في سنة من ربيع العمر، كنا في الفصل الدراسي ننتظر مدرس الأحياء؛ فدلف إلى الغرفة شاب وضيء المحيا، مهيب الطلعة، مشرق البسمة، وله وقار حقيقي، وفي سيماه إخبات وسكينة، فكان هو أستاذنا الذي لم يكتف بشرح المادة العسرة نوعًا ما، وإنما زانها بوقفات فيها إيمان وتربية وإحسان. كان ذلكم هو الشيخ سليمان بن جاسر بن عبدالكريم الجاسر (1384-1447=1964-2026م)، الذي توفي هذا اليوم رحمه الله بالرياض، والله يجعل ما أصابه رفعة في درجاته وتمحيصًا له.
نتاج الشيخ سليمان الجاسر مع تمكين الأوقاف
عمل الشيخ الهميم في التعليم أول عمره، ثمّ تفرغ للأوقاف في سنوات حياته الأخيرة، ولقد أزهر وأثمر وأينع أينما حل؛ وذلكم هو شأن المؤمن المبارك؛ فالناس صنفان: من يعيش ليبقى اسمه، ومن يعمل لتخليد أثره وزيادة حسناته، وإذا كانت الأسماء تُنقش على الرخام، فإن الآثار تغرس في الأرواح، وتستقر في ذمة التاريخ، وهو ما سيكون للشيخ بفضل من الله بعد أن يصلى عليه الليلة بجامع الراجحي، ويدفن في مقبرة النسيم.

ثمّ طُلب إليّ ذات مرة أن أقدم مادة تدريبية؛ فوافقت، وبعد دخولي إلى قاعة التدريب تفاجأت أن أستاذي الشيخ الجاسر أحد المشاركين فيها، وظلّ في مقعد المتعلّم المتفاعل الذي يسمو على حسابات الدنيا وأرقامها التي لا تقدم ولا تؤخر. عقب ذلك توليت إدارة لجنة خيرية مؤقتة؛ وكان من أعضائها، فحملت همّ وجوده -تقديرًا له وحياء منه- لكنه بدّد هذا الهم تبديدًا كليًا بحضوره ومشاركته التي لم يعثرها أنه درسني في يوم مضى، وهذا شأن الكبار الذين يلتفتون لمحض الخدمة، ولا يعنيهم الموقع بشيء إن في الساقة أو في الحراسة.

وقبل سنوات دعيت إلى تقديم مادة مرئية مسجلة ضمن برنامج علمي تربوي موجه لعدد ضخم من الفتيات في المرحلة الجامعية وما بعدها، وسألت المنظمين عن كيفية التسجيل، فقالوا: تصرف! فاتصلت من فوري بالشيخ الذي فرغ الاستديو والمصور في مركزه حسب الوقت الذي أطلبه، وسجلوا لي المادة وأعادوا إخراجها بإبداع متقن حتى أن القائمين على البرنامج بهروا من التصوير والإخراج، وأما أنا فبهرت من تعاونه وتقديمه هذا العمل التطوعي على عمله وعمل مركزه، والله يكتب له الأجر والمثوبة.

هذه المواقف تلخص طبيعة الشيخ سليمان، فهو الرجل الذي كساه الله حسن الخلق، وكبير التواضع. وهو الرجل المحب للخير ممن جاء به بغض النظر عن أي اعتبارات أخرى. هو الرجل الذي شغل بالمبادرة إلى نافع العمل الذي يبقى أثره، ويمتد خيره، حتى لو لم يقف على النتيجة من فوره، بيد أنها نتيجة أكيدة فعالة، فالخير الذي تغرس بذوره الطيبة لا مناص من أن ينبت ويورق ويكون له ظل وثمر ورواء يغنم منها القادمون ولو بعد حين.

عني الشيخ سليمان بالتربية وتنشئة الجيل سواء في بيته وداخل أسرته العريقة بالعلم والفضل، أو حيثما عمل في المدارس المساجد وإدارات التوعية وغيرها. كما عني بموضوعات الأوقاف العامة والخاصة، والوصية، وسعى إلى ضبطها وحسن إدارتها وحوكمتها، مستثمرًا التوجه الحكومي في هذا الميدان، فكان له فيه باع مشكور، وجهد مشهود، ويد طولى، من أبرز معالمها تأسيس مركز “واقف”، وتأليف الكتب، وإقامة البرامج التدريبية واللقاءات الإثرائية، وطباعة الكتب، وتقديم الاستشارات للأجهزة الحكومية ولرجال الأعمال والأسر وغيرهم، والتعاون مع وسائل الإعلام من أجل هذه الغاية.

وهو في عمله هذا القريب جدًا من شؤون الإدارة والجودة والمال والاقتصاد، كان ينزع -مع انغماس هذه المجالات بالدنيا- إلى الالتزام بالفقه، ومعالجة النية، وربط العمل بالسلوك التعبدي، حتى أن طرحه العلمي يتمازج دون اعتساف بالوعظ والنصيحة المكسوة بالشفقة ومحبة الخير لبلاده ومجتمعه وأناسه. ولا غرو؛ فشيخنا إمام في الغرس المبارك، فهو في التعليم غرسٌ بالعقول، وفي الأوقاف غرسٌ للمجتمع، وكلاهما غرس آمن طيب من أجل المستقبل.

وقد وقف الشيخ الراحل خلف إنشاء أوقاف كثيرة، وإعادة بعث الحياة في بعض ما تعطل منها أو تعثر، إضافة إلى ابتداء مشروعات علمية في هذا الحقل المهم الناهض بقوة، والمشاركات الفعالة في أكثر من ميدان عبر أي وسيلة شرعية ممكنة، كي يؤكد على مركزية بلاده في موضوعات الأوقاف، وقوة تجربتها المرتبطة بحبل متين من الشرع الحكيم. ومع وجود عدة مراكز تهتم بالأوقاف إلّا أن الشيخ دخل في هذا الباب من العلم والعمل، مؤمنًا بالوفرة لا الندرة، ومستمسكًا بخيارات التنوع والتكامل والتعاون على البر والتقوى.

ومع أن الشيخ رجل عابد رقيق القلب، تقلقه المنكرات والمظاهر السيئة، إلّا أنه لم يكلّف نفسه التوقف عند مجرد الحوقلة والنوح على فائت أو الخوف من آت، ولذا شقّ طريقه في المساحات التي يقوى عليها، ودفع نفسه بقوة ورشاد إلى مجالات يمكنه صنع أكثر من معروف عبرها، وهكذا يفعل الصادقون الذين يؤمنون أن الأبواب كثيرة كثيرة، فلو أغلق عليهم الباب تلو الآخر، فهم قادرون على اكتشاف أبواب أخرى، أو صنعها، أو حسن التأتي للدخول من الموجود بهدوء ومصابرة وسمو قصد.
رحم الله أبا عبدالرحمن، فقد كان نموذجًا يقتدى به في المشاركة المجتمعية قدر الوسع والطاقة دون كلل أو قعود تحت وابل من الأراجيف وصنوف التخذيل. رحم الله أبا إبراهيم، فقد كان أستاذًا في حمل القضية التي يؤمن بها، فتحيا معه وتتحرك بحركته، بل ونام نومة الدنيا ثم نومة البرزخ وهي يقظة باقية. رحم الله أبا جاسر فقد أوقف حياته على الخير ومحاسن الأمور ومعاليها؛ ولذا فلا تستغربوا حين نقول: إن سليمان الجاسر واقف خلف ألف واقف، وأكثر ، وأكثر، والله يتقبل منه، ويرحمه، ويثبته، ويحسن عزاء عائلته وأسرته ومحبيه، والله المرجو أن يسخر لأبواب فتحها أبو عبدالرحمن من يكمل بعده فيها المسير الرشيد.
الرياض- الاثنين 06 من شهرِ رمضان عام 1447
23 من شهر فبراير عام 2026م
2 Comments
كتب الله أجرك أبا مالك على ما خطت يمينك، وأبدعت في عنوان المقال.
آمين وشكرا لكم أبا عمر