فرغت البارحة من آخر كلمة في مقال إذاعي، ومع الفراغ جاءت رسالة من تطبيق نبض ناقلة عن صحيفة سبق نعي الأستاذ الشيخ عبدالكريم بن صالح المقرن المذيع المعروف، والمرتبط في الذاكرة بإذاعة القرآن الكريم الماجدة. جاء النبأ فأحدث في محيطي صمتًا لغياب صوت طالما أحببناه. دعوت له بالرحمة، وبادرت بكتابة تغريدة رثاء وجدت من التفاعل ما أظنه بسبب الرجل الراحل. وبعد فراغي من صلاة الظهر اليوم واذكارها، وجدت يدي تمتد إلى تطبيق “قوقل كيب” لكتابة كلمة رثاء وثناء يستحق أستاذنا أكثر منها؛ فلقد كان عبدالكريم المقرن كريم الاقتران، وهذا من فضل الله عليه حين ربطه بالقرآن والعلم والعلماء.

فرحم الله الصوت الإذاعي السهل سريانه للأرواح عبر الآذان، وغفر الله للأستاذ المذيع عبدالكريم بن صالح المقرن الذي توفي يوم أمس الجمعة بالرياض، وسيصلى عليه عصر اليوم السبت بجامع الراجحي قبل أن يدفن في مقبرة النسيم. غفر الله له وقد تفاعلت المنصات الإخبارية والإعلامية مع نبأ رحيله المحزن الذي انتشر بعد ساعات من نعي المذيع قارئ نشرات الأحوال الجوية الأستاذ حسن كراني غفر الله له ورحمه، وجعل ما أصابهما من أسباب التكفير وعلو الدرجات، وكتب لهما أجر بث الطمأنينة، وسوق البشرى بالغيث، وأدام لنا بركات التآلف، وبشريات السماء.

ارتبط المقرن مع المستمعين والمشاهدين ببرامج دينية تخلو من أي تفنن إخراجي أو مغريات عاجلة للسمع والبصر، لكنها كانت حياة قلب، ومداد عقل، وغذاء نفس، وشفاء روح؛ ولذا سكن في المهج، وخالط الشغاف، وبكاه الناس على اختلافهم. إن بقاء الثر، وخلود العمل، وقبوله الرباني، لمما تعجز عن إدارته جموع البشر، وقد لا تدركه إبان وجوده ،لكنه يتضح رويدًا رويدًا مع الفقدان أو تقادم الزمان.

وقد شغل عبدالكريم تاريخه الإعلامي في تقريب العلم للناس، وإرشاد العامة، والدلالة على الخير، والاحتساب في نقل أسئلة المستفتين للمشايخ والفقهاء باجتهاد وأمانة، وإن الملائكة لتصلي على معلم الناس الخير، وإن طرق الجنة لتتزين لمن سلك دروب العلم أو سهل الوصول لها وأعان السابلة على عبورها. إن العلم هو أسمى ما صرفت فيه الأوقات، وهو طريق الخلاص الأول من كل البلايا والرزايا الخاصة والعامة؛ فصلاح التصور مؤذن بإصلاح الحال والمآل.

كما صاحب الشيخ عبدالكريم أكابر العلماء، فاقتبس منهم الهدي والسمت، وتعلم من قربهم السكون والأدب، والأناة والروية، قبل أن يحفظ منهم أو يروي عنهم، ولعمركم إن هذه الخصال لمن أجلّ مغانم المصاحبة والمعايشة، وبها أُطلق لقب الصاحب على أعلام في تاريخنا الحضاري، وهي مزية يحسن بملازمي ذوي التجلة إيلاءها من الأهمية ما تستحقه، وقمين بالناشئة في الحلق والدروس أن يمنحوها من الأهمية والمكانة ما هي له أهل.

لم يتكسر أستاذنا بصوته، لم يضع الوقت في تلميع بشرة أو تزيين حاجب وعارض، لم يسرف في ملبس أو ظهر، لم يتميع كي يرضي ذا هوى. وحرص شيخنا على إطلاق السجية، والظهور بالمعقول والمقبول دون تبذل أو تزيد؛ فغدا صوته المريح جزءًا من طقوس السماع، وصارت نغمته الهادئة من أسباب السكينة والاسترواح، وطريقًا للطمأنينة والأمن؛ فالبرامج الدينية غنية المعنى، سامية المقصد، نبيلة الغاية.

لقد كانت نبرته نبرة ناصح شفيق، نبرة صادق محب، نبرة مخلص أراد الخير لنفسه وللآخرين، وإن أعظم ما يتركه المرء خلفه “علمٌ يُنتفع به”، والراحل ترك أرشيفًا ضخمًا من العلم الذي بُث عبر الأثير، وسيبقى له رصيدًا جاريًا في ميزان حسناته بإذن الله. رحل عبدالكريم المقرن حينما ترحل عن دنيانا وخلفه قدر لا يستهان به من علم وخبرة وسمت، وتبعه مشيعًا له ذكر حسن باق في الآخرين، وهو لسان صدق يستجلب الدعاء والاستغفار، وهل أحسن من الدعاء لسكان القبور رحم الله مسلمهم من لدن آدم إلى نفخة الصور.
الرياض-السبت 05 من شهرِ شعبان عام 1447
24 من شهر يناير عام 2026م