خبر فاجع سيطر على وسائل التواصل هذا اليوم. نقل النبأ المفاجئ وفاة الشيخ المفسر المهندس محمد بن عبدالله المقرمي (١٣٧٨-١٤٤٧=١٩٥٨-٢٠٢٥م) الذي انتقل من هندسة الطيران إلى تدبر القرآن الكريم، بعد سنوات من الخلوة والتأمل. فعاش حياته مع كتاب خالقنا، مستدًا إلى السنة النبوية المطهرة في هذا المشوار الزكي، دون إهمال كتب التفاسير والشروحات، لكنه اختار الذهاب المباشر إلى ذلكم المصدر المقدس، وهذا المنهج أولى وأنفع لمن امتلك القدرة على الفهم، وعرف حدوده، ولم يشطح أو يتجاوز إلى الإفتاء في تفاصيل ومعضلات يستنبط الحكم فيها الذين علموا التأويل من العلماء الربانيين فقط، وهو عين ما التزم به الشيخ المفسر.

وقد وفق الله الشيخ المهندس المقرمي لتثوير القرآن الكريم، والغوص في معانيه، فكتاب الله عظيم غزير لا نهاية لعلومه وإشاراته ودلائله، وكل أحد يستطيع تلاوته وتدبره، فهو كتاب رباني ميسر، هو كلام الله العلي القدير، الذي لا يستعصي فهمه على أي أحد من الناس، ولا يستطيع أن يأتي بشيء منه ليس كل الناس فقط، بل حتى لو كان معهم الجن بقدراتهم وخوارقهم، وحتى إن كان بعضهم لبعض ظهيرًا معينًا مخلصًا بغية تحقيق هذه الغاية المستحيلة جزمًا به يقطع المؤمن والعاقل.
كان الشيخ من جيل مسلم نشأ على وجود الأجهزة الحديثة المسموعة والمرئية بمفاتنها الملهية وآثارها المعطلة للتفكر، ثم عاصر الإنترنت وما جلبته من وسائل وتطبيقات وصوارف عن الجدية، فتلك المستجدات شاركت الناس في حياتهم اليومية، ونجم عنها التشتت لكثرة ما ينتقل الواحد من قناة لأخرى، ومن صفحة لأختها، ومع ذلك فتح الله على الشيخ بالتركيز في عبادة الخلوة بالله، ثم الخلوة بكتابه، وتدارسه بما أوتي من قوة في القراءة، وعمق في النظر، وبصيرة في التدبر، ونضج في الفهم، وحب للفهم والتعليم، والفضل لله الذي جعل من شاء من عباده مباركًا.
فأصبح شيخنا منارة من منارات الهدى في العالم الإسلامي، يطلّ عبر صوت هادئ، وصورة بعيدة عن التكلف، ولغة لا زخرفة فيها، وبيئة تخلو من الرفاهية والصخب، فكسى الله بيانه من حلاوة الإيمان، وجلال الصدق، وقوة الحجة، وأثر الذكاء والزكاء، ما يعرفه متابعوه، وكتب له من القبول ما لم ينل عشر معشاره آخرون سعوا إليه بكل وسيلة ممكنة، ولذا تداول الناس لقاءاته ومحاضراته الطويلة أو المقسمة، وتواصوا بالاستماع إليه مع الإنصات والعناية، وحينما نعاه الناعي تداعت له الأحزان في مشرق عالمنا ومغربه، ولم تقف عن حدود بلدانية لدياره التي نسأل المولى القدير لها ولبقية بلاد المسلمين الأمن والنماء والإيمان.

ثمّ غدا الشيخ المفسر أحد دعاة التزكية والتربية بالقرآن، وأحد الذين شاركوا في تنبيه المستمعين والمشاهدين إلى ما في الكتاب العزيز من إعجاز، وحكم وسلوان. لم يكن الشيخ الراحل وحيدًا في هذا الميدان السامي الخصيب، إذ شاركه آخرون سبقوه أو زامنوه، وسيتلوه أقوام وأقوام، فالكتاب المقدس مائدة ربانية لا تفنى منها المعجزات والفوائد، وما أحرانا بالنهل من كتاب ربنا مباشرة، وما أجدرنا بتدارسه وتدبره والبحث عقب ذلك عمّا قاله أئمة التفسير والتدبر، فالقرآن فيه عقيدة، وفقه، وأخلاق، وسير وتاريخ، وشؤون مجتمع وحياة ومصالح للعالمين وغيرها.
كان يمكن للشيخ أن يمتطي مهنته الرفيعة، وتخصصه المطلوب، للتعاقد مع شركات طيران ومصانع ودول، كان يمكنه الخوض في شؤون الدنيا بالتجارة والسياسة والإعلام، وهو خوض يجلب المال والأضواء، كان يمكنه أن ينكفئ على خاصة نفسه حتى لو عاش في رحيق من التدبر ونعيم من الفهم ولذة من الخلوة مع القرآن، بيد أن الله أعانه على الذي هو خير، فصار من جملة أخيار يوصف الواحد منهم بأنه معلم الناس الخير، وصار المقرمي أستاذًا لآخرين لاقوه أو تتلمذوا عليه عن بعد أو اقتفوا أثره، وهي أستاذية نفيسة في إلقاء الدنيا دبر الظهر وخلف الأذنين، والإقبال بالكلية على الله العزيز العليم، وعلى كتابه المهيمن المحفوظ، ونفع الناس الحاضرين والقادمين.

فسبحان من جعل معجزة النبي الخاتم -عليه الصلاة والسلام- معجزة خالدة مرتبطة بالكتاب العزيز الذي هو نص لغوي مقدس، وسبحان من عوّض من اشتغل بكتابه وآياته خيرًا مما ترك، وسبحان الذي أوقف العارفين على معاني لم يسبقوا إليها أو لم تشتهر عن غيرهم، وذلك هو كتاب الله وما يصنعه للمرء الذي خدمه، وأوقف حياته ووقته أو شيئًا منهما على هذا الكتاب المقدس الذي لا يأتيه الباطل من أي جهة، ولا يأتيه في أي وقت، ولا يأتيه من أي أحد، ولا بأي وسيلة.
هذه هي الحياة الدنيا بكل ما فيها من قوة، ومتعة، ومغنم، لا تساوي شيئًا أمام كلام ربنا المسطور في كتابه الحكيم. هذه هي الدنيا المتبرجة بزينتها وفتنتها، فيعمى بها أقوام وأقوام، ويزيد آخرون حتى يبلغوا مرحلة العمه والغواية، فلا تنكشف للواحد منهم الحجب تمامًا، حتى تتجلى حقيقة الدنيا سافرة أمامه بلا غبش ولا احتمال، إلّا حينما يصبح فراشه الدنيوي الذي يمشي فوقه، سقفًا برزخيًا له يعلوه ويمنعه مما يليه وقد كان له فراشًا فيما مضى، فيرى الواحد من موقعه المخيف مقعده الأخروي الدائم غدوة وعشيًا، وعند ذلك يتبين للإنسان قيمة فانية ذهبت ولن تعود، وقيمة باقية بدأت ولن تفنى! وإذ ذاك لات ساعة مندم، فلا أوبة، ولا توبة، ولا إعذار.

اللهم اغفر لعبدك الشيخ المفسر المهندس محمد بن عبدالله المقرمي، ابن تعز، ابن اليمن، ابن جزيرة العرب، ابن أمتنا، الذي توفي صبيحة اليوم الأربعاء بمكة بعد أن طاف على عدة بلاد، وزار أصدقاء وأصفياء ومحبين، وسجل عدة مواد علمية نافعة، منها مادة نفيسة عن قصة تحوله من الهندسة إلى التدبر والتفسير، ثمّ طابت له الدنيا بمقام قصير في المدينة النبوية، وغادرها إلى مكة معتمرًا، حتى لبى داعي الله في تلكم الأرض الحرام المقدسة، وقد توضأ للفجر، وربما فاضت روحه بعد ساعات من الخلوة بالقرآن، ووقت مستطاب من مناجاة العزيز الوهاب، والتضرع بين يديه، تضرع من وعى خطاب الرب الرحمن الرحيم للناس كافه، ولعباده وأوليائه، وابتهال من أحصى الأسماء الحسنى، وتعبّد للإله الحق بها.
الرياض- الأربعاء 05 من شهرِ جمادى الآخرة عام 1447
26 من شهر نوفمبر عام 2025م
14 Comments
غفر الله له ورحمه، وأنزلة منازل الشهداء، والصالحين الأبرار.
قبل أيام حملت محاضرته من الهندسة إلى التدبر، وأرسلتها إلى طالباتي،،،، واليوم بعد صلاة الفجر جاءتني رغبة قوية في مشاهدتها للمرة الثانية.
وما كنت أعلم أنه قبل ساعتين تقريبا قد فارق دنيانا.
شكرا جزيلا لكم دكتور على ما سطرتم في حق هذا العالم الفاضل
رحمه الله، قد والله آلمنا رحيله والله يغفر له ويتقبله.
رحم الله الشيخ المقرمي ..
رحل جسدًا وبقي أثره ..
يعلّمنا أن العظمة تنمو ..
في السكينة ..
لا الأضواء ..
شكرًا للأستاذ العسّاف ..
على تصوير هذا العطاء ..
الروحي الفريد ..
وجمعه للأثر ليبقى ..
حيًّا في الذاكرة ..
وينثر من بركة أقلامه ..
ما يورث القلب ..
دعاءً وامتنانًا .
اللهم آمين آمين
مقالة ماتعة تليق بالشيخ
رحمه الله وتقبله وأسكنه الجنة.
جزاك الله خير الجزاء شيخنا
ما قصرت
اللهم آمين وشكرا لكم يا رشيد
الله أكبر!
رحمه الله برحمته الواسعة، ورفع درجته في المهديين، وخلفه في عقبه في الغابرين، وجمعنا به وبوالدينا وموتانا وموتاكم وموتى المسلمين في مقعد صدق عمل مليك مقتدر.
اللهم آمين ولنا ولكم يا أبا عبدالرحمن
رحمة الله عليه وجعله في عليين ، وجبر المصاب برحيله .. وجزاك الله خيراً وشكر لك على هالمدونة القيمة وما تجريه فيها من معاني الوفاء وجميل المادة المودعة في هذا الوعاء العسافي المبارك 🤍
اللهم آمين آمين ولكم التحية والشكر كاتبنا العزيز سليمان
جزاك الله خيرا أخي الكريم، الشيخ أحمد على هذا التأبين، وهذه الترجمة المختصرة، لكنها، أفيد ما رأيتها كتبت عن الشيخ، لا سيما، ما تفردت به، من ذكر ميلاده، ثم ما قرأته من تدبراته، فجزاك الله خيرا.
وهذه كلمات، كتبتها ارتجالا، فور سماع نبأ وفاته:
#وفاة_علم
أصبحت اليوم، على انتشار واشتهار، نبأ وفاة الشيخ المهندس محمد المقرمي، في مدينة جدة، بعد أدائه العمرة، وزيارته المدينة النبوية.. فإنا لله وإنا إليه راجعون، وأحسن الله عزاء أهله وذويه في فقده، وعزاء الجميع.
وقد أثنى عليه الناس من كل مكان، بل قال بعضهم -ما معناه-: قلّ من سمع له، ولم يترك أثرا في قلبه.
وقد مكثت ليال، أستروح إلى تدبراته وتأملاته، فاسترحت وانشرحت.
وقد كان الفقيد، أسرّ إلى بعض الناس، بل وربما أعلنها في الملأ؛ أنه في شوق للقاء الله تعالى، وفي الحديث (من أحب لقاء الله، أحب الله لقاءه) والله واسع العطاء، عظيم الرجاء، بر رحيم، جواد كريم.
وقد انتشرت تدبرات الفقيد واشتهرت في أنحاء البلاد، وتأثر بها أناس، في عريض الأرض، وقد كان لكلامه حلاوة، وكان صاحب تدبر لآيات القرآن الكريم وتأملات، على بُعد تخصصه عن هذا، فهو مهندس طيران، ولكن، من ناضل وواصل، أدرك الثمرة.
ومن دأب على تحصيل شيء، فتح الوهاب له الباب.
ومن سأل الله تعالى، واستعان به، وتوكل عليه، والتجأ إليه، ورجاه ودعاه؛ أعطاه من خزائنه “وهو الفتاح العليم”.
رحمه الله رحمة الأبرار، وأسكنه جنات تجري تحتها الأنهار.
وكتب: وليد أبو نعيم
١٤٤٧/٦/٥
شكر الله لكم أخي الشيخ وليد والله يرحمه ويعلي درجاته
رحم الله الشيخ محمد المقرمي
كان بسيطًا في طرحه… عميقًا في تدبّره…
يمنحك من الفوائد ما يجعلك تشعر وكأنك تسمع المعاني لأول مرة.
أسلوبه يصل إلى القلب قبل الأذن، ويحيي فيك روح التأمل والسكينة.
شكرا للكاتب الرائع أ. احمد العساف على تسليط الضوء على هذا الشيخ رحمه الله
رحمه الله وشكرا لكم أخي هاشم فقد أحسنت واختصرت في وصفه.