سياسة واقتصاد عرض كتاب

تاريخ ساحل عمان السياسي

قبل أكثر من عشر سنوات، عزمت على استعراض بعض الكتب التي قرأتها عن التاريخ السياسي لدول الجزيرة العربية والخليج العربي، وعن بعض الدول الأخرى المحيطة بنا، فكتبت عن الأحواز، والكويت، والعراق، وعمان، وقطر، وإيران، ثمّ توقفت، مع أن المسألة هي عرض كتب متوافرة في السوق المحلي، وأكثرها يباع في بلدانها التي تتحدث عنها، لكن السياق الزمني، ومراعاة الأحوال، مسلك كتابي مهم. ومن الطريف أن أحد المثقفين طبع مقالًا لي مما سلف، ووزعه بعد تصويره بالواتساب، وكتب على كل صفحة منه: هذا المقال كتب بتاريخ كذا وكذا، وهدفه التأكيد على أن الكتابة قديمة غير مرتبطة بحدث، وهذا احتراز يحمد له.

بناء على ذلكم الجهد السابق، أكمل اليوم الاستعراض العاجل لكتاب طال العهد به، يقع في جزءين: عنوان الأول وهو رسالة ماجستير نوقشت عام 1394=1974م في جامعة الكويت: تاريخ ساحل عمان السياسي في النصف الأول من القرن التاسع عشر، والثاني رسالة دكتوراة نوقشت عام 1399=1979م في جامعة القاهرة عنوانها: تاريخ ساحل عمان السياسي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وكلاهما من تأليف د.زهدي عبدالمجيد سمّور، وطبعت دار السلاسل بالكويت الطبعة الأولى منهما عام 1405=1985م.

يقع الكتاب الأول في (340) صفحة، ويتكون من إهداء وتقديم ومقدمة وتمهيد ثم خمسة فصول فالخاتمة والملاحق ومصادر البحث. يعرّف الفصل الأول بوحدات الخليج السياسية، ويعرج على مشكلات الحدود، وظهور إمارات الساحل، ومختصر تاريخي لقبائله كبني ياس الكرام، والقواسم الشجعان، الذين زاد نفوذهما بعد ضعف سلاطين مسقط. ويدرس الفصل الثاني الوضع السياسي في الساحل العماني (1800-1820)، والعلاقات مع السعودية، ونشاط القواسم البحري، والحملات المصرية والتركية والإنجليزية، ويكرر الفصلان الثالث والرابع ما درس في سابقهما ولكن بين عامي (1820-1834)، وبين عامي (1835-1853م)، ومن الإضافات فيهما القضاء على قبيلة بني البو علي الأبطال، ونشاط باشا مصر في المنطقة، ونشأة الحماية البريطانية على إمارات الساحل، وأخيرًا يختص خامس الفصول وآخرها بتجارة الرقيق.

أما الكتاب الثاني فيقع في (321) صفحة بدون احتساب صفحات مضافة في آخره باللغة الإنجليزية، ويتكون من إهداء ومقدمة وبابين. عنوان الباب الأول: الوضع السياسي والأحوال الداخلية (1856-1892)، وفيه خمسة فصول تبين العلاقات الخارجية للساحل، والصراع البريطاني العثماني على السيادة البحرية في المنطقة، ومشكلة العديد، ثمّ معاهدة سنة (1892) والوضع القانوني والدولي لإمارات الساحل العماني، وأخيرًا الأحوال السياسية في هذا الساحل. أما عنوان الباب الثاني فهو: الوضع السياسي والأحوال الداخلية (1893-1914)، ويحتوي على ثلاثة فصول عن العلاقات الخارجية للساحل، والأحوال الداخلية فيه، ثم مشكلة الحدود، وتأتي عقب ذلك الخاتمة والمصادر والخرائط والملاحق.

مما أذكره من قراءة الكتاب بقسميه قديمًا، جلاء المكر الإنجليزي وسعيهم الدؤوب لضمان مصالحه في المنطقة وفي البحار والهند دون أي اعتبار يذكر لحقوق أهل البلاد إلّا إن أضطر الإنجليز لشيء من اللطف المطصنع وليس سجية. هذا البلاء الإنجليزي سبق أن خصصه بالدراسة العميقة المؤرخ السوداني الراحل أ.د.عبدالعزيز عبدالغني -رحمه الله- في أكثر من كتاب استعرضت جلّها، وإن تراث صديقنا العزيز عن المنطقة لقمين بالرجوع إليه وليس بالضرورة الاتفاق معه كليًا.

كما لفت نظري أن المؤلف رجع للوثائق الأجنبية، وتلك قيمة علمية للكتاب ومادته، مع ضرورة التنبه إلى أن الوثيقة الأجنبية، مهما بلغت دقتها، تظل محكومة بزاوية كاتبها، ومصالح دولته، وأفقه الثقافي، وهو ما يستدعي قراءة مزدوجة: قراءة لما تقوله، وأخرى لما تتجاهله أو تسوغه. وقد اشتكى الباحث من قلة المراجع العربية، وهذه علّة لعلها أن تكون قد زالت الآن أو صارت أخف بعد نشاط الجامعات والمؤسسات التاريخية والباحثين ودور النشر والترجمة. إن إغناء المحتوى العلمي عن بلادنا وتاريخها وأهلها وثقافتها وحضارتها مطلب أولوي ملح كي يرجع إليه المنصفون ممن يبتغون الوصول للحقائق، وحتى يكون واحدًا من مدخلات الذكاء الاصطناعي لمن يستعين به، وعدد طالبي العون منه بازدياد!

وفي الكتاب شرح واضح للتاريخ السياسي لإمارات الساحل وقبائلها والأسر الحاكمة الكريمة فيها، مع بيان لتاريخ العلاقات مع الجوار العماني والسعودي والفارسي، والعلاقات مع البلدان الخليجية الأخرى خاصة قطر والبحرين، وهي علاقات فيها تحالف وتخالف، وحروب وتجارات، وحدود لازال بعضها شائكًا إلى يومنا، وهو ما يذكّر بأن كثيرًا من إشكالات الحاضر ليست وليدة الدولة الحديثة، بل هي امتداد مباشر لترتيبات المحتل المفسد، ومعاهدات غير متكافئة، جرى التعامل معها لاحقًا بوصفها قدرًا لا خيارًا.

فيه أيضًا دراسة للوجود الغربي البغيض جملة وتفصيلًا في المنطقة، وسياسة دوله ومقيميه، وكيف بزغت فكرة المعاهدات، وما تتضمنه، إضافة للمزاعم الإنجليزية حول القرصنة وبيع الرقيق، في وقت نهبت فيه بلادهم ثروات مناطق عدة، واختطفت سفنهم وسفن قومهم الأفارقة عنوة واستعبدتهم، لكن عين “لندن” لا ترى صنيعها هذا على أنه قرصنة وتجارة رقيق. وكل ما مضى يصب في تجلية ما يعنيه هذا الخليج من أهمية بالغة في القديم لحركة التجارة والمواصلات قديمًا، وهي أهمية استمرت معه في الحديث خاصة بعد اكتشاف النفط.

كذلك يوقف الكتاب القارئ على الصلات والتقارب والتنازع بين هذه المشيخات والإمارات وحكامها وقبائلها، بل حتى داخل الإمارة والواحدة وأسرة الحكم فيها، وإن توجه التركيز صوب أبوظبي كونها الأكبر والأهم والأكثر حراكًا بين سائر أخواتها؛ حتى قال بعض المراقبين من المنافسين تعليقًا على الاغتيالات المتوالية: دعوا بنو ياس يفني بعضهم بعضًا! تلك الأحاديث محزنة مخوفة بما ظهر وخفي فيها من دسائس ومؤامرات وسفك دماء وقتال بين أهل الدين الواحد والجوار، ويرى القارئ وقوف أطراف مجاورة على الحياد الحذر بين خصمين متناحرين في صراعهما فائدة للشيخ الذي يظهر الحياد. وهذا شأن لا يستغرب لمن نظر في التاريخ السياسي والعسكري في أي حضارة وبقعة، وليست قصرًا على أحد، والله يديم الأمن والحماية على المسلمين والمسالمين وبلادهم.

وقد ورد في الكتاب توضيح لمعنى القواسم وأنه يضم عدة قبائل، وأشير داخله لاستعصاء بعض المناطق على النفوذ السعودي حتى رضخ بعضها مضطرًا تحت سطوة جيوش يقود فوارسها السديري أو ابن مطلق. ومن حقائقه المرة أن بريطانيا لم تكن تهتم بالأسر والقبائل، ولا باستقرار تلك البلاد في مناطق برية تبعد عن البحار التي تعني الإنجليز، ويترافق مع ذلك حثيث سعيها للتقسيم والتفتيت وإذكاء الصراعات، وإسرافها في القتل والتدمير دون ذرة من عدل أو رحمة، وزاد ضغثًا على إبالة اندفاع بعض الزعماء إلى استرضاء الإنجليز بأي طريقة، وربما دون ثمن يستحق، مما منح للإنجليز مساحة أوسع للتأثير والتدخل. ومن لافت ما في الكتاب أن إمام مسقط رفض النجدة والعون من حاكم أبوظبي، وعلل ذلك بقوله مختصرًا بما معناه: ما دخلت معركة معهم فربحت، وربما عادوا على شركائهم فجأة! هذا طبعًا رأيه، وهو رأي خصم على أي حال.

إن أخطر ما في التاريخ السياسي ليس ما يرويه، بل ما يترسخ في الوعي العام على أنه حتمي، أو طبيعي، أو غير قابل للمراجعة، بينما هو في حقيقته نتاج صراع مصالح، واختلال قوة، واختيارات بشرية قابلة للنقد والتصحيح .إن التاريخ مهم للغاية، شريطة ألّا نقف أمامه موقف طالب بليد أمام أستاذ عبقري أخاذ اللفظ نافذ الفكرة، فبعض المرويات قد لا تكون دقيقة أو صحيحة، وبعضها لها تفسير يتصل بواقع أو سياق أو مكان لم يبلغنا علمه، وبالتالي فلن نحيط بتفسيره وتعليله على وجه صائب.

هذا القول لا يعني بحال إهمال التاريخ والتزاور عنه، بل هو مدخل مهم، ومرجع ضروري، لكن دون الركون التام، والتسليم المطلق له، فكم في حسن التدبير من مذهبات أو مخففات لميراث باق من الإحن والكراهية. تعلموا التاريخ وعلوم الاجتماع والبلدان والأنساب والشعوب دون تقديس لمضمونها، أو اكتفاء بما فيها، وتعلموا منها ومن غيرها؛ كي لا يستفرد التاريخ -على جلالة قدره- بتوجيه الوعي والمصير.

ahmalassaf@

الرياض- الخميس 12 من شهرِ رجب عام 1447

الأول من شهر يناير عام 2026م

Please follow and like us:

One Comment

  1. وصلتني الرسالة أدناه عبر الواتساب ومعها صورة للمؤلف أدرجتها داخل المقال، مع الشكر للأستاذ بدر عبدالله الزوير – الباحث في تاريخ التعليم بدولة الكويت “.
    الرسالة بنصها هي:
    الدكتور /زهدى عبدالمجيد سمور
    مواليد قرية دير ياسين في فلسطين عام 1933
    تخرّج من كلية خضوري الزراعية في عام 1954
    وفد إلى دولة الكويت في العام الدراسي 1954 / 1955
    ودرس في مدارسها مدرسًا ثم وكيلاً ثم ناظرًا ، وخلال هذه الفترة أكمل دراسته الجامعيه ونال شهادة الليسانس في التاريخ من جامعه بيروت العربية ثم نال شهادة الماجستير في التاريخ الحديث من جامعة دولة الكويت ، وفي عام 79/1980 حصل على درجة الدكتوراة من جامعة القاهرة وكانت في التاريخ الحديث ، عمل بعد ذلك مدرساً في معهد المعلمين حتى عام 1990 ، ثم غادر إلى عمّان في المملكة الأردنية الهاشمية وعمل فيها عميدا لكلية القدس لمده ١٠ سنوات ثم عميدا لكلية حطين في عمّان لمدة سنتين .
    من مؤلفاته :
    ١- ساحل عمان السياسي .
    ٢- تاريخ العرب المعاصر .
    انتقل الى رحمة الله تعالى في ٢٠٠٢ عن عمر يناهز ٦٩ سنه رحمه الله تعالى واسكنه فسيح جناته. ” المصدر : بدر عبدالله الزوير – الباحث في تاريخ التعليم بدولة الكويت “

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

X (Twitter)