كانت الإذاعة في طفولتنا شريكة بيت، وقعيدة مجلس، وأحد مدخلات التكوين الثقافي؛ فجهازها لا يكاد أن يبتعد عن أيدي الجد والوالد ومجالسهما -رحمهما الله-. هذا هو أحد الأسباب المهمة التي ربطتني مع الإذاعة منذ الصغر، إضافة إلى أن المادة العلمية في الإذاعة أمتن وأجود من الموجود في أخواتها المطبوعة والمرئية. ومما جعل الإذاعة متميزة أن غياب الصورة، وحضور الصوت، يفتح الباب على مصراعيه أمام الخيال، ورسم الملامح، ورفع مستوى التركيز، وذاك شأن فكري محبب، وكم في الصوت من رسائل حتى قال شاعر -وصدق-: والأذن تعشق قبل العين أحيانًا! حقًا إن للصوت سلطانًا وأي سلطان؛ فهو لم يقتحم حياتنا وإنما ذهبنا إليه بطوعنا، وشيّد العلاقة الطويلة مع الآذان بالصبر والتراكم.

وقد طرأ على بالي سؤال عابر فحواه: ما هي أشهر البرامج الإذاعية السعودية وأبعدها تأثيرًا؟ ووضعت للإجابة معايير تضبط التأثير الإذاعي، ويفضل اجتماعها أو أغلبها، مثل طول مدة بث البرنامج، وإمكانية تحويله أو تحويل بعضه إلى كتاب، وأن يكون البرنامج قابلًا للدراسة، ويمكن إعادة بثه من جديد، وله جمهور عريض داخل المملكة، وخارجها، وغني عن القول ضرورة أن تكون مادة البرنامج نافعة أو ماتعة أو هما معًا. لأجل ذلك بحثت غير متعمق جدًا، فما وجدت جوابًا يتفق مع معاييري، فتأملت وسألت –شاكرًا من أفادوني-، حتى خرجت بهذه النتيجة. هي نتيجة غير حصرية ولا حاسمة، ولم تأت عقب دراسة طويلة، ومن المؤكد وجود برامج لم أهتد إليها، وهي جديرة بان تذكر مع هذه العينة.
أول برنامج خطر على البال هو “نور على الدرب”، الذي بث، ويبث حتى الآن عبر إذاعتي القرآن الكريم ونداء الإسلام. فكرة هذا البرنامج تُعزى للشيخ صالح بن علي الناصر، الذي كان ضيف أول حلقة منه عام (1396= 1976م). استضاف هذا البرنامج كبار علماء المملكة، وعلى رأسهم المشايخ ابن حميد وابن باز وابن عثيمين وابن غديان وابن غصون وآل الشيخ واللحيدان والفوزان وغيرهم. حظي هذا النور بمتابعة مستمرة، وتواصل دائم من المستمعين والسائلين داخل المملكة وخارجها، وطبعت فتاوى بعض علمائه في مجلدات، وبعضها في الطريق. وينتسب لهذا البرنامج -ولغيره مما سيأتي- مذيعون ومخرجون وفنيون وإداريون ومساندون، وعسى المولى أن يشملهم جميعًا -ومن سيحمل الراية بعدهم- بالأجر والرحمة؛ فما أعظم العلم، وأسمى السعي في نشره؛ إذ أتاح برنامجنا زادًا علميًا وفقهيًا لعامة المسلمين.


ومن ابتكارات إذاعة القرآن الكريم برنامج آخر عنوانه: “سؤال على الهاتف”، ويتيح للمستفتي سماع الجواب من فوره، وكان الشيخ بكر أبو زيد يرى ألّا يظهر في هذا البرنامج المباشر أكابر العلماء خشية أن يُفهم الجواب منهم على غير الوجه المراد؛ فتطير بالفهم المغلوط الركبان، وهذا الرأي من وعيه العميق وبصيرته النافذة. وربما أن التكامل بين البرنامجين مطلوب في طبيعة الضيوف والأسئلة والاستعداد، وتهيئة صف ثانٍ للبرنامج الأقدم، علمًا أن هذه البرامج الإفتائية تستخدم عدة وسائل حديثة للتواصل مع الناس، واستقبال أسئلتهم.

البرنامج الثاني -والترتيب هنا غير مقصود- هو برنامج بديع جدًا، عنوانه: “شواهد من القرآن الكريم”، الذي قدمه من إذاعة البرنامج الثاني العالم الموسوعي أبو تراب الظاهري، وبث في اليوم الواحد مرتين، واستمر لعقدين وأكثر، وقد طبعه النادي الأدبي بجدة في مجلدين، الأول عام (1404-1983م)، ويقع في أكثر من (700) صفحة استغرق بجملته شرح مسائل نافع بن الأزرق لابن عباس -رضي الله عنه-، أما الثاني فصدر سنة (1409=1989م)، وهو في أزيد من (600) صفحة، ولست أعلم إن بقي منه شيء إذ وصلت أجزاؤه المطبوعة إلى ستة. لأبي تراب كتب كثيرة في فنون عديدة، وهو سليل بيت علم وفضل، وله عناية فائقة بالمكتبات والكتب والمخطوطات، وبالعلم وطلبه وتعليمه. اختص هذا البرنامج بإيضاح الشواهد اللغوية لآي الذكر الحكيم، وما أجلّ كتاب ربنا، وأجلّ العلوم المرتبطة به.

ثم أجدني متوجهًا نحو برنامج أدبي ذائع الصيت، قدمه لإذاعة البرنامج الأول الأديب والمؤرخ الشيخ عبدالله بن محمد بن خميس، وهو أول -أو من أوائل- البرامج الإذاعية التي أعدها وقدمها مثقفون سعوديون، فهو إمام في توطين الثقافة والأدب. بدأ بث هذا البرنامج عام (1403=1983م) تحت عنوان: “من القائل؟”، وكان يستقبل الأسئلة من المستمعين، ويجيبهم بنسبة أشعار وأمثال وحكم إلى قائليها، ثمّ تطور إلى إجراء نوع من المسابقات بين جمهور البرنامج يديرها الشيخ ابن خميس، مما أحدث حراكًا ثقافيًا، وفيما بعد طبع أديبنا مادة برنامجه في كتاب من عدة أجزاء تحمل العنوان نفسه. موعد هذا البرنامج الأسبوعي مساء الثلاثاء، ثم يعاد عرضه ظهر الجمعة، وقد تعقب الباحث الأديب إبراهيم بن سعد الحقيل المؤلف في كتاب مطبوع، وهذا شأن متعارف عليه بين أهل العلم والفضل دونما نكير، أو بخس لمنزلة.

وإن أتجاوز فلست بتارك برنامج “المسلمون في العالم: مشاهد ورحلات”، الذي استضاف فيه د.محمد المشوح الفقيه الأديب الرحالة الشيخ محمد العبودي، وكان يعرض مساء كل ثلاثاء، ويعاد ظهر الجمعة، وأذيعت أول حلقة منه في اليوم التاسع عشر من شهر رجب عام (1419)، الذي يوافقه الثامن من شهر نوفمبر عام 1998م، وآخر حلقة منه كانت في الرابع عشر من شهر شعبان عام (1440)، الذي يوافقه اليوم التاسع عشر من شهر أبريل عام (2019م). امتاز هذا البرنامج بحضور ذهن الشيخ، وتدفق معلوماته، وجمال وصفه، ونغمة صوته الآسرة، إضافة إلى فهم المقدم لطريقة الشيخ، وترك حرية الاسترسال له. من نافلة القول الإشارة إلى أن الشيخ أصدر كتبًا كثيرة عن رحلاته التي بهرت المستمعين من عامة الناس وخاصتهم، وأن هذا البرنامج بالذات تحول إلى مادة مرئية، وطلبته أو طلبت تسجيل مثله عدة إذاعات خليجية.

كذلك من البرامج المهمة التي انسابت إلى داخل البيوت، وعند الأسر، برنامج “بيوت مطمئنة”، وهو برنامج أسري تربوي، ناقش فيه المحامي د.عادل العبدالجبار عددًا غير قليل من الموضوعات المهمة، واستضاف لها مستشارين ذوي تخصص في علوم التربية والنفس والاجتماع. مثل هذه البرامج ضرورية، ومسيس الحاجة لها يزداد، بخاصة مع التحولات الاجتماعية على صعد التصور والتطبيق، وليت أن الإذاعة تفكر في إعادة بعثه وبثه أو تطويره، فمع وجود برامج أخرى، إلّا أن الشعبية اللافتة كانت من نصيب هذا البرنامج الذي أذيع عصر الثلاثاء، وكرر مساء الخميس، ولعل القارئ العزيز قد لاحظ معي أن يوم الثلاثاء خُصَّ بعدد من البرامج المذكورة هنا.

آخر برنامج هو برنامج “بك أصبحنا أو اللهم بك أصحنا”، الذي ابتدأه المذيعان عبدالرحمن الشايع وأحمد الشدي قبل أقل من عقدين، واستقبل الناس أول حلقة منه صباح يوم الاثنين غرة المحرم عام 1430 الذي يوافقه التاسع والعشرون من شهر ديسمبر عام 2008م. وقد رافق هذا البرنامج الناس في مشوار الصباح من الأحد حتى الخميس، لمدة ساعتين تبدأ منذ السادسة والنصف صباحًا، علمًا أن مدته كانت أول الأمر أقل من ساعة، ثم زادت مع الإقبال الشديد عليه. هو برنامج منوع، ويتشارك الجمهور في التفاعل معه، وفيه استضافات وأخبار فوائد وطرف، ولا ريب أن استفتاح اليوم بمثله مما يبهج النفس، ويزيد من الحيوية. وقد سمعت أن هذا البرنامج توقف مدة قصيرة؛ فتوالت المطالبات بعودته وهو ماكان، وعلمت أنه درس في رسالة ماجستير.

ألا ما أجمل الإذاعة، وما أرقى برامجها المسموعة التي تؤنس الراكب والراجل والجالس. ما أجمل الإذاعة وهي تزيد فيمن يستمع إليها العلم والأدب والإيمان، وتعرفه بما ينفعه في أمر دينه ودنياه. ما أجمل الإذاعة وقد تحول عدد من برامجها إلى كتب مطبوعة متداولة، وهو ما سوف أتناوله لاحقًا بعون الله. ما أجمل الإذاعة وفيها علوم الشريعة، والتاريخ، واللغة، والأدب، والإمتاع السامي، حتى غدت مثل الجامعة ذات الفروع والأنشطة والحيوية الباذخة. ما أجمل الإذاعة وقد صنعت لنا أصوات أهلها صداقة معهم، ومحبة لهم مع الدعاء، حتى بلا معرفة شخصية سابقة أو لاحقة.
ليس تكرارًا مجردًا؛ فما أجمل الإذاعة وهي تبذر وتغرس، ثم يطول عمر العطاء الزكي منها والثمر اليانع. ما أجمل الإذاعة، وما أكملها، وهي تستمر منافسة وسابقة -أو سباقة- حتى مع وجود غيرها من الوسائل الأخرى الأكثر إغراء، بيد أن الإذاعة تبقى مؤثرة جاذبة حتى هذه الساعة! ولعل سر بقاء الإذاعة أنها لم تزاحم الناس في أبصارهم المشتتة، إنما جاورتهم في أسماعهم المصغية، وما جاور السمع طال مقامه لمن كان له قلب!
الرياض- ليلة السبت 05 من شهرِ شعبان عام 1447
24 من شهر يناير عام 2026م
18 Comments
مبدع كعادتكم دكتور.
ما شاء الله، مقال ماتع.
انضافت لحياة سنة جديدة، وهي قراءة مقالات هذه المنصة عقد صلاة الفجر.
فاللهم أدمها نعمة واحفظها من الزوال.
حياكم الله د.أمينة ونفع بكم
ما شاء الله استذكار نفيس، وتتبع رائع!
أفدتني كثيرًا أفادك الله.
لكم التحية أديبنا العزيز
أحسنت بارك الله فيك
توثيق جميل وسرد ممتع
لكم التحية أبا زياد
قرأته كاملا
جميل ودافئ وسلس
شكرا لقلمك الوفي
شكرا لكم أخي سلطان
برنامج نور على الدرب له أثر كبير في قلوب المسلمين فوالله لقد وجدت كبارا في السن يتابعونه في القرى الليبية الجبلية العالية التي تبلغ 980 مترا على مستوى سطح البحر نسأل الله أن يغفر لمن أسس وساهم في هذا البرنامج
الحمدلله والله ينفع ويبارك
شكرا على هذه الاضاءة الجميلة على ماض جميل(!). حتى الآن كان اعتقادي ان الاذاعة ان لم تكن ماتت فقد فقدت جمهورها، واضح انني لست مصيبا!
شكرا لكم د.إبراهيم ويبدو أن الإذاعة تتجدد
الاخ الكريم احمد فكرة المقال رائعة وكذلك العنوان وكذلك المحتوي
ما شاء الله موفق دوم
شكرا لكم معالي الدكتور.
لا يصح لهذه المقالة أن تُمرّ مرور العابرين، ولا أن تُقرأ بعينٍ مجرّدة تظن أنها محصورة في أثر جهازٍ اسمه المذياع؛ فهي أعمق غورًا، وأبعد أفقًا، كمرآةٍ تعكس ما وراء الصوت من معنى، وما وراء الأثر من دلالة.
الموضوع عميق ودقيق والتفاته واعية منك رسمت ملامح تستحق الدراسة.
وماكان كان لي أن أقف أمام نصٍّ بهذا الاتساع الأخّاذ صامتًا، أو أن أغضّ الطرف عن التعليق، وإن كنت قد آليت على نفسي – “احتجابًا حتى عن الكتابة” – ؛ غير أنّ كاتبنا، بسرده الذي يُحسن مداواة الفكرة ويوقظها، يملك تلك القدرة العجيبة على -“انتزاع القارئ من صمته”- ، وكأن كلماته نداءٌ خفيّ لا يُردّ، يُرغم القلب قبل القلم على التعقيب.
لا تصل الأصوات إلى آذاننا دون أن تغيرنا بطريقة أو بأخرى؛ لإن النبرة تشكل حالاتنا المزاجية، وربما نتعرض لصدمة عنيفة تنهزم فيها أرواحنا بسبب حديث صوّتي، النبرة لها أثر عظيم؛ فقد تكسر الروح قسوة لفظ او نبرة غير معهودة، وتخلق في النفس معارك داخلية لا مبرر لها. افتقاد الدفء في أسلوب المخاطبة من قبل شخص عزيز يوقع في القلب حزناً بالغاً.
عندما يغيب الصوت الحنّون المعتاد في حديث من نحب، نشعر بوخزة من الحزن والألم.
وهذا يؤكد لنا تأثير الصوت في تشكيل انفعالاتنا فقد كان لصوت الإذاعة، ولتلك الأجهزة التي تنتزع الدمدمة الخافتة من أثير الصمت، مسٌّ من السحر لا يخطئه الوجدان. مع العلم أني لم أُعاصر الإذاعة في ألقها الذي تحدّثت عنه كاتبنا، ولم ترتبط ذاكرتي الطفولية بطقوس الإصغاء إلى المذياع، غير أنّي أدرك تمام الإدراك أنّ ثمّة لحظة آسرة عاشت فيها الأمة بكاملها على مدى السمع؛ لحظة التحمت فيها الأصوات بالوعي الجمعي، وأسهمت في تشكيل الثقافة وتكوين الرأي، بوصفها أحد منابع المعرفة المؤثرة.
ولعلّ في هذا السياق ما تؤكده دراسة صدرت عام 1953 عن أثر الراديو في المجتمع الأمريكي، إذ تشير إلى أنّه حين يُصغي مليون شخص أو أكثر إلى البرامج ذاتها، ويتلقّون الخطاب نفسه، وتتقاطع اهتماماتهم في اللحظة عينها، وتتوحّد المحفزات التي تستثيرهم، فإن الحقيقة النفسية تفيد بتقارب أذواقهم، وتشابه أفكارهم، واشتراكهم في منظومة اهتمام واحدة؛ فقد كانت طبيعة الراديو كفيلة بأن تدفع الناس إلى التفكير والشعور معًا.
كاتبنا العزيز: تعليقكم الجميل له صوت مثل صوت الإذاعة التي نسمعها ولا نراها لكنها تصنع معنا علاقة دافئة
ياااااه
مقالة لطيفة جداً، أعادتنا إلى الزمن الجميل..
سلمت أناملكم وبوركتم
شكرا لكم أستاذ مروان، والأزمان الجميلة لا تنسى.