سير وأعلام

عبدالعزيز العبدالله الجميح والنيات الرابحة

اختصار سيرة بعض الرجال في أعمالهم المعروفة فقط صنيع عسير غير سلس، لأن أعمالهم امتدادٍ طبيعي لما طويت عليهم صدورهم من صالح النيات الخفية -وليس النوايا كما يقال-، ولما جبلوا عليه من مكارم، حتى أصبح حضورهم حيًا في القلوب والذاكرة المروية قبل أن يُدوَّن في السطور. لقد عاشوا مع الناس وبينهم بلا ادعاء ودون ضجيج؛ ولذلك صاروا أثرًا بارزًا لا يمحى، وقدوة لا تنقطع، ويعاد بعث مآثرها بين آونة وأخرى؛ حتى كأن سيرته الطيبة لا مرقد لها، وإنما تدور بين الأحياء، وتنتقل في المجالس والكتب.

من هؤلاء الشيخ الوجيه المحسن عبدالعزيز بن عبدالله بن عبدالعزيز بن إبراهيم بن محمد الجميح (1323-1376=1905-1957م)، الذي نشأ في بيت عريق من بيوت شقراء. نشأ في بيت له إمارة، وتاريخ من التجارة، وعهد متوارث من الخير وصنائع المعروف للقريب والبعيد. لم يكن بيت آل الجميح بيت مالٍ وصفق بالأسواق فقط، وإنما بيت يكتنز المحامد من أطرافها، فتُدار فيه التجارة ببصيرة العقل، وتدار فيه أعمال البر برأفة القلب، وتدار فيه الضيافة ببشاشة المحيا وإقبال النفس.

وقد درج الشيخ في بيت اكتسب منه هذه الفضائل من جانب والده وريث مآثر الأسرة ومحاسنها ومورثها، ومن ناحية والدته نورة بنت علي بن محمد الصبي، وهي المرأة المشتهرة بطول اليد في الخير، وطول الصلاة والقيام والقنوت، وطول الإلف مع كفنها الذي تضعه أمامها كي لا تنسى المآل المحتوم؛ فتصبر على العمل له. وقد كان الشيخ عبدالعزيز برًا بوالده، وحمل من بعده لواء المسؤولية الأسرية والتجارية والمجتمعية، وكان برًا بوالدته فلا يسافر إلّا بعد رضاها، ويخفض لها جناح الذل من الرحمة، ويبالغ في إكرام من يفد عليها من القرابة والجيران وذوي الحاجات.

وللشيخ عبدالعزيز تجارب مبكرة في الحصول على قدر متاح من التعليم في تلك الأيام، وله مشاركات في التجارة مع والده، ثم اشترك معه شقيقه الأصغر الشيخ محمد، ولأجل ذلك تقاسما العمل نوعًا ومكانًا، وسافرا داخل البلاد وخارجها بحثًا عن اغتنام الفرص الجديدة على السوق المحلي في مجالات النقل والغذاء وغيرها من الواردات الحديثة، كما اجتهد الشيخان في إبرام صفقات محلية مباركة، منها توريد الأرزاق للقصور الملكية والأميرية، وللضيافة الحكومية. كان هذا الثنائي واحدًا من الأمثلة الجميلة على قوة عرى الأخوة، وصدق معانيها.

كذلك حرص الشيخ عبدالعزيز على ألا تبقى التجارة شأنًا خاصًا به وبجيله؛ فأشرك أبناءه الثلاثة فيها مبكرا، لا ليورثهم المال، بل ليورثهم فهم المال، ومسؤوليته، وأخلاقه، وطرق اكتسابه وتثميره في الدارين. وقد عاش الأبناء معه تحت سمعه وبصره، في البيت، والمجلس، وحال السفر، وفي الأسواق، حتى صارت التجارة عندهم ممارسة أساسية في شخصياتهم لا مجرد مهنة. وعقب رحيل الشيخ الباكر أكمل الأبناء المسيرة مع عمهم وشقيق والدهم الشيخ محمد، وصار الشيخ محمد العبدالعزيز، وشقيقاه الشيخ عبدالرحمن، والشيخ حمد، من أعمدة العمل التجاري والخيري للأسرة، رحم الله من مضى منهم، وأحسن الختام لمن بقي.

كما اجتهد أبو محمد حتى تستمر مجالس الأسرة مفتوحة للزوار والضيوف في شقراء والرياض، فهي مستراح للعابر، ومأوى للجائع، ومزار للمستفيد. وكان للفقراء نصيبٌ خاص من عنايته، لا سيما في مواسم رمضان والعيدين، التي يبادر فيها لإغناء المساكين والفقراء بالمال، والطعام، والملابس، حتى يعيشوا البهجة مع غيرهم، ولا تحول دون فرحتهم أحوالهم المالية الخانقة. إن هذا المعنى من إغاثة القلوب والبيوت والمشاعر، وترميم الكرامة الآدمية، يتجاوز العطاء المادي مع قيمته العالية. إن هذا المعنى من ترسيخ الوداد المجتمعي، وتحقيق تآلف أهل المكان الواحد، أبعد من نفع أفراد من ذوي الحاجة والعوز، على عظمة هذا الفعل والأجر المرتجى منه.

وللشيخ مشاركات خيرية ومجتمعية مشهورة مع شقيقه وشريكه الشيخ محمد، فقد أوصلا الماء العذب إلى مدينتهم شقراء قبل أن تتاح هذه الخدمة في مدن أكبر، وإن أعمال آل الجميح لشقراء -خاصة- لجديرة بالدرس. ومن مآثرهم إطعام الطعام، وتفطير الصائمين في رمضان، ومع فضيلة الإطعام أيام الجوع، إلّا أن الشيخ يصر على أن يأكل مع ضيوفه دون تمييز، وجلهم من ضعفة الناس. وقد شهد له من عاصروه ووقفوا إلى جواره، بأن محياه يزداد إشراقًا، وبسمته الصادقة تتسع، كلما زاد عدد الضيوف، وأقبلوا على الموائد؛ فلكأنهم عنده أهل الفضل عليه بالحضور والأكل. ومن جليل أعمالهم بناء المكتبة العامة في شقراء، وترميم الجامع الكبير بالمجمعة، وهذه إشارة تدل على تعدد سبل المعروف عندهما، وشمولها لنشر العلم، وتسهيل العبادة.

أما أحد أجلّ أعمال الشيخ عبدالعزيز، فهو كتابة وصيته في التاسع والعشرين من شهر الله المحرم عام (1360=1941م)، وعمره حينذاك في أوائل الأربعينات، أي قبل وفاته بستة عشر عامًا. هي وصية سطرها وهو في سن الأشد والقوة، وفي مرحلة البناء والأمل، وفي وضع يوجِد لدى غيره الشح والضنانة، لكنه بادر بنية مخلصة صادقة -نحسبه-، وتعبّد بهذا الفعل الذي تعاظت آثاره بوقفه الناجز الكبير. إن هذا الوصية المبكرة تمثل امتدادًا لسيرة آل الجميع مع التعبد بالصدقة والإحسان، والله يضاعف للشيخ أجر النية وأجر العمل؛ فهذا من الخير الباقي بعد أن انتقل للبرزخ، ولم يعد قادرًا على الصلاة والصيام ولزوم المساجد والتلاوة كما صنع في حياته.

ومما يتجلى في سيرة الشيخ علاقته القوية بولاة الأمر والعلماء والوزراء والتجار. من ذلك أنه يزور الملوك في أيام الاستقبال، ولوجاهته دعاه الملك عبدالعزيز مع شقيقه لحضور حفلة افتتاح قصر المربع عام (1357=1938م)، وكان للملك المؤسس مكانة خاصة في قلوب رجال ذلكم الزمن؛ ولهذا عندما بلغ خبر وفاته للشيخ الجميح وهو يصطاف في لبنان غمر الحزن قلبه، فذهب للمطار من فوره، وركب في طائرة متجهة للرياض للمشاركة في الصلاة والتشييع، ومبايعة الملك سعود. كما اعتاد أبو محمد على زيارة مفتي الديار السعودية الشيخ محمد بن إبراهيم في مجلسه يوم الجمعة، وكان صلاته طيبة مع الوزير الأول ابن سليمان ومع غيره من المسؤولين، ومع تجار السعودية والخليج.

لم تكن حياة الشيخ عبدالعزيز قاصرة على الجدية فقط، فله مع اللهو المباح شأن معتدل، ومن ذلك حبه الشديد للخروج إلى البر، والتخييم مدة ليست قصيرة، إضافة إلى ممارسة الصيد والقنص. وفي البر يصطحب الشيخ معه عددًا من الأصدقاء والأقارب؛ لأن متعة الحياة عنده لا تكتمل إلا بالمشاركة، ويجعل النزهة فرصة للسمر والاستفادة وتجديد النشاط نحو العمل والضرب في الأرض. تلك الرحلات تبرز تعلق الشيخ ببلاده وصحرائها وأجوائها، وأنها لديه لا تدانى ولا تجارى، ولهذا كفته عن كثرة التنقل في البلدان الأخرى.

وعلى الصعيد الشخصي الخاص، تزوج الشيخ سليلة بيت علم وفضل ودين، هي هيلة بنت الشيخ العالم القاضي إبراهيم بن عبداللطيف العبداللطيف، وفي هذا الانتقاء “الإستراتيجي” وعيٌ بعيد المدى من الشيخ خلاصته أن البيت الذي يُبنى على العلم أصلح للبقاء النافع المبارك. وقد أنجب من هذا الاقتران الميمون ستة أولاد، هم أبناؤه: محمد، وعبدالرحمن، وحمد، وبناته: حصة، ونورة، ودلال. وقد اجتهد الشيخ في تعليمهم، حتى أن المطوعة تدرّس البنات في البيت، والأبناء يتعلمون في الكتاتيب، ثم التحق نجله الأصغر حمد بأول مدرسة حكومية افتُتحت في شقراء. وحتى تكون التربية نظرية وعملية، اصطحبهم معه في رحلاته البرية، وأطلق على بناته ألقابًا لطيفة ربطها بالبر، ودفع ببنيه للسوق بشقراء والرياض كي لا يجدوا من الفراغ ما يشتت همتهم.

ثم حين شاء الله قبض عبده إليه، توفي في رحلة قنص في صحراء “المستوي” القريبة من شقراء، بحادث وقع عليه في السيارة التي كان يركبها في رحلة برية عرف بحبها، وكان ذلك في شهر شعبان عام 1376. وما أن علم الملك سعود بهذا الخبر المؤلم، حتى أرسل طائرة كي تنقل الشيخ للعلاج الإسعافي العاجل في الرياض، ووصلت الطائرة في ليلة مظلمة مغبرة، حتى أن الناس خرجوا يحملون المشاعل والأتاريك حتى يرى قائد الطائرة الأرض ويهبط بسرعة من أجل إنقاذ الرجل الذي غرس محبته في قلوب أهل بلدته، كما غرسها في كل شبر منها. لكن إرادة الله غالبة، وقضاؤه ماض، فما لبث الشيخ أن غادر الدنيا إلى جوار مولاه، تشيعه الدعوات، وتحيى مآثره جميل الذكريات، وجليل المناقب، وعسى أن تعظم في صحائفه عند الله صادق النيات.

إن سيرة الشيخ عبدالعزيز الجميح أكبر من استذكار خبر رجل قد رحل، هي نموذج للتاجر المسلم؛ الذي يجمع بين مهارة الضرب في الأرض وهيبة الاستعداد للقاء الله. هي مثال على المواطن الصالح الذي خدم بلاده ومجتمعه وأناسه قدر وسعه بعمله وجاهه وإحسانه. هي قصة تثبت أن الأثر الحقيقي أعظم مما نتركه خلفنا من أشياء مادية، وإنما في المعاني التي نلوذ بها، والقدوة التي نستقي منها، والحنان الذي نستظل بفيئه من هجير الغلظة والقسوة والجفاء، وقد كان شيخنا الراحل معنى ساميًا، وقدوة حسنة، وحنانًا إليه يأوى.

ahmalassaf@

الرياض- ليلة الثلاثاء 24 من شهرِ رجب عام 1447

13 من شهر يناير عام 2026م

Please follow and like us:

2 Comments

    1. شكرا لكم أخي عبدالعزيز، وما تفضلتم به هو الصحيح؛ ولذا صححت الخطأ الذي كتبته. لكم الشكر والدعاء على التنبيه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

X (Twitter)