شريعة وقانون

القانون والذكاء الاصطناعي

الذكاء الاصطناعي واقع لامفر منه، ووافد ضخم لا قبل لأحد بتجاهله؛ لذلك أصبح حاضرًا في الخير والشر، سابقًا غيره في مجالات عدة، مع مؤشرات على إعادة تكوين المشهد التقني والمهني مستقبلًا.لقد غدا الذكاء الاصطناعي أكثر من مجرد أداة تشاركنا، حتى أصبح عالمًا مسيطرًا لا موازيًا فقط، وممارسة شائعة لدى كثير من الناس، خاصة عند الطلاب والكتّاب والباحثين وأهل القانون.

غير أن أخطر ما في الذكاء الاصطناعي ليس سرعته ولا اتساع استعماله، إنما زحفه الهادئ نحو مناطق كانت حكرًا على التقدير الإنساني الصرف مثل: الحكم، والاختيار، والموازنة، والرحمة، والتفكير النقدي، وهي مجالات يرتبط بها جوهر المسؤولية القانونية، ولا تقبل التفويض غير المنضبط. وهنا لا يكون السؤال: ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعل؟ وإنما: ماذا ينبغي ألا يُسمح له بأن يفعل؟

إن للذكاء الاصطناعي تأثيرًا قانونيًا يتزايد، سواء في شقه الأكاديمي، أو المهني، أو التشريعي، أو القضائي، وهذا التأثير له محاسنه -وليس إيجابياته- التي يجب الاعتراف بها، وهو تأثير لا يخلو من مساوئ -وليس سلبيات- يندى لها الجبين، ويُخشى معها المساس ببعض مقومات العدالة، ومعايير المهنية، وضمانات النزاهة العلمية. ومع ذلك فلا مفر من التعايش معها، بما لا يشوه وجه العدالة أو يزري بالحقوق، وبما لا يقوض شركات هذه التقنيات، ويعيق من نموها.

هذه الآثار تقتضي أول ما تقتضي، أن تعيد كليات الشريعة والقانون النظر في مناهجها لإدخال الذكاء الصناعي وقضاياه ومسائله ضمن خططها، وداخل مقرراتها، وفي دراساتها وأبحاثها وقضاياها المطروحة على الدارسين لتنشيط الذهنية القانونية لديهم، وتفتيق العقل الفقهي والقانوني بما يجعله أعمق وأجدر بحمل أمانته الثقيلة. لقد غدا من الواضح الجلي أن كليات الشريعة والحقوق يجب أن تعد طلابها الأذكياء لاستخدام التكنولوجيا الجديدة، وفهمها بما يجعل تصورهم صائبًا قابلًا للبناء عليه، شريطة ألّا يكون هذا الإدخال تقنيًا صرفًا، ويقترن بتدريس فلسفة الذكاء الاصطناعي، وأخلاقياته، وحدود الاعتماد عليه، حتى لا يتحول الطالب من فقيه أو قانوني إلى مُشغِّل أدوات فحسب.

كما توجب على من يعد الأنظمة الجديدة ويصيغها، أو يراجع الموجود منها، أن يسأل عن مكان الذكاء الاصطناعي ووقائعه وتاثيراته في النظام الجديد أو المحدث؛ ذلك أن هذا الذكاء يشمل كيانات وأدوات تتوالد كل يوم بما لا يحيط به علم، ولا يتصوره خيال، ولأجل ذلك أصبح الاتفاق على قواعد وأسس تحكمه وتنظمه أجدى من الغوص في تفصيلات قد يتجاوزها الذكاء الاصطناعي -الذكي جدًا- فور اعتمادها؛ فتغدو قيمتها أدنى من المأمول. ويمكن إجمال التحديات القانونية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في ثلاث دوائر كبرى هي: المسؤولية، والمشروعية، والحوكمة، والحمدلله أن العناية بهذه الملامح وما يتبعها من موضوعات الذكاء الاصطناعي ظاهرة وملاحظة في الأنظمة والتنظيمات السعودية في عهد الملك سلمان -حفظه الله ورعاه-.

ومما ينبغي الالتفات إليه من قبل المحامين الأفراد ومكاتبهم المؤسسة على هيئة شركات وتحالفات، هو مدى تطويع هذا الذكاء لخدمة عملهم، بتطوير المحامين خاصة الشباب منهم، وتسهيل عمليات البحث والجمع، والمقارنة والتحليل، والتنبؤ والتوقع، وتقدير الكلفة، والمدد، وجدوى التقاضي من أصله، وإعداد العقود وخدمتها بالتدقيق والمتابعة والتذكير. إن الذكاء إذا سُيطر عليه بوعي وفهم سيغدو مكتب وثائق من جهة، ومكتب تقدير موقف من جهة أخرى، ومكتب تدريب وتعليم تعاوني، وسيمنح الفرصة لكبار المحامين كي يركزوا على إستراتيجيات مستقبلية لهم ولعملهم ومداه الرحب، مع التأكيد على أن المسؤولية المهنية والأخلاقية لا تنتقل إلى الآلة، ولا تُخفَّف بحجة اعتمادها، وتظل قائمة على عاتق المحامي بوصفه صاحب القرار لا الوسيط التقني، وهو ما ينسجم مع قواعد المسؤولية المهنية، ومنع دفعها أو التخفف منها بدعوى الاعتماد على أدوات مساعدة.

هذه الخصيصة البحثية الفائقة للذكاء الاصطناعي يجب أن تسير خلف ركاب الأساتذة والباحثين ومن في عيارهم داخل رواق الدرس الفقهي والقانوني والبحث فيه، ذلك أنها يجب أن تنعكس فيما يصدر عنهم من ناحية العدد، وفي إحاطته وشموليته، وفي سمة الابتكار فيه، فوجود الذكاء الاصطناعي بمزاياه يقطع الطريق على مجرد الجمع والبحث والترتيب، ولا محيد للجاد من الباحثين عن تقديم البارع من الأفكار والمقترحات، والتفنن في طرائق التناول والعرض.

وهي فرصة جاهزة للمكاتب القضائية حتى تعين مساعدي القضاة في تجهيز ما يخص الوقائع التي تعرض على القاضي يوميًا، مع الحذر من “هلوسات” الذكاء، وإضافاته البعيدة عن الجادة أحيانًا. هذا العمل سيجعل نصاب القاضي من القضايا اليومية أكثر من المعتاد، وربما يسهل الوصول للحكم بعد حصر السوابق، وتحليل الوقائع، دون اعتماد عليها وحدها خشية الوقوع في ورطات لا تحمد عقباها، إذ إن أخطر ما قد يقع فيه القضاء هو إضفاء سلطة خفية على أداة لا تخضع للمساءلة، ولا تملك إدراكًا للعدالة بوصفها قيمة معيارية لا مجرد نتيجة حسابية.

وقد ثارت موضوعات عدة بناء على تداخلات الذكاء الاصطناعي في حياتنا، مثل المسؤولية عن الضرر، والتشهير، وإيذاء النفس أو الغير، والدلالة على الجرائم، وأحكام المنافسة والملكية الفكرية التي ينتهكها الذكاء الاصطناعي من جهة، ويضعف حجج قيامها من جهة أخرى. ومن الموضوعات المهمة ما يخص التمييز العرقي، والالتزام بسيادة القانون، وحقوق الإنسان، ومدى توافر النية السيئة لدى الآلة، وما أكثرها من مجالات خصيبة صارت روضًا أنفًا للباحثين.

إنه ليس بغريب حين يتعاظم القلق من المستقبل الذي يقدم فيه الذكاء الاصطناعي المشورة، خاصة أنه يتطور ويتوالد بسرعة مذهلة، ويصنع مشكلات شائكة فيما رسخ من فروع القانون، مثل تعطيل أنظمة المسؤولية المدنية، وإرباك ما يرتبط بالملكية والمنافسة،ويزيد الوضع خشية وقلقًا أن تلك المزايا الهائلة السريعة يقابلها تباطؤ حكومي -عالمي- في المواكبة، وإذا كانت الحكومات لا تدرك تفاصيل الذكاء الاصطناعي بدقة، فمن المحتمل أن تفاعلها معه سيكون ضعيفًا ومملًا، ومن المؤكد أن إدارتها له لن تتواكب معه إن في التنظير أو التطبيق.

ولمواجهة طوفان نماذج الذكاء الاصطناعي وأدواته، يحتاج القضاة والمشرعون والفقهاء والقانونيون إلى التعامل -دون سابقة مشابهة- مع مجموعة من الأسئلة المعقدة، وليست معقدة فقط، فبعضها عصي على الفهم لبعدها علميًا عن دراسة أساطين الرواق العدلي، ومجال اهتمامهم في الغالب، ولأن هذا الطوفان لا يقف عند حدّ، وكلما ظن الإنسان أنه أدركه، فرض الذكاء إشكالًا قانونيًا جديدًا لم يكن منظورًا عند سابقيه.

ولذا يستلزم هذا الواقع الضاغط إيجاد رباط وثيق بين أطراف هذا الوضع الجديد، وهم القضاة والقانونيون والمشرعون من جهة، وخبراء الذكاء الاصطناعي من الجهة المقابلة، حتى يكون المنتج من هذا التعاون أشدّ نضجًا، وأكثر واقعية، وأكبر نفعًا، فقد يقترح صانعو السياسات والأنظمة أمرًا مستحيلًا أو عسيرًا من الناحية الفنية، وقد يبتدع خبراء الذكاء الاصطناعي ومهندسوه حلولًا تقنية بيد أنها غير قانونية! وفي اجتماع الفريقين، وتعاونهم، ردم لهذه الفجوة التي قد تتسع فتصبح هوة تؤدي إلى قعر سحيق.

ألا ما أعظم الحاجة لأشخاص لديهم فهم يستوعب البعد القانوني والبعد التقني معًا دون بون شاسع بين الفهمين. وما أجدر الدول بتبادل الخبرات في هذا الشأن بما يجعل المستوى العالمي فيه متناسبًا مع حجمه المتضخم. والأمل معقود بأن تعتني الكليات الفقهية والحقوقية بهذا الباب من العلم، وتجعل له نصيبًا مفروضًا من الاهتمام ضمن خططها؛ قيامًا بالواجب، وسدًا لأي ثغرة نظامية، ويتبعه عناية تشريعية مدروسة الأثر السابق واللاحق، تحفيزًا لقطاع الذكاء الاصطناعي بما له من فوائد اقتصادية وعلمية ومجتمعية؛ كي لا يتثبط هذا القطاع الحيوي، ويتمكن من بناء ممارسات آمنة ونظامية محصنة من المساءلة. ومع ذلك فسوف يظل الأصل الذي ينبغي أن يُحتكم إليه في جميع هذه الدوائر، أن الذكاء الاصطناعي لا يُعدّ مصدرًا للقرار القانوني، وإنما وسيلة مساعدة تخضع للمساءلة البشرية الكاملة في نتائجها وآثارها.

إن هذا الوافد الجليل قدره، العظيم خطره، سيحدث في القانون تطورات مهمة، منها التجديد في أنماط التقاضي، وتغيير المهام والمسؤوليات بعد تفريغ الذكاء الاصطناعي لأداء المعتاد منها، وسيقود إلى إتقان مهارات جديدة، ويعيد رسم خريطة فرص العمل، ويضيف تخصصات جديدة في مقاعد الدراسة أو مكاتب العمل، ويستلزم زيادة العناية باخلاقيات المهن القانونية، والتفاعل مع هذا التحول الإجباري بما يزيد من فوائده، ويخفض من أضراره؛ وهو تحول لا يجوز أن يقع خارج إطار الضبط التشريعي، ولا بعيدًا عن مساءلة أخلاقية ومهنية صارمة؛ فربما يأتي علينا زمان يصبح فيه ترك استخدام الذكاء الاصطناعي نوعًا من سوء التصرف، وعلامة على التأخر، ومعرّة منها يستحي الناس.

ahmalassaf@

الرياض- الخميس 05 من شهرِ رجب عام 1447

25 من شهر ديسمبر عام 2025م

Please follow and like us:

8 Comments

  1. محتوى مُحكم وصياغة موفقة، يلفت الانتباه ويعكس عناية واضحة بالتفاصيل.الله يعطيك العافية على هذا المحتوى أبدعت.

  2. اهلا وسهلا أ احمد
    الله يحييك ويبارك فيك
    ماشاءالله تبارك الله
    اصدار متميز وجاء في وقته والله
    هل تسمح لي بالمشاركة في نشره بالقروبات القانونية
    وفقنا الله وإياكم

  3. مقال ذكي..وضع المسألة موضعها و طرح الأسئلة اللازمة و نبّه لهذا الوافد حالا و استقبالا و مآلات سواء في المناهج التدريسية أو في التطبيق…بالتأكيد ما نحتاجه في الجامعات هو الإفاضة في هذا المبحث وتقليبه على جوانبه فيما هل تستوعبه النصوص النافذة أم هل يستحق نصوصا جديدة في زمن التضخم التشريعي… الذكاء الاصطناعي و ما يتسم به من السرعة في عالم سرعة مقابل نصوص القانون وما تستدعيه من ثبات في عالم متحرك..في كل ذلك يتعين على الفكر التشريعي أن يبتلع هذه الأداة الحادثة و يهضمهما ضمن النسق التشريعي قبل أن تبتلعه بلا هضم ! بارك الله قلمك و أدام عليك الصحة و الخير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

X (Twitter)