سياسة واقتصاد سير وأعلام عرض كتاب

تاريخ المنقور وبعث جديد!

أن تقلّب كتابًا في التاريخ يعني أن نفسك سوف تسعد، وعقلك يتحرك، وآفاقك تتسع؛ ولذا يظلّ علم التاريخ أو فنه مما تواتر حبه والتعلق به والتواصي بقراءته، حتى وإن قيل عنه ما قيل من كلمات تخلو عند التحقيق من الصحة والاضطراد. أقول ذلك وبين يدي كتاب عنوانه: تاريخ المنقور، تأليف الشيخ أحمد بن محمد المنقور (ت 1125=1714م)، دراسة وتحقيق محمد بن عبدالكريم المنقور، وهذه هي الطبعة الأولى الصادرة عن دار جداول في مستهل عام (2026م). يقع الكتاب في (268) صفحة، ويتكون من إهداء وتمهيد حوى مقدمة المحقق ومنهج التحقيق وموضوعات أخرى، ثم القسم الأول وفيه تعريف بالمؤلف وإنتاجه العلمي. أما القسم الثاني ففيه المخطوطة ودراستها وتحقيقها على ثلاث نسخ.

يعد هذا التاريخ أقدم تاريخ نجدي عثر على أصله بخط مؤلفه، وهو بذلك يكتسب ميزة القدم، والموثوقية لأنه بخط مؤلفه، فضلًا عن المصداقية فالمنقور فقيه مؤرخ، وعادة الفقهاء الدقة والاختصار والتحرز في العبارة، وأخيرًا أنه شهادة مباشرة في بعض نصوصه، فهو معاين غير راوٍ فقط. ومن حسناته الإشارة لحوادث قديمة في نجد وجوارها، ومن خلاله يمكن تصور الأوضاع في وسط الجزيرة العربية قبيل تاسيس الدولة السعودية الأولى على يد الإمام محمد بن سعود عام 1139= 1740م، علمًا ان هذا التاريخ المختصر قد حفظ لنا حوادث مئة وثمانين عامًا ابتداء من سنة (945) التي توفي فيها عالم نجد المشهور الشيخ يحيى بن عطوة.

وتزداد قيمة هذا الكتاب القديم إذا علمنا عن قلة المصادر النجدية المبكرة التي وصلتنا بخط مؤلفيها أو بخطوط النساخ والطلبة؛ فالتاريخ النجدي قبل القرن الهجري الثاني عشر يعتمد غالبًا على نقل لاحق، أو على روايات متفرقة في كتب التراجم والأنساب، أما أن يصلنا تاريخ مستقل بخط صاحبه، فذلك مكسب علمي نادر، يفتح نافذة مباشرة على رؤية أهل ذلك العصر لأحداثهم وبلادهم، وتلك حسنة عنها لا يغفل.

وفي الكتاب وهوامشه جهود طيبة للشرح، والتعريف، وإزالة الغموض واللبس بتوضيح أو تصحيح، ولتحقيق هذا المطلب رجع المحقق إلى خمسة وسبعين مرجعًا، وللتيسير على القارئ أضاف كشافًا للأعلام والأماكن، وأكثر علم ورد اسمه هو شيخ المؤلف عبدالله ابن ذهلان، وأكثر الأماكن ذكرًا هي نجد وسدير والعيينة، علمًا أن هذه الكشافات تعطي للقارئ فكرة عن الكتاب وإنسانه ومكانه، وهي مما تشجع على القراءة، وإن كانت متعبة لصاحب الكتاب، ولا يصير إليها إلّا بعد فراغه التام من النص.

ولعل هذه الملاحظة من أهم ما يميز هذه الطبعة الجديدة، فالتحقيق لم يقتصر على إخراج النص، بل سعى إلى خدمته بالتعليق والتعريف، وهذه هي وظيفة التحقيق الحقيقي؛ إذ لا يكفي نقل النص من المخطوط إلى المطبوع، وإنما ينبغي إحاطته بما يزيل غموضه ويقربه إلى القارئ المعاصر، على أن تكون الإضافات ذات قيمة ونفع، لا إضافات يراد منها الحشو وتطويل النص وزيادة عدد الصفحات كما يصنع تجار التحقيق.

وإذا كان النص نفسه يمثل مكسبًا تاريخيًا، فإن إخراجه في هذه الطبعة يمثل مكسبًا علميًا آخر؛ فقد أحسن الأستاذ محمد بن عبدالكريم المنقور صنعًا بهذا التحقيق؛ إذ أكمل النقص في التحقيق السابق القديم للكتاب الذي نهض له حسب المتاح من المخطوطات عميد الوزراء د.عبدالعزيز الخويطر قبل أزيد من نصف قرن، ولو كان الوزير المحقق بيننا لسعد بهذا العمل؛ فالعلم رحم بين أهله. وأحسن أبو عبدالكريم بتحقيق كتاب جده والاجتهاد في ذلك، ولو رأى الجد صنيع الحفيد لاحتفى به وابتهج. كما أحسن الأستاذ المنقور لتاريخنا المحلي، وللمكتبة السعودية والعربية بهذه الإضافة التي عكف على إخراجها ثلاثين شهرًا.

كذلك من الحسنات الخفية أن هذا الكتاب المحقق يحسب من عمل أهل التحقيق والدراسة من السعوديين، وهم كثر في علوم عديدة شرعية ولغوية وتاريخية وبلدانية وغيرها، بيد أن اشتهارهم عربيًا أقل مما يستحقونه، وليت أن إحدى هيئات وزارة الثقافة تتولى هذه المهمة كي تعرف الأجيال العربية علماءنا المحققين مثل الجاسر وعطار والبلادي والعثيمين والعقيلي وغيرهم، فإن لهم على العلم والتراث يدًا طولى، وعسى أن يقود التذكير بهم إلى نشوء طبقات من المحققين الشباب، الذين يدلفون إلى هذا الباب بعلم وأمانة وحرص، بعيدًا عن المآرب الأخرى. والشيء يقود إلى جنسه؛ فربما يناسب تعريف المثقفين من سعوديين وعرب بالمؤلفات السعودية القديمة، من خلال قوائم أو غيرها؛ كي لا يتسرب ظن خاطئ بأنها معدومة أو مفقودة.

إن تاريخنا السعودي أمانة في أعناقنا، وهو تاريخ وتقاليد وبلدان وثقافة وحضارة، ومن مقتضى الأمانة حفظ هذا التاريخ، وإعادة بعثه ودراسته بعلم وعدل وأمانة، ثم نشره واستخلاص العبر منه. وليس بغريب أن يشارك الأستاذ محمد العبدالكريم المنقور في هذا المضمار الشريف المنيف، فهو الذي درج في أسرة عريقة مباركة نافعة وفية لأسلافها وموروثها، برز منها منذ القدم وحتى يومنا رجال أفذاذ، ثم عاصر مجالس والده، وصاحب أكابر أسرته، وجالس علية قومنا من علماء ومؤرخين ووزراء ووجهاء وأثرياء، فأثمرت هذه المدخلات كلها، ويا لها من ثمرة تذكر فتشكر، وتشرئب الأعناق لغيرها من أي فتوح علمية منقورية منتظرة!

ahmalassaf@

الرياض-الجمعة 24  من شهرِ رمضان عام 1447

13 من شهر مارس عام 2026م

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

X (Twitter)