إدارة وتربية

أولئك قوم شددوا…!

دعك من محتوى هذه القصة وانظر لعبرها. حكى لي صاحب لطيف هذه الواقعة قائلًا: انتدبت ومجموعة من زملائي للعمل في منطقة بعيدة عن الرياض شهرًا واحدًا. شهر واحد فرصة لتجديد الشوق لكل شيء، ويمكن تحمله. لكن في منتصف المدة علمت هذه المجموعة من مرجعهم الرسمي بأن هذا الشهر سيتبعه ثان وربما ثالث! فقرر أحد هؤلاء الزملاء -من فوره- أن يتزوج؛ لصعوبة الصبر عليه طيلة هذه المدة، والناس أجناس. لو عرفت بعض الزوجات كيف يتعاملن مع “طفلهن الكبير” في خاصة نفسه لحلّت السكينة في القلوب والبيوت، ولست أبرئ الأزواج من القصور، وللسياق حكمه.

لذا تواصل الرجل مع “خطابة”، وهي مهنة -مثل غيرها- فيها استثمار الحاجة واللهفة واللهاث وتحري السرية على حساب مراعاة الأمانة وخوف الله، ولا أعمم. كانت الغاية من هذا التواصل دلالته على زوجة تناسبه، وقد تولى صاحبي قيادة سيارة زميله الباحث عن عروس، ومعهما الخطابة العجوز وصبيتان صغيرتان من صغار بناتها أو كبار حفيداتها. بالمناسبة كلما كبرت المرأة ازدادت دهاء ومكرًا وتدبيرًا حتى قال الألمان: إذا استحال أمر على الشيطان أرسل له عجوزًا! وهذا تعميم جائر، فكم من عجوز أوابة متبتلة بعيدة عما يسوء.

وقد دخل الرجل الباحث عمّا أحل الله له إلى خمسة عشر بيتًا طلبًا لزوجة دون أن تعجبه أي امرأة من المرشحات للاقتران به، وكأنه هو الكامل من كل ناحية بلا قصور ولا مأخذ، وهذه من أعجب أحوال الرجال، والتوسط أو السير ضمن أطر واضحة أسلم وأكمل، فمن الصعوبة توافر مواصفات مثالية في الجنسين. سبق أن سمعت من عدة شباب أنهم جربوا “الرؤية الشرعية” بضع مرات وأزيد، ولم يكتب لهم مع المخطوبات نصيب، وفي نفسي من صنيعهم المتكرر هذا شيء! لكن ليس هنا مكانه.

بناء على هذا التكرار حلّ الضجر بمرافقي الخاطب والخطابة من هذه الجولة المتعبة، حتى أن الصبية الصغيرة، سألت أختها الكبيرة بتأفف: ما بال هذا الرجل لا يعجبه شيء؟ فأجابت الكبيرة شارحة للصغيرة أسباب الرفض من قبل الخاطب، وكلامهما -آنذاك- يصب في أذن صاحبي الذي آثر الابتعاد عنهما قليلًا لانتظار عودة أمهما وصاحبه من بيت مخطوبة جديدة، ونطقت الكبرى جملتها المعبرة كما لو كان المتحدث بها فارسي فصيح بالعربية!

قالت الكبرى للصغرى: يتحجج هذا الرجل كل مرة بأن هذه المرأة طولها لا يناسب، وتلك جسمها غير لافت، والثالثة لونها لم يبهره، ووقع عمر الرابعة منهن خارج الحدود المقبولة عنده، والخامسة لم ينفتح لها قلبه! ثم أردفت هذه الفتاة بالجملة التي جعلت صاحبي يضحك حتى مع تزاحم الحنق والضيق في نفسه من طول بال زميله، وكثرة تنقله بين البيوت، والجملة بنصها هي: أولئك قوم شددوا؛ فشدد الله عليهم! هذه الكلمة جزء من حديث نبوي حسن كما في ورد موقع الدرر السنية.

فيا قوم: كم من شيء تشددنا فيه دون داع ولا موجب فجاءت  النتائج عكسية! قل ذلك في مسائل اجتماعية، وإدارية، وعلمية، وتربوية، وغيرها. مبعث التشدد في الغالب النصح، وطلب الأكمل، وما كل مريد الخير يبلغه. وربما يكون سببه السمات الشخصية لبعض الناس الذين يحبون الأصعب والأصلب، وما كل أحد يطيق العزائم دائمًا. ومن الأسباب ظنون خاطئة تربط الشدة والتشدد مع القوة، والصرامة، والإنجاز، والصلاح، والهيبة، والتدين، ولن يشاد الدين أحد إلّا غلبه مثلما صح في الخبر.

كذلك من أسباب التشدّد المضاهاة والتقليد وطلب التميز، وهي أبواب من البلاء فتحت على مصارعيها عقب فشو وسائل التواصل. ومما يجلب التشدد إسناد المهام إلى غير أهلها الأولى بها، أو تخلّي أصحاب المسؤولية من الرجال والنساء عن مواقعهم، وربما تبادلهم المواضع، وفي بعض التبادل فساد وعطب! أيضًا من الأسباب الحرص الزائد دون مسوّغ، ومن لطيف ما قرأته أن أحدهم سأل الإمام الشعبي عن تخليل اللحية بالماء، فأخبره بأن التخليل سنة! بيد أن السائل ذهب أبعد وصرح للإمام الفقيه الأديب بأنه يخشى ألّا تبتلّ شعرات لحيته بالماء؛ فأجابه بما يصعقه ويصعق كل متنطع معه حين قال: إذًا انقعها من الليل!

ومن نتائج التشدد الذي عمّ وزاد عن الحدّ  كثرة الإضافات على أعمال ومناسبات وأحداث مما أخرجها عن نمطها الطبيعي، ويظهر ذلك جليًا في مناسبات متكررة مثل الزواج، والزيارات، والعزاء، والولائم الدورية، فأثقلت تلك العوائد الكواهل، وزادت من حدة الحرج، ولم تأت بفوائد توازي ذلك النصب. لقد أفسد ذلكم التوغل الشديد والتدقيق المرعب سجية الحياة وبطئها في نطاقهما المرضي، وقلبت أكثر من عمل واضح ميسر مستقيم إلى نقيضه أو قريبًا منه.

كما يتجلّى التشدد الذي بلينا به في حصر عدد النماذج المقبولة من أعمال ومشروعات ومباني، وبعض هذه النماذج المتاحة لا تناسب بعض الأشخاص أو الأحوال أو الأزمان أو الأماكن بسبب مقدار الحاجة، أو قيمة التكلفة أو غيرها، وكان يسعنا وضع حزمة من الخيارات لمن شاء استخدام ما يلائمه منها بلا حصر يفقد السبب المقنع. وقل مثل ذلك عن الكثرة المفرطة للملاحظات أو الترتيبات والإجراءات، وفي العناية بالأسس وضبطها تصحيح لفرعيات كثيرة، وعلاج لمخالفات كثيرة، وتقصير للمدد، دون حاجة للتعمق في التفاصيل، والسير في إثر كل حركة وسكنة. إن التضييق و “حكحكة” الأمور تشديد لا منفعة ترجى من وراءه، ورحم الله الإمام الشعبي الذي أفتى لرجل محرم بجواز حكّ يده؛ فاستفصل السائل عن مقدار الحك الجائز، فأجابه إمامنا الفقيه الفكه بقوله: حتى يبدو العظم! فلنحم أعظمنا من أن تبدو!

ولم تخل بعض التطبيقات الفقهية والفتاوى من تشدد مع توافر أكثر من وجه وجيه وقول معتبر للسعة بلا ميوعة أو اعتساف، ودون ابتعاد عن أخذ الكتاب بقوة، مع صدق السعي خلف تحصيل رضوان الله ومحبته. إن حياة الفقه بالتجديد وفق الأصول المعتبرة شرعًا، أما الجمود فتشديد وشر لا تعبّد فيه؛ علمًا أنه ليس من الجمود الاستمساك بثبات الأحكام القطعية، وليس من الجمود التقليد لمن عجز عن الاجتهاد الذي لا يملك أدواته إلّا الراسخون من العلماء الربانيين، فالمسألة ليست أهواء تطير مثل ريشة مع أي نسمة عابرة، وإنما هو دين ولسوف تسألون.

فهل يمكن مراجعة كل شيء تشددنا به في خاصة أنفسنا، وفي مجتمعنا، وفي مناسباتنا، وفي مجالات فقهية وإدارية ونظامية وغيرها -شريطة قابليته للمراجعة-؟ ثم نرى إن كان بمقدورنا جني ثمار تلك المراجعة وفتح الأبواب لخيارات أخرى؛ كي نفسح ونتفسح بحكمة قبل أن يقفز الجرئ والأجير والنزق على تلك المسائل؛ فتنخفض بعد علو، وقبل أن تحطم بقوة لا قبل لأحد بها، فتنكسر أبواب بعد طول إيصاد، وقبل أن يدركها التقادم المردي المهلهل مع الزمن فيتجاوزها الناس مضطرون. إن التجاوز الاضطراري له أحكامه، والقفز والكسر كلاهما من أعمال الاعتداء والاستهانة التي يجب الحيلولة دون الأيلولة إليهما.

بقي الإشارة إلى أن وصف التشدد يتترس به المفرطون في نقاش غيرهم، ويدمغون به كل من لم يكن مثلهم حتى لو سار على الصراط المستقيم، تمامًا مثلما يفعل أهل الإفراط بوسم الآخرين بالتساهل والتضييع حتى إذا التزموا بمقتضيات السير على سنن قويم لاعوج فيه ولا أمتًا. فيا قوم: اللهم إنا نعوذ بك من الزيغ مع أصحاب الإفراط والتفريط، ونعوذ بك من الشطط عن الحق وسبيله، ولهذه الاستعاذة -من الزيغ والشطط- قصة مع صاحبي اللطيف وصحب آخرين ربما أرويها يومًا!

ahmalassaf@

الدمام- ليلة الثلاثاء 27 من شهرِ جمادى الأولى عام 1447

18 من شهر نوفمبر عام 2025م

Please follow and like us:

6 Comments

  1. شكرًا لهذا الطرح الذي يردّ القارئ ..
    إلى ميزان الفقه ..
    ورشد العقل ..
    ويسر الشريعة ..

    دام قلمكم نافعًا ..
    وزادكم الله توفيقًا وسدادًا .

  2. بعد السلام عليكم.
    “وقد دخل الرجل الباحث عمّا أحل الله له إلى خمسة عشر بيتًا طلبًا لزوجة دون أن تعجبه أي امرأة من المرشحات للاقتران به، وكأنه هو الكامل من كل ناحية بلا قصور ولا مأخذ، وهذه من أعجب أحوال الرجال” هنا عمم الكاتب في الفقرة الأخيرة دون أن يستشعر فيما يبدو حاجة لمداراة نفسيات الرجال بالمسارعة لنفي التعميم، بينما في هذه الفقرة : “لو عرفت بعض الزوجات كيف يتعاملن مع “طفلهن الكبير” في خاصة نفسه لحلّت السكينة في القلوب والبيوت” استدرك مباشرة بقوله “ولست أبرئ الأزواج من القصور، وللسياق حكمه.”
    وكذلك سارع لنقد التعميم حينما ذكر “القول الألماني” في سياق الفقرة التالية: “بالمناسبة كلما كبرت المرأة ازدادت دهاء ومكرًا وتدبيرًا حتى قال الألمان: إذا استحال أمر على الشيطان أرسل له عجوزًا! وهذا تعميم جائر، فكم من عجوز أوابة متبتلة بعيدة عما يسوء”.
    هذه الظاهرة صارت جلية في العديد من الكتابات والخطب ، ومن باب التحليل النفسي – والعلم عند علام الغيوب- أظن أن الكثير من الرجال صاروا يستشعرون أنهم واقعون تحت طائلة تهمة “الذكورية” لذلك فإنهم ينتبهون جيدا لكلامهم إذا تعلق بالجنس الذي يروج الإعلام لمظلوميته ليل نهار ، بينما إذا كان العكس فالمداراة ليست بذات الأهمية!.
    متى ينتبه الكتاب والخطباء العرب والمسلمون إلى خطورة ترك الساحة للخطاب النسوي خصوصا ونحن نرى ردة الفعل العكسية قد بدأت تظهر على نفسيات الكثير من الرجال في مجتمعاتنا ولعل من أخطر آثارها العزوف عن الزواج والالتجاء لسماع محاضرات الناشطين الأجانب المتصدين للفكر النسوي العفن والتي قد تتضمن أفكارا لا تناسب مجتمعاتنا الإسلامية !

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

X (Twitter)