سير وأعلام مواسم ومجتمع

رحلة العقيلات وأهل الزبير

الارتحال ليس حدثًا عارضًا في تاريخ المجتمعات، إذ إنه في بعض الأحيان أشبه ما يكون بفعل تأسيسي، لا مناص منه، تُعاد به صياغة الإنسان والمكان معًا، وتتفاعل به الثقافات والمفاهيم؛ فالهجرة لا تنقل الأجساد فحسب، بل تعيد ترتيب المبادئ والأولويات، تعيد تعريف الانتماء، تعيد بناء النظرة والرأي، وتُنشئ علاقة بين الفرد والجماعة الجديدة، وتحدث روابطه ببيئته القديمة. في الرحلات يُعاد إنتاج الهوية في فضاء مختلف، لا بوصفها ذكرى، بل بوصفها ممارسة يومية، تعبر عن تاريخ وإرث، وتقيس القدرة على العيش دون اعتزال تام، وبلا اختفاء.

ولا يكاد يخلو مجتمع -قديمًا أو حديثًا- من رحلةٍ قام بها بعض أفراده أو جماعاته. كانت تلك الرحلات اختيارية مدفوعة بالأمل، أو اضطرارية فرضها القحط، أو السياسة، أو ضيق العيش، أو الثأر، وصارت الرحلة في بعضها الخيار الأنسب، أو القرار الأوحد الذي لا مفر منه. من هذه الرحلات تكونت مجتمعات جديدة: بعضها ذاب في محيطه الجديد حتى انقطعت صلاته الأولى، ومنها ما قاوم الذوبان، وصارع من أجل أن يبقى قريبًا من السمت الذي حمله الأوائل معهم في رحلتهم المبكرة. وفي الناس من خرج ولم يعد، ومنهم من بقي معلّقًا بالمكان الذي خلّفه وراءه، فيلتفت إليه القلب بين فينة وأخرى، وإن استقرت الأجساد في غيره.

وفي تاريخ الجزيرة العربية ونجد، ولا سيما في القرون المتأخرة، تتبدّى الرحلة متجاوزة كونها حركة بلدانية، إلى مسيرة اجتماعية مركّبة من عدة طبائع وسمات. من هذه الرحلات: رحلات العقيلات إلى الشام والعراق ومصر وأمريكا، وقد استقروا مددًا طويلة، واتخذوا أمكنة معروفة لهم في تلك البلاد، ورحلات أهل الزبير إلى جنوب العراق الذي أقاموا فيه حاضرة نجدية الهوى والخصائص، ومثلهما رحلات بعض أهل العارض والزلفي وعنيزة إلى الأحساء والبحرين والكويت. لم تكن تلك الرحلات مجرد انتقالات تجارية أو معيشية، بل أنماطًا مختلفة من معالجة أوضاع وصناعة أخرى.

لقد كان البعيد من هذه الرحلات -على وجه الخصوص- اختبارًا لثبات المعنى في النفوس، اختبارًا لنجاح التربية، قبل أن يكون اختبارًا للمسافة وطول العهد، فالمسافة في الاجتماع الإنساني لا تقاس بالجغرافيا فقط، بل هي مسافة في المبادئ، مسافة أعراف، مسافة في طرائق التفكير والنظر إلى العالم؛ وكلما اتسعت هذه المسافات، ازداد الضغط على الهوية، واشتد امتحان الثبات في واقع جديد.

العقيلات -وأكثرهم من القصيم- تفرّقوا في بلدان شتى، وتعددت وجهاتهم، فصاروا أمة ارتحال واسعة الأفق، شجاعة في خوض المجهول، صبورة على البحث عن الأسواق والبضائع، ومدافِعة للقدر حين يشتد، ومعالِجة للحاجة حين تضيق الدروب. أما أهل الزبير -وجلّهم من إقليم سدير- فقد اختاروا التكتل في موضع واحد، فأنشأوا مجتمعًا متداخلًا مع جواره ومحيطه، لكنه غير ذائب فيه، واستمر يحفظ  أسس لهجته، وسمته، ونظامه الاجتماعي، كأنه ينفي بذلك الغربة عن أبنائه قبل أن ينفيها عن أرضه؛ ولذلك حرص ملوك السعودية وأمرائها على تخصيص جزء من برنامج أي زيارة رسمية للعراق من أجل مقابلة أهل الزبير والعقيلات، وحضور احتفالاتهم، والمشاركة معهم في العرضة. لقد امتزج أهل الزبير مع جوارهم العراقي وفق رؤية النجدي، وضمن أطره، ففرض ما يريد، ونأى عمّا سواه.

وتتعدد دوافع الرحلة، ويمكن جمعها في الارتحال طلبًا للأمن أو الرزق واكتشاف بلدان أخرى، غير أن الرحلة، أيًّا كان باعثها، تفرض أثمانها على منشئها: مشقة السفر، ومرارة الفراق، وتقاسم المهام داخل الأسرة والمجتمع، حيث يبقى بعضهم ملتصقًا بالجذور والمنابت، ويمضي بعضهم الآخر ضاربًا في آفاق الأرض، في رحلة شاقة مضنية، ومن هنا تكونت صلابة جدّية، لا ترف فيها، ولا تميع؛ مع انفتاح محسوب لا يفقد صاحبه ذاته، ولا يفرّط بسببه في المبادئ والثوابت.

ومما يلفت النظر في هذه الرحلات أن أصحابها كانوا، من غير تعمّد أو تصنّع، خير سفراء لأوطانهم، وهو عمل جليل شاركت به هذه الجماعات قبل أن تُعرف الدبلوماسية الحديثة، وقبل أن تُنشأ السفارات، حين كان الإنسان نفسه هو الوثيقة، والتعامل هو جواز العبور. فقد حمل المرتحلون معهم السمت النجدي، في الكرم، والأنفة، والصبر، والشجاعة، وحسن المعاملة، والأمانة، فغدوا ممثلين ومعتمدين، يستشارون بناء على خبرتهم، ويُعتدّ برأيهم، ويُستعان بهم في التجارة، والسياسة، وتكوين العلاقات، وإيصال الرسائل، والترجمة، والكتابة، والحساب، والإدارة المالية.

لذلك أصبح لهم تأثير اقتصادي وسياسي وثقافي وعلمي غير محدود، بل ولهم -أحيانًا- مشاركة في المقاومة المشروعة ونصرة البلاد التي وقف أهلها في وجه المحتلين. كما أسهموا في بناء شبكات تجارة واسعة، وتبادل للكتب والرسائل، ونقل للمعرفة، وربطٍ لبلادهم مع أنحاء من العالم العربي والإسلامي، ولم تخل من مصاهرات وتمازج. ولم تنقطع صلاتهم بالوطن الأم؛ فبقاء العلاقة، والعودة بعد زمن من الاستقرار، أو الرجوع المؤقت لأسباب دينية أو اجتماعية، كان جزءًا من بنية الرحلة نفسها، فهي رحلة تحمل هاجس العودة، ولا تستهدف الانقطاع التام.

من الفروق اللافتة بين رحلتي الفريقين، أن العقيلات، بتفرقهم، صنعوا حضورًا واسعًا لكنه أقل تكتلًا، فكان أثر الرحلة فيهم أوضح بالزواج والتداخل مع المجتمعات الأخرى، بينما حافظ أهل الزبير على تماسك اجتماعي أعلى، مكّنهم من إنشاء كيان يُشبه الوطن المصغّر، ثم إدامة الحركة منه وإليه في الغالب. ويكشف هذا التباين بين النموذجين عن نمطين مختلفين في إدارة الغربة: غربة تعتمد على الفرد وشبكته المتنقلة، وغربة تقوم على الجماعة وتماسكها الداخلي. كلا النموذجين كان استجابة ذكية لما يقتضيه الحال والمكان والغاية ومدة البقاء، ويمكن القول إن العقيلات مثّلوا نموذج الاندماج الشبكي، إذ تُدار الغربة عبر الأفراد وعلاقاتهم، بينما مثّل أهل الزبير نموذج الاندماج الجماعي المنضبط، الذي تُدار الغربة فيه عبر الجماعة ومؤسساتها، كلا النموذجين أنتج رأس مال اجتماعي مختلفًا، لكنه فعّال في سياقه.

ومع ذلك، فإن الجميع خدموا أسرهم ومجتمعاتهم والدولة السعودية وحكامها في مراحلها كافة خاصة الثالثة منها، واستُعين بهم في شؤون شتى، فكانوا خير سند قوي أمين لها، بما امتلكوه من علاقات، وخبرة بالعالم، وقدرة على التوسط بين الداخل والخارج، وعلوم ومعارف، وتجارب من السفر والتجارة، وتوسع في إجادة اللغات، مع ثبات الهوية، وحرص راسخ على المصلحة الوطنية.

أما إذا نظرنا بعين معاصرة، فسنجد أن “الابتعاث” الحديث ليس إلا صورة جديدة -تقريبًا- من تلك الرحلات القديمة، وإن اختلفت الوسائل والأحوال والدوافع، فالمشترك واحد: الخروج إلى العالم، والتعرض للاختبار، والتعلم من الآخر دون الذوبان فيه، ثم العودة -جسدًا أو أثرًا- لإغناء المجتمع الأصلي وخدمته، غير أن الفارق الجوهري يكمن في أن الرحلات القديمة كانت بلا مظلة مؤسسية، بينما يتحرك المبتعث اليوم داخل إطار دولة، وسياسات تعليم، ورؤية وطنية، وهو ما يجعل نجاح الرحلة الحديثة مرهونًا بقدرة الفرد على استحضار مسيرة الرحلات القديمة داخل شروط العصر الحاضر، فيتعلم ممن وفد عليهم، وممن سبقه من بني قومه،  كيف يتفاعل دون أن تختفي معالمه، وكيف يكون ولاؤه أعمق وأجدى.

لقد كانت تلك الرحلات شجاعة في حقيقتها، جريئة في تفاصيلها، مقاومة للقَدَر بالقَدَر نفسه دون استسلام أو تقاعس، فاتحة الطريق لما جاء بعدها من أعمال اقتصادية وسياسية وعلمية واجتماعية، ولمن أتي عقبهم من الباحثين عن فرص للنجاة  كانت تلك الرحلات تأكيد على جدية إنسان هذه الأرض، ومضائه، وعلى صلابة مبادئه، وعمق جذوره، وعراقته التي لازمته. إنها لرحلات جديرة بأن يفتخر بها الأحفاد، وأن تدرس بما يلهم الأجيال وفق مقتضيات الزمن المعاصر.

وسيبقى السؤال العلمي قائمًا بعد الفراغ من الإجابة عن أسئلة مهمة مثل: متى بدأت هذه الرحلات تحديدًا؟ ومتى انتهت؟ وكيف يمكن ترتيبها تاريخيًا وسياسيًا؟ وهو سؤال يقودنا إلى مباحث أعمق. لقد كُتبت قصص كثيرة، ورويت حكايات مشرفة، وألّفت كتب موفقة، لكن دراسة الظاهرة كلها بوصفها بناءً اجتماعيًا متكاملًا لا تزال -فيما يبدو- تحتاج إلى مزيد من الدرس الذي تتشابك فيه علوم كثيرة، وتبتغى فيه الحقيقة التي تسندها البراهين وطبائع المجتمعات، ومثله دراسة أجيال الرحلات، وما هي توافقاتها، وفي ماذا تختلف؟ وماذا كان أثرها على مجتمعها الأول والثاني، والعكس؟ 

ومع ذلك، فإن ما لا يحتاج إلى برهان هو أن الرحلة، في تاريخ نجد وأهلها، لم تكن هروبًا من الذات، بل كانت، في جوهرها، طريقة أخرى لحمايتها، وتوسيعها، واختبار قدرتها على البقاء في عالم لا يرحم إلا من عرف كيف يسافر… ثمّ متى يعود. إن المجتمعات التي لا تفهم تاريخ ارتحالها، قد تعجز عن فهم حاضرها، وتفشل في إدارة بروز أبنائها إلى العالم؛ فالتاريخ لا يُقرأ إلّا لفهم عبره التي صنعت القدرة على النجاة، والتكيّف، وصناعة الخلود في عالم يمور مورًا.

ahmalassaf@

الرياض- السبت 14  من شهرِ رجب عام 1447

03 من شهر يناير عام 2026م

Please follow and like us:

4 Comments

  1. هذا السرد التاريخي والرؤية الفكرية من كاتبنا القدير فيه متعة عميقة و لغة جزلة هادئة، ذات نفس تحليلي مميز، هذا المقال الثقافي العميق يحضر فيه الحس الفلسفي والاجتماعي في تحويل الوقائع إلى نماذج رمزية، ويمنح المفاهيم (الهوية، الغربة، الانتماء) بعدًا حيًا إنسانيًا.

    اللغة بديعة في الوصف، و رصينة في إيقاعها، كتابة واعية جدا منك عزيزنا الكاتب بثقافة المكان والتاريخ، تكتب من داخل المعرفة بالهوية لا من خارجها.

    فالارتحال بوصفه فعلًا تأسيسيًا يعيد تشكيل الإنسان والهوية والمكان، لا مجرد انتقال جغرافي. الرحلات، في جوهرها، اختبار للانتماء والثبات، تُعاد فيها صياغة الهوية باعتبارها ممارسة حيّة لا ذكرى ماضية، ويُقاس فيها البعد الحقيقي لا بالمسافة، بل بالفجوة القيمية والفكرية بين الأصل والمآل.

    كل الشكر على كتاباتك الرائعة..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

X (Twitter)