الجوهرة هنا تعبير عن أي مقدرة أو موهبة بغض النظر عن الحكم على ذاتها. والمزبلة يراد بها أن تكون تلك الجوهرة في غير مكانها اللائق بها. الأمثال، والتعابير المختصرة، تطلق والمراد منها المعنى وليس اللفظ، كي لا يقول قائل أو يستكثر مستكثر وصف شيء بأنه جوهرة أو مزبلة. بناء عليه: هل يمكن أن تكون الجوهرة في مزبلة؟ هل يمكن أن توجد المزية في غير مكانها؟ والجواب: اللهم أن نعم ونعم!

روى ابن عبد ربه في كتابه الأدبي الشهير “العقد الفريد” أن الإمام عبدالله بن المبارك – وهو رحمه الله من سادات العلماء- سمع سكرانًا يتغنى ببيت من الشعر هو: أذلّني الهوى فأنا الذليلُ *** وليس إلى الذي أهوى سبيلُ! فأخرج العالم الكبير ورقة وكتب البيت من فوره، وحين قيل له على سبيل التعجب: “أتكتب بيت شعر سمعته من سكران؟ قال: أما سمعتم المثل: رُبَّ جوهرةٍ في مزبلة، قالوا: نعم، قال: فهذه جوهرة في مزبلة! هنا درس بليغ في التقاط السانحة، وتقييدها، وحرية التفكير، وعزل التميز عما قد يحتف به من منغصات وحجب تقلّل من قدره أو تعسّر الانتفاع به.
وينقل عن الملك عبدالعزيز -رحمه الله- قولته المشهورة: وجدت درّة في بيت خَرِب، حينما زار بلدة صغيرة، ووجد فيها عالمًا كبيرًا، هو أضخم من مستوى البلدة التي يقطنها، وعلمه يفيض عليها وعلى جوارها، فنقله الملك قاضيًا إلى العاصمة فهي إليه أحوج، وأما بلدته فيكفيها من هو دون هذا الشيخ القاضي في الفهم والعلم. هنا تصرف رجل دولة وقائد بصير في الاكتشاف والاستثمار؛ فمركز البلاد أولى بذوي الأهلية، والقرب من رأس السلطة أنفع للطرفين، ومن كان صاحب إضافة لافتة؛ فالاحتفاء به واستخدامه للصالح العام حكمة دون النظر لشيء آخر. إن اكتشاف الطاقات عمل مؤسسي وفردي، وما أحوج الأوطان إلى نبش مكنون أفرادها، وتفعليهم فيما يجيدونه.
هنا يبرز سؤال وجيه مفاده: ما هو السبب الذي يجعل الجواهر في المزابل، وحقها أن تكون في المواضع السنية الرفيعة؟ والجواب عن مثل هذا التساؤل لا ينحصر في سبب واحد. فمن الأسباب سوء تقدير الذات من قبل الجوهرة نفسها، أو التزهد الذي لا موجب له، والخشية من البروز وآثاره ولوازمه. من الأسباب كذلك التقييم الجائر أو الخاطئ من قبل الآخرين، خاصة حينما يجزم به البعض، أو يتشدق به من يظن نفسه خبيرة بعلل النفوس وأوصافها وطبائعها، وهو بنفسه أجهل فكيف يزن غيره ويدمغه ببهتان رأي آفن؟
ومنها الحسد؛ ولذا سمعت أن أحد أكابر عصرنا أعجبه عمل بديع متقن متفنن في الشكل والمضمون، فأظهر الغضب، وطلب مقابلة من أنجز ذلكم العمل، وحينما جيء به إليه قربه واستعمله، وعرف المحيطون به أنه لو أظهر انبهاره بالعمل من البداية لأدعى غير واحد أن ذلك العمل من صنعه هو، كي يحظى بالمنزلة وثمارها، أو يحرمها من يستحقها! ومنها أن الأحوال قد لا تستقيم لإنسان، فكلما ذهب يمنة زاغت عنه الفرص وعوامل النجاح يسرة، أو صادفته العثرات، وهكذا ولله في خلقه تدبير حكيم، وهو سبحانه كل يوم في شأن.
كما أن بعض الخلق قد ابتلاهم الله بخنق المواهب أو وأدها، وهذا المنهج الأرعن دافعه ضيق النظر، أو الضنانة بالخير على الغير، أو غير ذلك من مساوئ لا تسر أحدًا حين تنسب إليه، ولأجل ذلك كان أفضل حلٍّ يعالج هذا القصور أن تبتعد الجواهر عن أفلاكها التي لم تحسن تقديرها، أو لم تدرك قيمتها، وتهاجر إلى فضاء أوسع، وستجد حينها من الأحوال ما يمكنها من إظهار البريق المدفون تحت الرماد، والإشعاع المغطى مصدره، الذي طالما حرص الآخرون على حجبه وقمعه.
وقد تغيب الجوهرة عن الملاحظة لأن “التفطن” فضيلة حرم منها البعض أو لم يرفع بها رأسًا، إضافة إلى ضعف الفراسة، تلك الفراسة التي جعلت عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يقول لأبي صفرة بعد أن شاهده ومعه عشرة من ولده: هذا -أي المهلب- هو سيد ولدك، وقد كان! وربما يكون لمظهر الجوهرة الخارجي سبب في إقصائه، وكذلك لباسه وهندامه، وما أشدّ خداع المظهر والملبس، وبهما يستقبل المرء، لكنه يودع حسب مستوى عقله ولسانه، والأحنف بن قيس -رحمه الله- شاهد صدق على ذلك، ولولا عظمة معاوية -رضي اله عنه- لفقدته دولته بسبب نزق عبيدالله بن زياد وعجلته.
وربما تظلم الجوهرة بسبب جوارها أو محيطها أو شيء يرتبط بماض كان وزال، خاصة أن بعض الناس أو البيئات تمنح للمكان أو الوسط ما هو أضخم من حجمه الحقيقي؛ فيكون التقديم والتأخير مبنيًا على معيار لا يصلح أن يكون أساسًا يبنى عليه، ولا يصمد أمام الاختبار. ومن أسباب تضييع الجواهر التفكير الفئوي الضيق؛ وتلك بلية ظاهر عارها، ومفضوح صاحبها وإن استتر بأطول سلسلة معروفة من جبال الأرض! إن إهدار العبقرية قد يكون بأسباب تافهة؛ بل هي إلى الوضاعة والحمق أقرب!
أيضًا من دوافع رمي الجواهر في المزابل، ما صاغه العرب مختصرًا بحكمة هي: أزهد الناس في عالم أهله، أو زامر الحي لا يطرب! وقد سمعت من مهندس وأستاذ جامعي متخصص قبل أزيد من عشر سنوات، أن دولة عربية أرادت التعاقد مع خبير أمريكي في التشفير وحماية البيانات، فقال لهم الأمريكي: لديكم من مواطنيكم اثنان هما فلان وفلان، وأنا لن أضيف لكم على ما عندهما أي شيء، وتكلفتي من تكلفتهما أعلى، ووقت إنجازي سيكون أطول! لكن المسؤول أصر على التعاقد معه حتى والحال كما وصف!
لقد باع إخوة يوسف -عليه السلام- أخاهم بثمن بخس دراهم معدودة، وليس هذا فقط بل كانوا فيه من الزاهدين، وأمضى سنوات في حال انخفاض وسكون حتى أظهره الله بعد كمون وخمول. وانتظم الحجاج بن يوسف ضمن جند الأمويين ولا يكاد أحد أن يعرفه حتى رشحه روح بن زنباع لعبدالملك بن مروان فكان من خبره ما لا يخفى وما حفظته كتب التاريخ وصيرته ركنًا من أركان دولة بني مروان. وجاء الحاجب المنصور إلى سدة الحكم وقيادة الجيوش في عشرات المعارك المنتصرة دون أن يأبه له أحد فيما مضى من عمره الأول الذي قضاه في الأندلس. إن الأمثلة التاريخية على الجواهر الضائعة في المزابل متكررة في كل بلد، وزمن، ومهنة، وحضارة، وهي متوافرة لمن أراد المزيد، فكم في ليلة ظلماء يفتقد فيها البدر!
ألا كم في باطن الأرض من ركاز ثمين، ومعدن نفيس، وعلق غال، بيد أن تراكم التراب فوقه، أو تراص الصخور حوله، أو كثرة الحفر قبله، تحول دون الوصول إليه، أو تعيق حركته وبروزه، أو تساعد على إخفائه وإبعاده عن الأنظار، ولله الأمر من قبل ومن بعد، فكم من مدفوع صار بأمر الله وتدبيره متقدمًا، البنان إليه يشير، والأعناق نحوه تشرئب، وكم من موضوع ممنوع غدا بقدر الله وقضائه مرفوعًا مرغوبًا، وتبقى الجواهر جواهر حتى لو غبرت عليها أزمان وهي في مزابل؛ فالنفيس يحتفظ بنفاسته وإن إن!
الرياض- الاثنين 27 من شهرِ رمضان عام 1447
16 من شهر مارس عام 2026م