة دكتوراة وماجستير وبحث علمي ومقال، وهذا الرقم هو خمسة أضعاف العدد المستفاد منه في الطبعة الأولى من الخلاصة، مما ساعد في إثراء هذه الطبعة الجديدة من الخلاصة التيمية، وأعان الشيخ التركي على استحياء مشروع علمي قديم له، والتوسع فيه والإعداد لنشره قريبًا بعنوان: المسيرة التيمية.. سرد وتحليل لحياة شيخ الإسلام أحمد بن تيمية وشخصيته ومنهجه وفكره وآراء 100 من العلماء والمفكرين والمستشرقين فيه.

تجمع هذه الخلاصة أبرز آراء ابن تيمية، وفيها بيان لمعالم منهج أهل السنة والجماعة والسلف الصالح في شؤون الدين والدنيا التي نحتاجها في عصرنا الذي يتشابه مع عصر شيخ الإسلام ابن تيمية، بما فيه من ضعف للأمة في العلم والعمل والحال الذي أدى لتسلط الكفار والضلال والمنحرفين على المسلمين وبلادهم. إن مثل هذه العودة الحميدة لإرث أكابر أمتنا لحبل متين رابط بين الأجيال، ومن الدلائل على وفاء هذه الأمة ذات النسب العلمي المتصل، وصاحبة المكتبة الضخمة التي يخدم بعضها بعضًا، وفيها دليل ساطع على أن ما كان لله يبقى، وأن الخلود والتأثير قدر رباني لا يستطيع الإنس والجن محاصرته مهما فعلوا، ومهما شنعوا وأرجفوا.

أما منهج المؤلف في خلاصته النافعة هذه، فيمكن اختصاره في أنه قرأ مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية الصادر في سبعة وثلاثين مجلدًا، آخر اثنين منها فهارس، وعدد صفحات المجموع دون الفهارس يصل إلى تسع عشرة ألف صفحة، ثم قرأ المستدرك على الفتاوى الواقع في خمسة أجزاء، وبالتالي فقد رجع لأربعين جزءًا، واستخرج منها ستمئة وخمسين عنوانًا، يندرج تحتها أكثر من تسعمئة وخمسة وثلاثين نصًا من مجموع الفتاوى، ومعها خمسة وأربعون نصًا من المستدرك، وقد أعاد ترتيب هذه النصوص التيمية في موضوعات كالعقيدة والفقه والسياسة الشرعية وغيرها. يقوم اختيار النصوص السالفة، وترتيبها وتقسيمها، على اجتهاد الباحث الذي حافظ على نص شيخ الإسلام كما هو.

وفي الحواشي التابعة لهذه المنتقيات أضاف الشيخ التركي نصوصًا توضيحية من كتب ابن تيمية الأخرى، وبلغت هذه النصوص التي زادت المتن جلاءً وبيانًا ستة وثمانين نصًا، ولم تقف همته عند ذلك؛ إذ أفاد من المراجع التي عاد إليها وزادت عن الألف، واقتبس منها مئتين وثلاثين تعليقًا وضعها في حواشي الخلاصة بما يخدمها، وهذا كله غير التخريجات الحديثية التي جعلها باحثنا العزيز المستند في تخريج النصوص في الحاشية حسب الاحتياج، وختم هذا الجهد العلمي المشكور بمقارنة آراء ابن تيمية الفقهية الواردة في الخلاصة بما عند المذاهب الفقهية الأربعة، وهذه الفقرة وحدها كفيلة بتقدير جهود الشيخ التركي الذي غاص في كل هذه الكتب والمؤلفات.

ويمكن لمن شاء خدمة هذه الخلاصة بعدة سبل، منها الإخبار عنها، والكتابة حولها، والاقتباس منها، والعزو إليها، واستخلاص فوائدها، واختصار بعضها، ونشرها عبر وسائل التواصل الجديدة، وفي مجموعات تطبيقات التراسل الفوري مثل الواتساب والتليقرام ومجتمعاتها وقنواتها وحالاتها. وقد يناسب أن تكون الخلاصة رفيقة لصحبة في رحلة، فيطالعونها ويستفيدون، وكل الصيد في جوف الفرا، كما يمكن وضع بعض المقولات على تصميم أو صورة، وإيراد بعضها في مناسبة تتوافق معها، وكم ترك الأول للآخر، والحاجة أم الاختراع.

فسبحان من جعل لابن تيمية هذا القبول والانتشار والبقاء. سبحان من جعل فتاويه المجموعة في سبعة وثلاثين مجلدًا من درر الأعمال العلمية لعصرنا كما جزم بذلك الشيخ د.بكر أبو زيد آل غيهب وكفى به حجة في معرفة ابن تيمية ومدرسته، حتى روي عنه أنه وصف طباعة الفتاوى وما تبعها التي جمعها الشيخان القاسم الأب والابن، بتوجيه من الشيخ ابن إبراهيم، ومؤازرة من ملوك المملكة، -وصفها- بأنها أحد مفاخر المملكة العلمية، وسأله مرة أحد الأساتذة بحضور آخرين: هل جاء أحد بعد ابن تيمية مثله؟ فقال: بل لم يأت قبله بخمسمئة عام مثله!

هذه الآراء المشيدة بحبرنا الكبير أحمد ابن تيمية ليست قاصرة على المسلمين، ولا على علماء السلف وأهل السنة، ولا على الحنابلة، وإنما هي شاملة لأصناف شتى من الناس على اختلافهم في شيء وأشياء وأصول وركائز، وما كتب عن سيرة الشيخ ومناقبه ومآثره تفيد في هذا الباب لمن رام الاستزادة؛ فالرجل شامة في جبين الأمة المحمدية، وقد خلب بعلمه وعقله وحجته وبيانه ألباب المنصفين الباحثين عن الحق.

وسيظل هذا الإمام اسمًا عظيمًا في الكتب والدروس والخطب والوسائط الإلكترونية والرقمية، ولا غرو أن تكتب عنه الآلاف من الكتب والرسائل بالعربية والإنجليزية، ويتخصص بعض الباحثين فيه وفي علومه ومنهجه، ولذا ينفضح بعض المخذولين من طالبي الشهرة حين يورد أحدهم اسم ابن تيمية في مقول أو مكتوب ضمن سياق الانتقاد الجارح، وهو -ربما- لم يطلع على شيء من كتبه مباشرة، ولا يعرف عن سيرته، وفيهم من لا يعرف اسمه ولا عصره، وهكذا البهتان المبني على الباطل، وما أوهنه من بناء وإن بدا مزخرفًا؛ فبعض زخرف القول غواية وخبال.

إن اختصار الكتب وتهذيبها وتقريبها عمل جليل قديم، وطريقة معهودة، وربما فقد الأصل وبقي المختصر، وربما فاق التهذيب في الشهرة والانتفاع أصله الذي استقى منه. وقد اشتهر علماء كثر بهذا العمل، منهم ابن منظور صاحب لسان العرب الذي جمعه من عدة مصادر، وحرص على اختصار المطولات، حتى أن أحد أبناء ابن منظور شاهد رجلًا طويلًا فقال له: لو رآك أبي لاختصرك! ومهما يكن فإن التقريب والتلخيص عمل جليل ضمن أنواع التصنيف والتأليف، وهو فرع فيه من الإبداع والإحسان ما فيه، ووجوده لا يمنع من التجديد والابتكار، وربما كان أحد أسباب هذا الابتكار ودواعيه.

ahmalassaf@

الرياض- الخميس 20  من شهرِ ذي القعدة عام 1447

07 من شهر مايو عام 2026م

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

X (Twitter)