من مزايا الكتابة أنها نفسها مادة ثرية جدًا للكتابة فيها! يمكن الكتابة عن حياتها المثرية، وعن موتها المحزن كذلك، وبالاستطاعة الحديث عن قانون الكتابة، تمامًا مثل الخوض في فوضى الكتابة. أما السعادة والشقاء المرتبطين بها فمما لا يخفى شأنهما على كاتب حفي بحرفته، ومثلهما البحث في أعباء الكتابة وثمارها، والمعينات عليها أو المعيقات عنها، والسؤال مشروع عن كيمياء الكتابة التي يقابلها ما للكتابة من فيزياء، وليس بخاف أن للكتابة أعداء وأصدقاء، وأمل مع ألم، وأسرار وكشوفات، ولها شرف يستلزم أخذ العهود والمواثيق من أهلها.

هذه العهود التي يأخذها الكاتب على نفسه، فإن نسي أو تناسى، فلسوف تأخذها الكتابة عليه سواء أشعر بها أم غفل عنها، وهذا سر من أسرار هذه الحرفة العقلية العليا. ميزة هذه العهود أنها تبني سورًا عاليًا من الارتباط الوثيق بين الكاتب والكتابة، ولبنات هذا السور جملة زاهية من العهود والمبادئ التي تنقسم إلى ثلاثة أقسام: عهد تجاه الكاتب نفسه، وعهد نحو الكتابة ذاتها، وعهد يختص بما ينتمي إليه الكاتب من دوائر تتكامل ولا تتناقض في الغالب، وصدقت الكاتبة رضوى عاشور حين قالت: الكتابة بالنسبة لي علاقة بأمور ثلاثة: علاقة بالواقع المحيط، وعلاقة باللغة ومن ورائها التراث الثقافي والأدبي المتجسدين فيها ومن خلالها، وعلاقة بحرفة الكتابة والخبرات المكتسبة في الورشة اليومية.
يتمثل عهد الكاتب تجاه نفسه بما يلي:
- حسن الاستعداد: يقوم على التأسيس الصحيح؛ فالكاتب لا يبلغ أن يكون كاتبًا حتى يقطع عمرًا طويلًا في الدرس وطلب الكتابة كما جزم الرافعي. هذا التأسيس فيه القديم والحديث؛ لأن الفضل ليس منحصرًا في المتقدمين مثلما كتب ابن خلدون.
- اكتشاف الوقود الداخلي: أي معرفة المحفزات والممكنات التي تزيد من نشاط الكاتب في عمله، وهي تشمل بعض الأحوال والأفعال والأشخاص والأماكن والأزمنة. أحدهم كان يعدّ ستين حية من البن قبل أن يكتب، وكاتبة تشرب أكوابًا من القهوة كثيرة ثم تكتب! ولدى بعضهم عادة غريبة يسميها “حمام الهواء” أي الجلوس عاريًا جوار النافذة! أقول ذلك حتى لو كانت “الطقوس” بحدّ ذاتها نوعًا من القيود التي تعثر الإنسان، وجدير بالكاتب التحرر منها، أو حسن إدارتها.
- الأمانة في النقل والعزو إن للفكرة أو للفظ؛ فبركة العلم إسناده لأهله كما علمنا أسلافنا، و لجاك سميث كلمة معبرة يقول فيها: أُفَضِّل أن يُقبض علي وأنا أسطو على مصرف بدلًا من سرقة العبارات والجُمَل من كاتب آخر.
- العزم على الاستمرار؛ فالكتابة ليست موضة أو ترند أو هبة. لأوسكار وايلد عبارة شهيرة حاثة على الاستمرار: وحده الاعتيادي يتطور ويرتقي، ويذهب كافكا إلى أبعد حين يصف الكاتب الذي لا يكتب بأنه وحش يقترب من الجنون. ولسباركس عبارة تحفيزية هي: جميع الذين اشتهروا كانوا يكتبون باستمرار، وهو التأكيد الصادر عن والتر موزلي: عليك أن تكتب كل يوم، وتذكر أنه لا يوجد مقدار محدد من الوقت تقف عنده.
- سك المصطلح، وابتداء علم أو فرع عنه. فمصطلحات الأيدي المتوضئة، والثقافة، والاستيجاه، والقوى المرجحة، تنسب-تباعًا- للرافعي، ولويس عوض، وأ.د.علي النملة، ود.عبدالرحمن الإبراهيم. وللأئمة الشافعي وابن فارس وابن خلدون مبتكرات تصنيفية لها نظائر في حضارتنا. إن خير الكلام ما كان لفظه فحلًا ومعناه بكرًا كما ذكر عبد الحميد الكاتب.
- تقدير النفس: حتى تطرد اليأس وهاجس الانقطاع عنك، فأهم فضيلة يتحلى بها الكاتب هي مسامحة النفس مثلما عبرت إليزابيث غيلبرت.
- الحذر من التكلّف: يقرر سومرست موغهام أن أفضل أسلوب هو الأسلوب الذي لا تلاحظه.
- الخمير لا الفطير: أي الحذر من التعجل قبل الأوان، سواء في الكتابة أو النشر أو التصدر.
- الاستقلال: فلا يغدو الكاتب تابعًا إلا لما يؤمن به؛ ولذلك قال يوسا: إن قدرة رواية ما على الإقناع، تكون أكبر، كلما بدت لنا أكثر استقلالية وسيادة. وحاول ماركيز يهرب دائمًا من المؤلفين الذين يحبهم حتى لا يقع في مصيدة تقليدهم.
- البحث عن الأسلوب الخاص: هو للكاتب مثل البصمة التي لا تتكرر، وفيما مضى طلب شاعر من ابنه حفظ دواوين شعر ثم أمرها بنسيانها بعد الحفظ! والغاية بناء اللغة وصقل الموهبة دون الوقوع في أسرها، مع ان الحفظ عملية تدار خلافًا للنسيان المتعب. ومن هذا الباب قول ميشيل موروك: انسَ كل النصائح واصنع طريقتك الخاصة، المناسبة لما تودُّ أن تقوله أنت.
- التحرر من سلطة الجمهور: فالكاتب يكرر كلمة دون داليلو: ليس عندي جمهور، بل مجموعة من المعايير.
- دع عملك يتحدث عن نفسه: فإذا لم يتحدث العمل عن نفسه، فهو فاشل كما حكم جورج أورويل.
- استبقاء شيء للعالم الآخر: فكم نجد في تراث كثير من الكتّاب والشعراء مواد فيها تأمل وتأله ودعوة إلى الخير والفضيلة ،وعسى أن تكون مما تثقل به موازينهم عند الله سبحانه وتعالى.
أما العهد نحو الكتابة فيمكن إبرازه فيما يلي:
- بث التساؤل: اجعل الكتابة سبيلًا للاكتشاف، وسببًا لإثارة التساؤل؛ فالسؤال أحيانًا أعظم من الجواب، ذلك أن عمل الكاتب -حسب أنآيس نين- ليس قول ما يمكن الجميع قوله، بل ما لسنا قادرين على قوله.
- التواصل: مع مجتمع الكتابة والكتّاب، وهو تواصل ذو معنى، أما التواصل الخالي من المعاني فلا جدوى منه.
- التوريث: كم ترك لنا الكتّاب من سير وتجارب ونصائح وعثرات وكلمات خالدة! فاشعل فتيل الكتابة لدى غيرك، مثلما نقرأ في تاريخنا في وصف أسماء عظيمة بأنها صاحب فلان أو غلامه أو ما يدل على المعايشة والملازمة.
- الإضافة عليها، وهي إما إضافة جديدة لها قيمة، أو مبنية على ما سبق، وسيكون أثرك بالغًا إذا نجحت في تحقيق السيطرة في عالم الكتابة، وهذه السيطرة تأتي من ابتكار منهج، أو إحاطة تامة.
- البعد عن الموضوعات الطبولية: فهي مثل نار قش سريع اشتعالها سريع خفوتها، وقد توجد شهرة مؤقتة بيد أنها إلى زوال، ولا أدل على ذلك من الرجوع مئة عام -فقط- إلى الوراء، والبحث عمن خلد من أسماء. إن الثقافة تختلف جذريًا عن الإعلام.
- النصب البحثي: فما كُتِبَ بلا جُهد، سيُقرأ بلا مُتعة كما حكى صامويل جونسون. وفي تاريخ التصنيف العربي نجد أن بعض المؤلفات عكف عليها كتابها عشرات السنين مثل الأغاني للأصفهاني. وفي الروايات الحديثة جهود مضنية مثل صنيع الروائي الألماني باتريك زوسكيند الذي فهم عالم العطريات قبل كتابة رواية العطر، وغوص الإيطالي أمبرتو إيكو في تراثه الديني حتى يكتب روايته اسم الوردة، ومثله اجتهاد الكاتب التركي أورهان باموك في مساءلة التاريخ عن أسرار الرسم والنقش استعدادًا لكتابة رواية رواية اسمي أحمر، وتعمق الروائي الفلسطيني/الروسي د.إيهاب عويص في علم الأديان قبل أن يقدم على كتابة روايته في سلسلة عن رحلة إبراهام.
- تخصيص الوقت: وهذا الذي جعل الشيخ أ.د.محمد الحمد يؤلف أكثر من مئة كتاب متين، فاستفاد حتى من أوقات الانتظار. وفي خمسينيات القرن الماضي، كانت أليس مونرو أمًا مسؤولة عن طفلين صغيرين، ومع ذلك سعت لأن تكتب في فضول الوقت بين الاعتناء بالبيت والاعتناء بالطفلين. ليكن شعار الكاتب والكاتبة مثل شعار كافكا: سوف أكتب متجاوزًا كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات.
- الاعتزاز بفرديتها: فالكتابة هي أكثر المهن فردية في العالم، ولا أحد بإمكانه أن يساعدك في كتابة ما تريد كما يخبرنا ماركيز.
- الحفاظ على رقيها: فالكتابة توصف بأنها وخزة مقدسة، رقية، خلاص، إنقاذ، شفاء، والكتاب هم ألسنة الملوك، أو ملوك على الناس، أو رؤوس المجتمع،… وهذا يوجب على الكاتب والكتابة رعاية مكانة موهبتهم وصونها عن الابتذال.
- منع تعدي الذكاء الاصطناعي على بشريتها: يمكن للكاتب أن يستفيد من الذكاء الاصطناعي بأي طريقة شريطة أن يكون هو السيد الآمر صاحب القرار، وهذا الذكاء خادم معين لا يتخطى حدوده.
عهد للانتماء:
- التعبير عن العراقة: ويكون ذلك بجلالة الأصل الذي يرجع إليه الكاتب، تأصيل النص بوصله بمصدر مرموق، البحث عن علو السند. والعراقة تظهر على أهلها مباشرة، ولذا قال د.عبدالعزيز الخويطر: لم أقابل وفدًا عمانيًا إلّا شعرت بعراقتهم.
- حسن التمثيل: فالعباسة أخت الرشيد كانت أديبة، وروي عنها قولها: إذا تذكرت نسبي من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمسكت، والقصد ألّا يحفظ عنها ما قد يفهم منه المخالفة. إن الكاتب مثل الرائد الذي لا يكذب أهله ولا يشينهم ولا يجلب لهم المنقصة.
- الارتباط مع المكتبة والوفاء لها، فالمكتبة العربية والإسلامية واحدة مترابطة متداخلة مثلما أوضح د.الطناحي، وهذا لا يعني قطع الصلة بتراث الأمم والحضارات الأخرى.
- تحري الحكمة: ذلك أن فتنة اللسان والقلم، أشد من فتنة النساء، والحرص على المال كما يقول الجاحظ، وحقيق بالكاتب ألّا يطبّ زكامًا فيحدث جذامًا.
- الدفاع الرزين المؤدب عن دوائر الانتماء: والحذر من سلوك “براقش التي جنت على أهلها، وهو سلوك من دوافعه العجلة، وسوء التقدير، والمسابقة للأولية، وغيرها.
- استجلاب شهادة النسب الشريف: وذلك بأن تجعل عملك الكتابي يشهد لشرف النسب الذي تنتمي إليه.

إن الكاتب عقل متحرك في جسد ثابت كما قال الكاتب والشاعر الأرجنتيني العالمي خورخي لويس بورخيس، وهذا العقل يفترض فيه أن يجعل من الكاتب والكاتبة إنسانًا مميزًا في تفكيره ومسالكه ولغته، وأن يمنح من تلقاء نفسه لصنعته الباهرة ميثاقًا غليظًا، وشرفًا ساميًا، لا يباع، ولا يشترى، وليس قابلًا للمساومة، وإنما ترعى حرمتها برعاية هذه العهود، التي يتواصى الأوفياء بحسن العهد معها، وإدامة تعاهدها، وإنه لقسم لو تعلمون عظيم!
الرياض- الجمعة 08 من شهرِ رمضان عام 1447
27 من شهر فبراير عام 2026م
ألقيت هذه المادة في سحور الكتّاب الذي أقامه مجتمع الكتابة في المدرسة الثقافية بحي الملقا بالرياض يوم الجمعة 08 من شهر رمضان عام 1447.