سير وأعلام

عبدالرحمن بن إبراهيم التركي ومشهد ذو مشاهد!

لم أسعد يومًا بمقابلة الشيخ عبدالرحمن بن إبراهيم بن عبدالرحمن التركي (1366-1447=1946-2025م) -رحمه الله-، وهذه من الفوائت التي يندم عليها المرء؛ فرؤية الصالحين، ومن لا يحفلون بالدنيا، تعيد للمرء الاستقرار، والتوازن، وتوقفه على حقيقة الدنيا، والموفق من توقظه. لكني -وما لا يدرك كلّه لا يترك جلّه- قرأت ما سطره عنه نجله الشيخ إبراهيم بن عبدالرحمن التركي في مقال ثري بعنوان: المشهد الأخير للفقيد.. وتركنا عليه في الآخرين، سلام. وقد أحسن الشيخ أبو سلمان فيما كتب من وجوه سيشار إليها في هذا المقال.

مما لفت نظري في سيرة الشيخ عبدالرحمن أنه شهيد ابن شهيد ابن شهيد؛ فهو مبطون، ووالده غريق، وجده مات في هدم وهو يحفر بئرًا وقفًا لله، وهؤلاء الثلاثة من جملة الشهداء الذين ورد النص النبوي الشريف بتحديدهم، ويا لها من سلسلة طيبة رائحتها، ناصعة صورتها، جليلة سيرتها؛ إذ بلغت ذروة السنام أو قاربت حوله، والخير مترابط متناسل بحول الله في هذه الأرومة الذين أولئك هم أوائلها، غفر الله لمن سلف، وحفظ من بقي، وبارك عليهم ولهم.

كما لفت نظري في المقال عدة مشاهد من حياة الراحل، منها الصبر على اليتم ولأواء الحياة، والعراك معها بيقين وصبر. منها العلاقة الوثيقة مع الأخ والأسرة والمجتمع القريب، حتى أن أبواب البيت والمزرعة مفتوحة لمن يقدم على حَرمة، وفي المناسبات، إضافة للحضور والمشاركة الفاعلة في أي اجتماع أسري، وتلك من أعمال العراقة. إن الصلة والتواصل الدائم سمة تدل على الأسر العريقة الكريمة، وهي جليّة في أسرة التركي البدارين من الدواسر، ولها قيمتها عندهم، حتى اتخذوا من الصلة سلوكًا واسمًا لمجلتهم الدورية.

ومما خطف النظر والفكر حسن تربية الأبناء، والتيقظ الباكر للفارق في التوجيه والتزكية بين مجتمع المدينة والبلدة الصغيرة؛ ولذا اختار الأب الشفيق الانتقال من ضوضاء العاصمة إلى هدوء البلدان الداخلية، حتى أصبحت الذرية من الثمار الظاهرة التي تدل على العناية بالغرس، ودوام التعاهد، والتوفيق من الله. يضاف لذلك صدقات وإحسان، وجميل خلق ورحمة، وأوقاف وصلوات، وذكر وتلاوة للكتاب العزيز، وهل أجلّ وأنفع من العيش مع كلام الرب العزيز الغفور سبحانه؟!

كذلك لاحظت أن المواقف العشرين من مشاهد حياة الشيخ عبدالرحمن الواردة في المقال المشار إليه جاءت مروية على ألسنة المعزين بفقده، الباكين على وفاته، ولعلهم أن يكونوا من شهود الله لعبده، وعسى أن يصبح ما ذكروه لسان صدق له في الآخرين، ومن عاجل البشرى لأبي إبراهيم، والسلوان لعائلته وأسرته؛ ومن هذا الباب ما امتازت به جنازته من حشود نادرة لم تتكرر كثيرًا في جامع المجمعة الذي توافد عليه المصلون من الرجال والنساء لوداع شيخ راحل ترك وراءه أثرًا يعبق وخبرًا يتسامى وقدوة تقتفى.

لقد أحسن الشيخ الكاتب إبراهيم بن عبدالرحمن التركي في هذا التدوين الثري محتواه الغزيرة معانيه؛ فهذه الكتابة من ناحية بر بالأب والعائلة والأسرة والمجتمع. هي -من جهة أخرى- إبقاء للمآثر فينا وإشاعة للمفاخر التي بها يفتخر بحق لا جدال فيه. هي مبادرة سريعة محمودة العجلة قبل أن تتآكل الهمة وتفتر بطول العهد والنسيان وكثرة الصوارف وذهاب جمرة الحدث. هي سنة حميدة لكل من يستطيع الرواية أو التوثيق حتى يحفظ مكارم الناس والبيئة الحاضنة لهم، خاصة عقب رحيل الحي منهم، وكل حي -في الغالب- تخشى عليه الفتنة بالمدح، وتقدير المصلحة يعود لمن يتولى زمام الأمر، والثناء على الأموات لا يعني قلة الوفاء مع الأحياء؛ فتلك ثنائية بغيضة لا وجه لها من الصواب الكبير.

ومن حسناتها بيان فضيلة قرب الولد من أبيه وأمه، ومعرفته لتاريخه وقصصه، وسبره لأحواله القديمة والحديثة، وعلمه ببواعثه ودوافعه، وسماعه المنصت للآخرين الذي يخبرون عنه؛ كي تصير الكتابة أوسع وأكثر موضوعية وتأثيرًا وتنوعًا. يزداد حسن هذا الملمح مع كثرة انشغال الأولاد والأحفاد عن الآباء والأمهات والأجداد والجدات، وكم في أحاديث الكبار من أنس وعبر وفوائد ولذة. منها أيضًا النشر بعد الكتابة؛ فمع أن النشر ليس قرينًا لازمًا لكل كتابة؛ إلّا أنه في هذه الحال قرين له أولوية قصوى، وحكمة لا تخفى.

اللهم اغفر للشيخ عبدالرحمن ولمن مضى من آبائه وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، وبارك على الأولاد والذرية الباقية، حتى يخدموا بلادهم ومجتمعاتهم وأسرهم، ويكونوا من الآثار المكتوبة في صحائف حسنات أبويهم. إن الالتصاق بالأبوين واجب يزداد كلما كبرا في السن، ومن مفردات هذا الالتصاق الانصات لهما، وسؤالهما عما يحبان الحديث حوله، فتلك الأحاديث بأصواتها وصورها وتفاصيلها وسكتاتها وبسماتها وتأثراتها ستغدو حنانًا يأوي إليه المرء، وأنسًا يبهجه كلما عاودته الذكرى، أو هزه الحنين، أو أراد الانفصال الاختياري القصير عن الدنيا وما ومن فيها.

ahmalassaf@

الرياض- الجمعة 30 من شهرِ جمادى الأولى عام 1447

21 من شهر نوفمبر عام 2025م

رابط مقال الشيخ إبراهيم:

https://abuslmanalturkl1390.blogspot.com/2025/11/blog-post_14.html?m=1

 

Please follow and like us:

6 Comments

  1. في هذا المقال روح متألقة ..
    وسيرة تشع نورًا ..

    حيث يسرد القلم حياة الشيخ عبدالرحمن بن إبراهيم التركي ..
    رحمه الله ..
    بصوت الحكمة والصدق ..
    فتنبض الكلمات حياة ..
    وتشم النفس عبق القيم ..

    وكأننا نقرأ سيرة تتحدث إلينا عبر الزمن ..
    تحمل عمق الصبر ووفاء الأصل ..
    فتظل دروسها حيّة في القلوب ..
    رغم مرور الزمان ..

    نسأل الله أن يبارك لقلم أستاذنا أحمد ..
    ويزيده علمًا وفكرًا ونورًا في طريقه .

  2. بلا منازع كاتبنا هو محترف العناوين البديعة ف “مشهد ذو مشاهد” العنوان بديع يجمع بين البساطة والعمق؛ تتضمن أن حياة الشيخ كانت مثل مشهد كبير يحتوي بداخله مشاهد متعددة أو لحظات كثيرة مؤثرة.
    دلالة “مشهد ذو مشاهد” من وجهة نظر الكاتب
    * رمزية المشهد: الحياة ليست لحظة واحدة، بل مجموعة من اللحظات المتنوعة (الأحاديث, الابتسامات, التأثر، السكتات)
    – وهذا يعكس عمق الشخصية والتجربة الإيمانية للشيخ.
    * إنسانية وتأثير روحي: الكاتب لا يكتفي بسيرة علمية، بل يركز على الجانب الإنساني والروحي: كيف أن الشيخ كان قدوة، وكيف أن ذكراه تمنح “أنسًا” لمن يفكر فيها.
    * خسارة اللقاء الجسدي لكنها “مكاسب ذهنية وروحية”،
    غفر الله لهذا ‎الشيخ الجليل الذي ينتمي إلى سلسلة من أهل الفضل ممن قدموا تضحيات عظيمة، مما يزيد الشخصية وقارًا وعمقًا.
    ‎وكل الشكر لهذه المقالة وكاتبها حين ختمها بنبرة تأملية تُبرز أثر الشيخ بعد رحيله، وكيف تبقى ذكراه مصدر أنس وقوة لمن عرفه أو سمع عنه.
    رحمه الله وغفر الله

  3. غفر الله له ورحمه، وبارك في ذريته.
    حكمة أن يقرأ من كتب عنه، فيترحم عليه هنا،،، في محلة سيلين ضاحية من ضواحي مدينة الخمس (بضم الحاء) ليبيا.
    والشبه مؤكد أن الشيخ لم يزر ليبيا، وربما لا يعرف عنها إلا الشيء القليل.
    فسبحان من سخركم للكتابة عنه، وسبحان من ألهمني قراءة المقال..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

X (Twitter)