سياسة واقتصاد عرض كتاب

حوكمة الأوقاف: أصل الحماية والاستدامة

بين يدي كتاب عنوانه: حوكمة الأوقاف: النظرية والتطبيق، تأليف: د.إبراهيم بن عبدالعزيز الخميس، ومعه فريق عمل في التحكيم والتحرير والتصميم والإخراج، وقد أدار المشروع: أحمد بن صالح الصقير. صدر هذا الكتاب عن استثمار المستقبل عام (1447=2025م)، ويقع في (217) صفحة مكونة من فهرسين للمحتويات والأشكال وعددها (32) شكلًا، فمقدمة ثم ثلاثة فصول، وأخيرًا فهرس بأهم أفكار الكتاب.

ومما يحسن ذكره في البداية من باب الثناء والشكر أن هذا الكتاب صدر برعاية من منفعة للأوقاف، وأوقاف الضحيان، ومؤسسة وقف حصة بنت ناصر الراجحي. إن تآزر عدة مؤسسات وقفية لإنتاج عمل علمي يخص الأوقاف له دلالة على النضج والشعور بالمسؤولية وضرورة التكامل، وهذا المسلك الحكيم يقوي مكانة البلاد وخبرائها في هذا المجال، خاصة أن تعظيم الأوقاف والعمل التطوعي ركن مهم في رؤية المملكة 2030، وهو منجز علمي عملي سوف يعين الأجهزة الرسمية المعنية بالأوقاف إن في مجال الإدارة والتنظيم والمتابعة، أو في إعداد مشروعات التشريعات الجديد منها والمحدّث.

تأتي أهمية هذا الكتاب في سياق زمني وتشريعي مهم من تاريخ العمل الوقفي المحلي والعالمي، فلم يعد السؤال المطروح: كيف نُنشئ وقفًا؟ فالأوقاف بحمد الله كثيرة، والتوجه صوبها يزداد ولا ينقطع، وإنما السؤال المركزي والأكثر أهمية وإلحاحًا هو: كيف يدار الوقف دون أن ينحرف، أو يتعثر، أو يتعطل، أو يتحوّل إلى عبء مؤسسي ومالي؟ ومن هنا تبرز الحوكمة متجاوزة الوصف النظامي والإداري، إلى كونها شرطًا لبقاء الوقف، وتعميره، واستدامة آثاره.

تحدث المؤلف في مقدمته عن الوقف، وعن فصول الكتاب، وأشار إلى أن هذا الكتاب يجمع بين النظرية والتطبيق بإيراد أمثلة واقعية وتطبيقات عملية مستندة إلى مراكمة الخبرة لدى شركة استثمار المستقبل في موضوع حوكمة الأوقاف، مما يصنع من مادة هذا الكتاب مرجعًا يتجاوز المحلية إلى الدول الأخرى، خاصة أنه ينطلق من المملكة العربية السعودية، التي لا يمكن أن يقود أحد من الدول قطاع الأوقاف بمثل قيادتها له، لما تمتاز به من مكانة دينية واقتصادية، وبما لديها من الخبرة والعناية الرسمية والمجتمعية والتشريعية بالأوقاف. إن وجود المؤسسات المختصة، وتوالي الدراسات والبحوث، وكثرة الخبراء والباحثين، مما يعزز الأهلية لهذا التصدر في حقل اقتصادي ومجتمعي مهم ومؤثر مثل الأوقاف.

ولا تنبع أهمية التجربة السعودية من كثافة الأوقاف وقدمها، وإنما من اجتماع الإرادة السياسية، وتتابع الاجتهادات التشريعية، مع النضج المؤسسي الإداري والاقتصادي في القطاع الوقفي، والوعي المجتمعي الذي بلغ حدّا من الإيمان والقناعة بالوقف قلما يوجد نظيره، وهو اجتماع سوف يمكّن من إنتاج عمل وقفي محوكم ومدار ومستثمر على أحسن صورة عملية، حتى يصير نموذجًا معاينًا قابلًا للتصدير والعرض كي تحتذى طريقته، وينصت الجميع لتوصياته.

 يدخل الفصل الأول بالقارئ إلى الحوكمة مبينًا مفهومها وتاريخها، وعارضًا لمبادئها وإطارها في الشركات نظرًا لسبقها في هذا الباب. يركز هذا الفصل على فكرة أن الحوكمة تهدف لحماية الأصيل من فساد الوكيل أو إهماله، من أجل ضمان نمو الكيان واستدامته، وهذا لايكون إلّا بالتأكد من قيام الوكيل بواجبات العناية والولاء والصراحة، وهي أسس تبنى على مبادئ راسخة أربعة هي: قرار رشيد، وعدل وأمانة، وشفافية وإفصاح، ومسؤولية ومساءلة، ولها ممارسات دولية حديثة، والحمدلله أنها ثابتة منذ القدم في تراثنا الإسلامي في أبوب الوكالة والإنابة. إن هذه الحماية مطلب رئيس لدى كل واقف ومراقب ومستفيد، ومن الضرورة دراسة السبل الموصلة إليها، وكيفية حمايتها من الخروقات، وهو الأمر الذي يدرسه هذا الكتاب الذي يعمل على صنع نظام مؤسسي فاعل يرفد المستقر في الأخلاق السوية.

أما الفصل الثاني فيختص بحوكمة الأوقاف وفيه بيان للمفهوم مع تحديد لعوامل هذه الحوكمة، وتحديد معايير مقترحة لها، ووضع إطار لحوكمة الوقف، وتتبع المسار الإداري لعملية الحوكمة. ولأن الوقف يختلف عن الشركات التجارية والمدرجة في أسواق الأسهم؛ يكون مدار حوكمة الوقف هو حماية شرط الواقف، ولهذه العملية مبادئ أربعة كما سبق، ولهذه المبادئ معايير مثل: التنظيم المحكم، والقيادة والفاعلة، وكفاءة التشغيل، ودرء فساد تعارض المصالح، وحماية أصحاب المصلحة، والضبط والتوثيق، والالتزام الدائم بالشفافية والإفصاح، وتحديد المسؤوليات، وتنفيذ الرقابة، وتمكين المساءلة. هذه المعايير تضبط تدخلات أفراد الأسرة، والنظار، والمديرين، وغيرهم، وتسهم في صنع أوقاف تحرك الاقتصاد حتى لا تكون أصولًا راكدة فقط.

عقب المدخل التعريفي، وبيان كيفية حوكمة الأوقاف، يذهب بنا المؤلف د.الخميس إلى الفصل الثالث والأخير عن أثر نموذج عمل الوقف على الحوكمة، وهو فصل تطبيقي على المبادرات الاجتماعية التي تحتاج لدمج الوقف ضمن نماذج عملها، وضبط العلاقة بين كياناتها. وفي هذا الفصل حديث جوهري عن تعاضد الأوقاف، وهي مسألة مهمة، وقد تزداد الحاجة لها، إذ تعني الأوقاف الموحدة أو المتحدة، والتعاضد يكون في الإدارة أو الاستثمار أو المنح، وقد تطرق الكتاب لأمثلة واقعية محلية ودولية. سوف يتضح للقارئ أن تعاضد الأوقاف أحد أكثر محاور الكتاب حساسية وتعقيدًا؛ لأنه يجمع بين مزايا التكامل، ومخاطر فقدان الخصوصية الوقفية، مما يجعل الحوكمة في التعاضد ضرورة قانونية. ثم ختم الباحث الفصل بمسألتين هما: حوكمة الشركات الوقفية، وحوكمة أوقاف الكيانات، وهذا من أجلى الأمثلة على الجانب التطبيقي الثري في الكتاب.

أخيرًا أورد الكتاب جدولًا فيه ثمانية وأربعون فكرة أساسية مما جاء في الكتاب، وليت أن هذه الأفكار مرقمة ليسهل على القارئ والكاتب الإحالة إليها. وبالجملة فالكتاب في مادته العلمية استند لأحكام الشريعة الإسلامية وقواعدها وأخلاقها، وللأنظمة المرعية في السعودية، مع الإفادة من التجارب العالمية في التنظير والتطبيق. وقد أحسن المؤلف بالرجوع لتعريفات مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية إذا وجد لديها تعريفًا لأحد مصطلحات الكتاب الذي صدر بطباعة أنيقة فاخرة، وبمحتوى يجعل القارئ يواصل القراءة حتى مع علمية الموضوع، ويجعل الكتاب أداة مرجعية لا غنى عنها للباحث والممارس وصانع القرار الوقفي.

ahmalassaf@

الرياض- الأربعاء 09 من شهرِ شعبان عام 1447

28 من شهر  يناير عام 2026م

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

X (Twitter)