إدارة وتربية مواسم ومجتمع

أشياء تأباها العراقة!

شغلت بموضوع “العراقة” منذ زمن، وزاد من تعلّقي به أسباب منها ندرة المادة عن هذا الموضوع -حسب بحثي- وفي النطاق الذي يعنيني. من الأسباب كذلك أني وجدت اهتمامًا من القراء في بلدان عديدة بهذا الباب، وهو اهتمام يسعدني ليس لأني كاتبه فقط  -وهو سبب وجيه للسعادة-، وإنما لأن عناية الناس بالعراقة تؤكد سلامة الفطرة والتصور، بعيدًا عما قد يطفو على السطح من مظاهر يمكن إرجاعها لأكثر من تفسير.

الحديث عن أشياء تأباها العراقة من الملامح التي تحتاج لاستفاضة وتوسع، والكتابة عنها مفيدة؛ ففيها نهي وتحذير قد يختفيان في بعض ما دون سابقًا عن العراقة. فمما تأباه العراقة:

التنكر للأصول:

تأبى العراقة التقليل من الآباء والأمهات، بل إن الافتخار بهم أصل من أصول العراقة على ألّا يكون فيه افتراء أو اعتداء. وهذه الأصول تشمل الأصول النسبية التي تكوّن العصبة، والأصول الفكرية السليمة التي تمثل المرجعية. من هذا الباب حفظ الأسر العريقة لأنسابها ومشجراتها وأخبارها، ومنه حرص الأقسام العلمية والمؤسسات الرسمية على التخصص الذي تبرع فيه، ومنه تأكيد سادات المواضع وسروات الناس على ارتباطهم الوثيق بالمكان والإنسان والثقافة.

هجر المكونات أو خفض مكانتها:

العراقة تأبى أي هجران يلحق باللغة فيتركها أو يقدّم غيرها عليها؛ ولأجل هذا خرج “شيراك” من اجتماع الاتحاد الأوروبي مغضبًا حينما تحدث أحد الفرنسيين بالإنجليزية!

إن العراقة لتأبى نسيان التاريخ؛ ولذلك فما أكثر ما طالبت الشعوب ممن اعتدى عليها أن يسجل الاعتراف والاعتذار. ولو كان التاريخ ينسى لما بقي شيء في الذاكرة من أخبار شعوب العالم الجديد الذين أفنى البيض أكثرهم فاجتثوا خضراءهم وغضراءهم، ومع ذلك تناقلت الأجيال تلك المآسي وذلكم التاريخ الذي يفضح الحضارة الغربية وليس أمريكا وحدها.

تأبى العراقة استبدال الأزياء الوطنية؛ ولهذا تلتزم بها وفود أكثر الدول في زياراتها الخارجية. ولأن التنازل عن الزي مستغرب، أبدى أحد أمراء الإنجليز تعجبه من تخلي فيصل الأول عن لباسه العربي، وحافظ الأفارقة والهنود على ارتداء لباسهم الشعبي مع غرابة بعضه.

وتأبى العراقة أي نقص يلحق بأعلامها وشعاراتها ورموزها، ومن أسنى الأمثلة أن العلم السعودي لا ينكس أبدًا لما يحمله من كلمة مستقاة من دين البلاد وأهلها، هذا الدين الذي تأبى العراقة وتأنف أن يناله أي شيء لا يناسبه مهما صغر تدينًا وتعبدًا وافتخارًا.

علنية الخلاف والاختلاف:

مما تأباه العراقة الاستعلان بالخلاف، واطلاع الغرباء عليه، خاصة عندما يكون الخلاف داخل بيت واحد مشتغل بالتجارة أو مختص بالإمارة، أو في مؤسسة لها منافسون وأعداء ومتربصون بغية الإفساد أو التأكل مما حدث. مما قرأته في سير بعض العوائل التجارية أن الخلاف بينهم في الغرف المغلقة قد يؤدي إلى ارتفاع الأصوات وحدة النقاش؛ لكنهم إذا برزوا للعامة لم يستطع أشد الناس فراسة التقاط وجود ذلكم الغلاف الذي انحصر بين الجدران.

وقد قرأت في سيرة أمير عنيزة عبدالعزيز ابن سليم أن أخوين أقبلا على مجلسه العام، وهما حديثا عهد بوفاة مورثهما، فلما رآهما بادرهما بالثناء على اللحمة، والتصالح، والبعد عن التقاضي العلني، فعادا من مجلسه وتصافيا، وهم قد وفدوا عليه للتشاكي!

تدخل الغرباء:

ترفض العراقة أن يتدخل الغرباء فيما لا يعنيهم من شؤون أهل العراقة، فغالب دخول الغرباء يكون وراءه مصالح لهم مالية أو إعلامية أو ثأرية أو غير ذلك، دون أي مراعاة لمصلحة أصحاب الشأن.

وأذكر أني استمعت إلى سؤال ألقاه مراسل لإذاعة لندن على الأمير نايف، وهو سؤال في موضوع خاص، وبغية المراسل وغاية مطلوبه تحصيل مغنم إعلامي يرتقي به في سلّم مهنته، فأجابه الأمير بما معناه: ليس الأمر كما تقول، وهو شأن يخصنا وحدنا، ولا علاقة لأحد كائنًا من كان به.

وسمعت عن أخت تخالفت مع إخوانها على مبلغ يقترب من المليار بعد وفاة والدهم، فتقاطر عليها أقوام يعرضون خدماتهم، لكنها ألجمتهم بقولها: نعال إخواني أغلى عندي من المليار، ولن أحوجهم إلى تخطي عتبات المحكمة! إن الأعراق النبيلة والعقول الراجحة تبقي للصلح موضعًا، ولا تقفل الباب دون صلح وإصلاح.

المساومة على الأركان والمبادئ:

إذا كان من أشنع صور الهجران أو الخفض، أن يجهل العريق دينه وتاريخه ولغته وتقاليده ومبادئه ورموزه المهمة، أو يكون له صلة ضعيفة بها؛ فالعراقة تأبى هذا المستوى الضعيف، ولا ترضى بغير حد من الإلمام، وحد من الاعتزاز ،فما هو أسوأ من الجهل ونقص المعرفة أن تكون هذه الأركان والمبادئ قابلة للمعاوضة أو المزايدة، أو متاحة لأن توضع على مائدة النقاش، وهو ما رفضته اليابان المهزومة فيما يخص لغتها وتقاليدها وإن وافقت على قيود أمريكية أخرى.

إشاعة الفضائح:

ليست الفضيحة بحال من الأحوال شأن العريق ولا رابط بينها وبين العراقة؛ ولذلك فحين تطوى مرحلة يتبعها الكفّ عما لا ينبغي إشاعته؛ فالأسر العريقة تتخارج دون إفشاء أسرار، ويقع الطلاق فيها بسلام وحسن عهد، ويغادر المسؤول منصبه بهدوء حتى لو كانت المغادرة بعزل، وشعارهم: “تلك أمة قد خلت”؛ لأن عراقة هؤلاء الأماجد قد بُنيت على رابط قديم، وعلى صلاتٍ تدوم أطول من أعمار أصحابها، أما من سواهم فأول شيء يجول في ذهن من خسر منهم أو من غلب البدار إلى النبش والنشر، وما فيهما من فضيلة لمن تأمل!

سوء الألفاظ:

منطق الإنسان يدل عليه وعلى بيئته وأصالته أكثر من لباسه وما يملكه؛ ولأجل هذا تعتني البيوت الشريفة بتهذيب ألسن أولادها، حتى لا يصدر منهم إلّا الكلام الجزل المؤدب، ولا ينبس واحدهم بما يعاب أو يشين. من هذا الباب حرص الإمام الشافعي على طريقة كلام طلابه ومدرسته العلمية؛ فحين وصف تلميذه اللصيق به آخر بالكذب، أرشده إلى ضرورة كسوة الألفاظ بما يجعل المعنى واضحًا، واللفظ راقيًا. وقد اجتهدت الأسر الملكية لضمان حسن منطق أفرادها، حتى شاع لدى ملك الأردن الراحل الحسين بن طلال مناداته لمن يحاوره بكلمة: يا سيدي.

خذلان المظلوم والعدوان على الضعيف:

لذلك بادرت قريش إلى إبرام حلف الفضول حتى ترفع الظلم وتدفع الضيم عن الضعفاء، وأثنى عليه النبي الكريم عليه الصلاة والسلام. ومن هذا الجانب أيضًا أن أبا جهل لطم أسماء بنت أبي بكر بعدوان منه وسفه؛ لكنه ندم فطلب منها كتمان هذه الفعلة الشنيعة، فالضعيف لا يستقوي عليه إلّا أنذال الناس وسقطتهم، وأبو جهل من أحد أقوى أفرع قريش، وأكثرهم طموحًا واتصالًا بالعراقة.

وفيما مضى تجولت في مجموعة تجارية ضخمة قديمة فيها الآلاف من الرجال والنساء، ومما قاله لي بعض قدماء العاملين: هذه الأسرة لا يُظلم عندها أحد، وكل كبير منها تنشأ لديه حساسية بالغة من الظلم أو التعدي على حقوق غيره.

المجاهرة بفعل السوء أو المخالفة:

هذا هو الذي منع أبا سفيان -قبل إسلامه- من الكذب على الجناب الكريم عند هرقل، خشية أن تروى عنه الكذبة فتصبغ تاريخه وسيرته بما يكره. ومن هذا المنطلق أن جمع عمر بن الخطاب أهل بيته ليخطرهم بأنه منع شيئًا، ويحذرهم أن من تجاوز ذلك المنع فسينال عقابًا مضاعفًا.

ولأن شريعة الإسلام تحث على العراقة بأحكامها وآدابها ورد أن المعافاة مرجوة لكل خطّاء إلّا من جاهر. وقد سمعت عمن عاشر أبناء أسر ذات عراقة قوله: أمام الناس لا يرتكبون أي محظور بالقول أو الفعل قدر طاقتهم ومبلغ جهدهم. إن مناقضة السمت العام، والمجاهرة الثقيلة بالمخالفة، لا تقبل من أي أحد؛ بيد أنها من العريق أدهى وأمر.

الاستهانة بالمكان أو العمران:

ولأجل ذلك كانت الخيمة التي تخفق الرياح بها أحب لميسون الكلبية -زوجة الخليفة معاوية- من القصر المنيف، ذلك أن العراقة تأبى انتقاص الأماكن والمرابع؛ فالأوطان لا يفوقها غيرها مهما زاد جمال غيره وبهاؤه وأجواؤه، والمدن الأصيلة تُحفظ بما فيها من آثار، والديار ذوات القرون لا تُهمل تحت دعاوى التجديد.

إن السعي لعمران المكان والارتقاء به سمة ظاهرة في العواصم التاريخية التي لها حضور في التاريخ والحضارة، وهذا العمران مادي ومعنوي، ومنه دراسة هذه الأماكن من نواح تاريخية وبلدانية، حتى ألّفت كتب ضخمة في تواريخ بلدان اجتهدت مؤلفوها فحصروا حتى من عبر بها من ذوي الشأن، وما وقع فيها من حوادث.

وكذلك تصب عمليات حفظ العمران وحماية التراث المحلي والإرث التليد في هذا المعنى، ومنه ما روي عن أهل بلدة تقع بجوار جبل، وهي تبعد عن أقرب مدينة مئة كيلو، فحين عُرض عليهم الانتقال لهذه المدينة كي ينعموا بالخدمات والتمدن، مع منحهم مساحات من الأرض أضعاف ما فقدوا وخلّفوا، كان جوابهم: هل ستسحبون معنا قبور الآباء والأجداد وذكريات الديار وسالف العصور؟! 

إن العراقة في الأسر والكيانات والمجتمعات والدول ليست لفظًا يُقال، أو تعبيرًا يتزين به، بل ميزانٌ دقيق يرفض كل ما يشوّه الجمال، أو يضعف الجذور، أو يخرم الهيبة، أو يحبط المستقبل. إن العراقة توجب اعتزال أي شيء يجلب عليها الذم أو النقص مهما صغر، وتجتهد لحشد كل شيء يزيدها رسوخًا وقوة. إنّ العراقة تُقاس بثبات العوائد الصالحة المصلحة، واستدامة السيرة المنجزة المبتكرة، واستقامة الأحوال على سنن رشيد قويم؛ فهي مثل خُلُقٌ كريم طيب يجري في دماء هذه المكونات كما تجري المياه العذبة المتدفقة، في أنهار جارية، فليس من شيمتها الكدر، أو الأسن، أو التوقف، أو الجفاف. 

ahmalassaf@

الرياض- ليلة الأحد 23  من شهرِ جمادى الآخرة عام 1447

14 من شهر ديسمبر عام 2025م

Please follow and like us:

10 Comments

  1. أخي الفاضل الأستاذ أحمد العساف
    سلام الله عليك ورحمته وبركاته.
    أعرف اهتمامك بجانب التراجم والسير و التاريخ وتوثيق الفرائد، وأتشوق لكل ماتكتبه في هذا الباب.
    ولكن هذه المقالة عزيزة وثمينة في موضوعها وأهميتها و أسلوبك في طرحها.
    دمت مسدداً و مباركاً.

  2. مقالة تفيض بلطف الحكيم وصرامة التأريخ والاهتمام بالجذور؛

    فيها كاتبنا الأنيق الراقي الاستاذ أحمد يلفتنا إلا أن الأصالة ليست ادّعاءً، بل عهدٌ مع النفس ومع التاريخ.

    شكرا جزيلا لك فقد أجدت في صياغة المعنى، فجاءت عباراتها مشدودةٍ تشد أوتاد الوفاء والهوية.

    هذه المقالة تذكّرنا أن العراقة ليست شيئًا يُشترى أو يُزيَّف، بل هي شرفٌ يرفض الزيف، وجذرٌ يأبى الانقطاع، ونورٌ يأنف الظلام.

    وأن العراقة هي حماية للهوية وصون للمرجعيات، وأنها ترفض كل ما يقطع الإنسان عن جذوره أو يزيّف أصالته.

    كاتبنا العزيز نثمن جهودك الدائمة في الكتابات
    المتميزة والنوعية مثل هذه المقالة التي فيها تأصيل لمعنى العراقة كقيمة أخلاقية وثقافية، وتبيّن أن هذه القيمة لا تحتمل التزييف أو الانفصال عن الجذور، سواء كانت جذور نسبية أو فكرية.

    كل الشكر كاتبنا العزيز على رصانة الفكر وبلاغة البيان..

  3. لا فض فوك😘🙏🏻
    وبارك الله في علمك ونفع بك الاسلام والمسلمين

    ما احوجنا الى مقالك هذا في هذا الزمن والفتن والسوشيال ميديا الى توعوية الجيل بذلك
    اقترح ان تحوله الى محتوى فيديو باسلوب مميز ينشر بين جيل الشباب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

X (Twitter)