أحد أكثر المسائل التي تقلق صنّاع المجد، أو وارثيه الأوائل فمن بعدهم، هي الخشية من ضياع العراقة التي التصقوا بها، وصارت عرفًا لهم. لأجل ذلك تحرص الأسر العريقة على تهيئة أجيالها للمستقبل الآتي ولا مناص؛ كي لا ينهدم بناء، ولا يزول أثر، ولا يضيع جهد عقود مضنية. إن موضوع التعاقب وخلافة كل جيل لمن سبقه بعد أخذ الكتاب بقوة، لركيزة أساسية في أذهان الأسر العريقة الموفقة، وكم تحسّر أناس على إهمال الالتفات إليها بعد فوات الأوان، ففقدوا حملة الراية المؤهلين لتلقي الأمانة؛ الذين يجلب وجودهم الطمأنينة، ويقود غيابهم إلى القلق.
والسؤال المطروح بلا مواربة هو: كيف تهيئ الأسر العريقة أجيالها لحمل الراية، وأدائها لمن يأتي وراءهم من أجيال، فيكون هؤلاء ممن أحسنوا في الحمل، وأحسنوا في الأداء، فصانوا الماضي، وأداروا الحاضر، وأسسوا من أجل مستقبل مأمون؟ ها هنا محاولة للإجابة عن هذا السؤال الذي انطلقت شرارته في حوار مع جليس مثقف إبان زيارة قصيرة إلى الكويت، وهو سؤال يصب ضمن سياق أعتني به، ويضاف إلى سلسلة سبق كتابتها عن موضوع العراقة في الأسر والمجتمعات والكيانات، وآمل أن تكتمل مادتها لتغدو كتابًا مفيدًا بلغتنا العربية، وبغيرها.

كتابة ميثاق للأسرة:
يجب أن يكون الميثاق المكتوب واضحًا، عمليًا، غير مفصل على حال أو إنسان، وليس فيه استثناء، وينفذ بعد اعتماده بجدية. إن مواثيق الأسر مادة علمية وعملية شائعة، ولها أهلها ومستشاروها، والشأن كله في أخذ الكتاب بقوة والتطبيق بلا توان أو تأخير. سمعت أن إحدى الأسر جددت ميثاقها، فأصر أول واحد ممن أدرك التجديد أن يلتزم بالميثاق كاملًا حتى يكون قدوة لغيره، ولا يسن سنة سيئة في التفلت والتملص.
رواية تاريخ الأسرة:
إن معرفة هذا التاريخ كفيل بإيقاف الأجيال على حقائق وآمال ومخاوف، وتخطئ أي أسرة تخفي عن أنجالها سابق عهدها، فلا يعلمون شيئًا عن سنوات الشقاء والجلاء والعناء. وتبتعد عن الصواب أي أسرة تدفع شبانها وناشئتها عن مجالسها وحواراتها الصريحة حتى عاب عمرو بن العاص هذا المسلك على أشياخ قريش. كم من مرة ومرة سمعنا عن رجال أعمال كبار يتحدثون بلا تورية عن فقرهم وما عاشوه من ذل! وكم من مجلس أسري يزدان بكوكبة من صغارها في العمر كي يسمعوا ويتدربوا، ولقد أحسن الفريقين صنعًا.
التدريب على العوائد والرسوم:
مثل الترحيب بالأضياف، وطريقة الدخول والجلوس والحديث، وارتداء أصناف اللباس حسب المناسبات، وطريقة لبسها، وما يضاف إليها من أشياء. ومن هذا الباب التعامل مع أكابر الناس، ومنحهم التوقير الذي يناسب منازلهم مهما كانت المواقف منهم؛ فإن الحصيف من يحتوي، ويعالج بالمداراة دون حاجة لاستكثار العاتبين والأعادي. إن الجهل بهذه العوائد الصحيحة يؤدي إلى استصغار المرء وازدرائه، وجدير بالأسر العريقة حماية أنجالها من هذه الدركات.
البصيرة بالبيئة المحيطة:
لكل أسرة عريقة محيط بما فيه من بلدان ومواقع، وقبائل وشعوب، وطبائع وأعراف. إن تشرب الأجيال الجديدة لهذا المحيط، وبصرهم بما ومن فيه، يساعدهم على إحسان التفاعل معه، ويحميهم من الوقوع في الخطأ أو مغبة قول أو فعل، كما يعينهم على التفاعل الناجح مع مكونات المحيط ومناسباته. من أجل هذه الأهمية يحرص الزعماء على وجود خبير بالأسر والقبائل والبلدان حولهم؛ ولهم في هذا الباب أسوة بحكمة نبوية حينما اصطحب الجناب الكريم -عليه الصلاة والسلام- معه الصديق أبا بكر -رضي الله عنه- كي يخبره عن القبائل قبل غشيان تجمعاتها في موسم الحج.
منح الفرصة للقيادة والإدارة:
مثل إسناد بعض المهام لهم، كاستقبال ضيوف والقيام بواجبهم، أو التفاوض لعقد شراكة، أو قيادة معركة، أو إلقاء كلمة، او رعاية حفل، أو تمثيل الأسرة، أو غير ذلك. إن تحمل المسؤولية مبكرًا آية على النضج، ومئنة على الاستحقاق للسيادة. من هذا الباب ابتعاث كثير من الأسر أجيالها إلى معاهد وبرامج مكثفة مضمونة الأثر، وتحفيزهم على مراكمة المهارات واستعمالها.
البحث عن مؤدب أو معلّم:
سنجد في سيرة كثير من الخلفاء والأمراء أسماء علماء وأدباء وفرسان وشعراء تولوا تأديبهم وتقويمهم، حتى لو استلزم الأمر القسوة عليهم، بل حتى لو وضع فتيان هذه الأسر النعال أمام أرجل معلميهم، وهذا الخضوع ليس لشخص وإنما من أجل نيل غاية وظفر بمراد، وبعدها يعود الجميع إلى قواعدهم سالمين!
بناء الذهنية التحليلية:
أحد رجال الأعمال يجلس مع أبنائه مناقشًا السلوك التجاري والمجتمعي لتجار المنطقة، وغايته الارتقاء بذهن أبنائه، ورفع مقدرتهم على الملاحظة والتحليل والنقد والافتراض، وهكذا تصنع مطابخ السياسة وغيرها.
تبادل الأدوار بتكامل مقصود:
حضرت مجلسًا لأسرة عالية الشأن، فقال مجاوري المسن الوجيه الخبير بهذه الأسرة: لقد تقاسموا الأدوار والمهام، ففلان للعمل التجاري، والثاني للتعامل مع الحكومة والمسؤولين، واختص الثالث بشؤون المجتمع والأسرة، وانصرف الرابع للعمل الخيري والأوقاف، وكفى الخامس سابقيه أي حاجة للسفر أو صناعة علاقات دولية. هذا لا يعني الاقتصار في الاختصاص، وإنما التركيز فقط.
الحث على الابتكار:
إن الابتكار يعني التجدد، والتجدد يمنع الزوال والأفول، ويضمن البقاء. انظر إلى شركات السيارات التي تجاوز عمرها قرنًا من الزمان، وهي باقية بل ماضية بقوة، مع أن ملكيتها في الأساس تعود لأسرة، وسوف تجد أن من أسباب المحافظة على هذا المكتسب هو الابتكار المتوالي، والتكيف مع المستجدات. يقال مثله بتجديد الأنظمة والإجراءات في الدول والشركات وغيرها.
معرفة المنافسين والمخالفين والأعادي والمخلصين:
هذا الملمح مهم، ففيه الحذر من العطب، والتيقظ لأي مكر أو مكيدة. إن الغفلة عن هذا الجانب له مآلاته الموجعة، حتى أن نصر بن سيار -أو غيره- علل زوال دولة بني أمية بتقريبهم العدو والبعيد، وإبعادهم الصديق والقريب. وفي عالم التجارة كم من منافس التهم غيره أو استحوذ عليه، وصيره نسيًا منسيًا.
تقبّل الآراء الصريحة:
فلن ينجو من صم أذنيه عما سوى المديح والإطراء، فلا يسلم بشر من مأخذ، والسعيد من قبل سماع أي رأي، وعدّ الصادق ناصحًا حتى لو كان مخطئًا. لأجل ذلك تعقد الجمعيات العمومية، والجلسات المغلقة الصريحة، ويطلب من ذوي الألباب والعقول البيان والتوضيح، وتشترى ساعات من اجل الاستشارة والخبرة، وكلها تؤدي إلى حفظ مغانم قد تتلاشى إن سكت عن بدايات تسلل الخلل إليها، وغض الطرف عن تسرب نواقضها في دواخلها.
الحماية من الرفاهية الزائدة:
هذه الحماية لا تعني منع الاستمتاع بالطيبات، ولا العيش في ضنك وخشونة دائمة. غاية ما هنالك أن تحمي أسر العراقة أجيالها من استشراء النعومة والرفاهية والانغماس في المتعة. إنهم إن ذابوا في هذه الملهيات فلن تقوم لهم قائمة، وسينحدرون من قمة عالية إلى قاع سحيق. إنه لفرق عظيم بين أسرة يشبه ولدانها أشياخها، وأخرى يتسافه كبارها كما لو كانوا طر الشوارب حديثي الأسنان! لأجل ذلك يشارك الأبناء مع آبائهم في الأسواق، وحضور المجالس، وتعلّم فنون البيع والفروسية والزعامة وغيرها.

إن مسألة التوريث المتعاقب، وإمساك الخيوط بإحكام، إلى أن تصبح مثل السلسلة المتينة المتماسكة، كي لا ينفلت الزمام، ولا تنحل العقد، ولا ينكث الغزل، لمن أهم مهمات الحكماء في الأسر العريقة بتجارة أو صناعة أو مكانة أو غير ذلك، حتى يقوم سيد -من فوره- إذا خلا مكان سيد لأي سبب. هو باب من العلم والعمل الجدير تتبعه، وتداول التطبيقات والتجارب فيه، ذلك أن تناقل المعرفة، وإدارتها، ونشرها، سلوك عريق بهي سامي، وهو أليق ما يكون عطاءً وأخذًا، استيرادًا وتصديرًا، بذوي التجلة والنبل من الأسر العريقة، ومن نجبائها الميامين على وجه الخصوص. كن أنت -أيها العريق- منهم!
الرياض- ليلة الثلاثاء 11 من شهرِ جمادى الآخرة عام 1447
02 من شهر ديسمبر عام 2025م
10 Comments
مقال رائع وممتع ودستور حياة..وفقكم الله وحفظكم.
شكرا لكم البروفيسور العزيز
مقالة موفقة وعميقة جدًا
الله ينفع بها ويجعلها كذلك كاتبنا وأديبنا الكريم ماجد
جزاك الله خيرا على هذه اللفتة العظيمة والمفيدة وبارك الله في علمك وجهدك
اسلوب رائع وشيق وممتع
اللهم آمين ولكم الشكر والتحية د.محمد
بارك الله في جهودك ، على العمق، والأسلوب الرشيق، والبصيرة ماشاء الله تبارك الله
مقالة رائعة قراءتها على عجل، قبل دقيقتين من بداية اجتماع عمل مطول … حفظ وحول إلى الأسرة، وجاري العمل بمضمونه إن شاء الله
رعاكم الله ووفقكم أبا إبراهيم وجعلها نافعة لكم ولغيركم
اجزم وانا ادرك اني لست اديبا ولا قارئا ولاحتى مدركا واعي لوعاء الثقافه الكبييير..ولكن ربما التصاقي بوالدي اكثر من 30 عاما والاشراف على مجلسه الثقافي ربما اوجدت نوعا من العبث الادبي..قلت ذلك لاقول بيض الله وجهك ما كتبته هو نص ادبي بليغ يحكي امرا عظيما شائكا فككته بطريقة سردية رااااااااائعه..وكفى
ما شاء الله
مقال أكثر من رائع
لامست حاجة المجتمع
شكراً لك د. أحمد
جهود ملحوظة ومشكورة