سير وأعلام

محمد العقلا ومعاني المعالي!

رحم الله صاحب الفضيلة والمعالي ذات المعاني، معالي الشيخ أ.د.محمد بن علي بن فراج العقلاء (1378-1447=1959-2025م)، الذي عمل في جامعة أم القرى في عدة مناصب، ثم أصبح مديرًا للجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية. تلك الجامعة التي تحتضن عددًا كبيرًا من الطلاب المنتمين لجنسيات ولغات وحضارات وبلدان وقارات أزيد من المعتاد في كثير من الجامعات. لقد كان اختياره لهذه الجامعة في ذلكم التوقيت توفيقًا من المولى سبحانه وتعالى له كي يختم سجله الوظيفي بمرتبة ممتازة، وفي جامعة عالمية، تنطلق من مدينة النبي الأكرم -عليه الصلاة والسلام-، وتنشر أسمى العلوم وأولاها بالرعاية والتقديم.

وخلال سبع سنوات -تقريبًا- أدار فيها الشيخ محمد الجامعة، حجز الشيخ العقلا لنفسه موضعًا رفيعًا في قائمة مديري الجامعات ورؤسائها بالطريقة التي أدار الجامعة بها، فكان قريبًا من الجميع بتواضعه، وسعيه للنفع العام، وفتحه الباب للتواصل بأكثر من صورة في أي وقت. إن مجتمع الطلبة، وبيئة التعليم، تحتاج لمدير من طراز فريد، يجمع مع حزم الإدارة رحمة الأبوة، ومع منهجية القيادة لمسة الفطرية والتعاون، ومع صرامة القرار النظر في المآلات والمصالح. كان الشيخ إبان إدارته بلسمًا حلّ في الجامعة، وحنانًا مسح على البشر والحجر فيها ما يمنح الكافة السكون والطمأنينة، بما يحقق المطلوب، ويقصي الشوائب، ويضبط المسار.

امتاز الدكتور محمد بتنفيذ مفهوم الإدارة على أرض الواقع بعيدًا عن التقارير والآراء النظرية؛ ولذلك فما أكثر ما شاهده الطلاب يمشي وحيدًا في الكليات وبين القاعات، وفي المرافق الطلابية من سكن ومطاعم وغيرها، وفي المسجد والمكاتب. وما أيسر الوصول إليه آنذاك، ذلك أن الاحتجاب والبعد يفضي إلى ضياع حقوق، واستشراء مظالم، وحدوث نقص، وفي المسلك الإداري الرشيد ما يقضي على هذه الإشكالات المتوقعة؛ حين يعلم الكافة أن القنوات المؤدية لصاحب القرار عديدة، ولها حيوية لا تهدأ حتى يعود الحق إلى نصابه.

كذلك لم يأنف شيخنا الراحل مع الدوران على أضياف مكتبه بصحن فيه تمر حتى خلا كرسي المدير ممن يجلس عليه! لم يأنف من الرد على تواصل الطلاب معه على هاتفه الخاص ولو كان الاتصال في وقت راحة أو خلال يوم إجازة! لم يأنف من الشفاعة لطالب بقبول أو توظيف أو مساعدة أو تفريج كرب، وإن تفريج كرب المسلمين لعمل جليل عسى الله أن يتقبله منه وممن انتهج نهجه، والله المرجو أن يفرج عنه – وعن أمثاله- الأهوال الشديدة في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلّا من أتى الله بقلب سليم.

لقد فهم الرجل الدمث الخلوق المسألة حق الفهم، ووعى المعادلة أكمل ما يكون الوعي، ولم يركن لزخارف زائلة، ولا لحديث نفس إمارة بشهوة الشرف، فهو في منصبه لأجل أن يخدم وينفع ويعين، وليس لأجل أن يضر أو يعطل أو يعيق. هو في منصبه كي يثبت أن النفس الرضية، والخلق السمح السجيح، واللفظ المؤدب الرقيق، والتعامل الراقي الرفيق، أعلى من أي وصف، وأن المناصب بها تزدان وليس العكس. لأجل ذلك جعل شيخنا من منصب “المعالي” سلمًا لبيان أجمل المعاني وأسناها، وهكذا هم أكثر رجال الدولة والمسؤولين الذين لم يحرموا العون الإلهي، ومن الرب الجليل تستمد هذه الفيوض، وتلك المكارم.

ثمّ إنه حين غادر المنصب لم يغادر القلوب التي استقر فيها، ولم تنقطع الألسن عن الثناء عليه وذكر أيامه الزاهرة بكل خير. وبعد أن شاع خبر مرضه ووفاته عقب المرض بمدة يسيرة فاح شذى عطر سيرته، وتواتر الثناء الحق على ميت لا ترتجى منه مصلحة دنيوية. لقد ضرب لنا الشيخ في رحيله أوعظ الأمثلة على تطبيق معنى لسان الصدق في الآخرين، وكيف يكون هذا اللسان الصادق، وما هو الطريق المضمون المأمون المؤدي إليه متجاوزًا أي عوائق حقيقية أو مصطنعة.

مضى الرجل الذي كان الطلبة يستقبلونه باحتشاد وابتهاج من تلقاء أنفسهم، مضى الرجل الذي لم يرض ببقاء مظلمة دون إنصاف، مضى الرجل الذي أبى أهل المدينة النبوية إلّا أن يكرموه بعد أن انتهت مسؤوليته العالية في الجامعة، وقد رعي الملك سلمان -حفظه الله- ذلكم التكريم. مضى الرجل الذي ترك آثارًا حميدة في العلم والتعليم والثقافة وعمل الخير وإفادة المجتمع والإخلاص للعمل، مضى الذي إذا ذكر اسمه أورد كل من عرفه وتعامل معه موقفًا نبيلًا له إن في الجامعة أو المؤتمرات أو الحي أو على الصعيد المجتمعي والأسري، فهو الرجل الحنون، الجاد، النشيط، القيادي، الساعي بكل خير لمن يستطيع، وهو الرجل البار بمن حوله من قريب أو صديق أو جار أو مستجير مستنجد، ولا يضيع العرف بين الله والناس.

اللهم اغفر لعبدك وقد قدم إليك مشهودًا له بخير، واغفر له وهو الذي حسن خلقه مع الضعفاء والغرباء وذوي الحاجات وما أكثر ما ينهرون ويقهرون، واغفر له وهو الذي لم ينغص على طالب أو أستاذ مسيرته في طلب العلم أو نشره، واغفر له وهو الذي خدم حكومته وتاريخنا الإداري، واغفر له وهو الذي ازدان به عصرنا، وغدا قدوة تروى لمن يأتي بعده، سواء ممن نال المعالي الدنيوية كي يمنحها ما تستوجبه من معانٍ باسقة نضرة يظن البعض أنها لا تتوافق مع المنازل الرسمية العالية، أو ممن رام اكتساب المعالي بكريم الأخلاق ولطيف المقال وجميل الفعال، وفي كل خير يبقى، ومعروف ينتشر، وأصالة تحفظ، وعراقة تتوارث.

ahmalassaf@

الرياض- الثلاثاء 11 من شهرِ جمادى الآخرة عام 1447

02 من شهر ديسمبر عام 2025م

Please follow and like us:

12 Comments

  1. ماشاءالله تبارك الله ابوعبدالمحسن دائماً حاضر مع الحدث.، محتوى مميز كعادتك
    والدكتور محمد الله يرحمه على ماذكرت حجز له موضعاً رفيعاً بقائمة مديري الجامعات
    مثل الدكتور عبدالله بن عبدالمحسن التركي في جامعة الامام و الدكتور منصور التركي الله يرحمه في جامعة الملك سعود
    والدكتور بكر بن بكر في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن
    ولا اتذكر مدير جامعة في المملكة العربية السعودية بالمدة الزمنية التي ادار فيها الدكتور محمد العقلا الله يرحمه الجامعة الاسلامية.
    كل ماذكرته عنه الله يرحمه يستحقه عن جدارة .، رحمه الله وجعل مالحقه أجراً وكفارة.

  2. سلمَ بنانك وأعتلى قلمك
    صدقتَ فيما أوردتَ عن صاحب النبل والخلق الرفيع
    صاحب البساطة والمعالي في أرقى حللها
    أكرمني ربي بالحج معه أربع سنين متتابعة
    فراشي بجوار فراشه فما علمتُ منه إلا
    ما ذكرت وخطّه قلمُك الفياض
    فرحمه اللهُ رحمةً واسعةً ترفعُه في الفردوس الأعلى من الجنة وتجعلُه في صحبة حبيبه محمد صلى اللهُ عليه وسلم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

X (Twitter)