سير وأعلام قراءة وكتابة

لقاء عن القراءة

أجرت معي مجلة محابر هذا اللقاء عن القراءة، وأنشره مثلما أجبته لهم، ومثلما نشروه فيما أحسب. الغاية من ذلك إعادة تحفيز نفسي، ولعله أن يفيد غيري.

تحية طيبة أستاذنا: نحن نعمل على إعداد العدد السادس من مجلة محابر كما تعلم، ويسعدنا أن تكون ضيفنا في زاوية ضيف العدد لتجربتك القرائية التي يشهد لهافهل تستطع إكرامنا بالإجابة عن بضعة أسئلة قام بإعدادها فريق التحرير؟

بطاقة تعريفية عنك لقراء العدد؟

أحمد بن عبدالمحسن العساف. كاتب ومدرب على الكتابة والتحرير. ألفت عدة كتب، وقدمت برامج تدريبية طويلة وقصيرة عن الكتابة والتحرير وصناعة المحتوى، وكتبت أكثر من ألف وأربعمئة مقال موجودة في مدونتي على الرابط:  https://ahmalassaf.com/

كيف بدأت رحلتك مع القراءة؟

كانت البداية مجاراة لشقيقي الذي يكبرني، ثمّ صارت أمرًا مهمًا في برنامجي اليومي، والحمدلله.

ما هو الكتاب الذي قرأته وأثر على رؤيتك للعالم؟

تحديد كتاب واحد مؤثر ليس أمرًا يسيرًا، والأصل أن لكل كتاب تاثيره في موضوع ما، وليس في الرؤية الكلية التي هي نتاج تربية وثقافة وخبرات يصعب أن يزحزحها كتاب بشري واحد.

ما هو الكتاب الذي تود أن ترى له فيلما سينمائيًا؟

عندما تتحول الكتب إلى مادة مرئية تتغير كثيرًا على الأغلب؛ فكتابة السيناريو الوثائقي أو الدرامي لها ضروراتها، حتى أن بعض المؤلفين لا يصدق أن ذلكم المسلسل أو الفلم هو روايته نفسها! لذلك فعندما يعجبني كتاب أتمنى ألّا يتعرض لمثل هذا التشويه، وأن تستفيد منه المنصات المرئية دون إخلال بمضمونه.

كيف تؤثر القراءة على حياتك اليومية؟

تستقطع القراءة جزءًا من الوقت اليومي، ومن الطبيعي أنها تغير من سلّم الأولويات، وتؤثر على بعض الآراء ولو بالتراكم، وهذه بدورها تؤثر على التصور وعلى التصرف.

حدثنا عن علاقتك بمعارض الكتب، هل ترى أن لها  أثرًا ملحوظًا في نشر عادة القراءة؟

معارض الكتب حدث ثقافي جميل تتزين له الكتب والمكتبات ودور النشر، ويفرح به المؤلفون والقراء، وأثر المعارض في ربط المجتمع مع الكتاب لا ينكر، حتى لو كانت زيارته للفرجة والأنس بهوامش المعرض. وقد سبق لي الكتابة عدة مرات عن المعارض، وعن بعض تجاربي فيها.

يقال أن لكل قارئ طقوس يمارسها أثناء القراءة حدثنا عن طقوسك القرائية؟

بداية الأفضل للقارئ والكاتب أن يكون بلا طقوس كي يستمتع بالقراءة والكتابة على أي حال ممكن، ولا يقع أسيرًا لعادة. مع ذلك أحرص على اصطحاب القلم، والمؤشر، والفاصل، أثناء القراءة، وكذلك على كتابة التعليقات والاختصارات أو الأسئلة وما أظنه صوابًا على حواشي الكتاب. وفي النهاية أسجل تاريخ القراءة ومكانها، وأشير إلى كتابة مراجعة عن الكتاب إذا فعلت.

هل ثمة كتب  تعتقد من  الضروري أن تكون على أرفف مكتبة كل  قارئ؟

لا بد من وجود كتب مرجعية تعبر عن ثقافة أي قارئ وحضارة أمته، إضافة إلى بعض المعاجم والموسوعات، وأمهات كتب الفن الذي يهتم به أو اتخذه تخصصًا له. يضاف لذلك الكتب التي تعدل مزاج القارئ، وتعينه على الانطلاق في حصته المعرفية اليومية.

هل علاقتك بالكتب جعلت علاقتك بالناس أوثق أم أبعد؟

لم أنقطع عن الناس بسبب العلاقة مع الكتب كما شهر عن بعض القراء وإن حجبتني هذه العلاقة عن بعض المناسبات في بعض الأوقات. الشيء الأكيد أن القراءة من الكتب جزء من القراءة التي تشمل قراءة الناس والمجتمعات والشارع والأحداث، وهذه القراءة بمنظارها الواسع ضرورية للكاتب كي لا ينعزل في صومعة الكتب فقط، على أنها صومعة ماتعة لذيذة وأكثر أمنًا ووفاء من غيرها.

هل هناك كتاب  قرأته وتمنيت لو أنك مؤلفه؟

أي كتاب عميق جدير بالخلود يستحق أن يصبح أمنية للقارئ والمؤلف. الحمدلله أن عالم الكتاب فيه كتب قديمة وحديثة، عربية وأجنبية، مختصرة ومطولة، تجبر القارئ على “غبطة” مؤلفها، وتمني إنتاج مثلها أو ما يفوقها.

ما هو الكتاب الذي لن تعيد قراءته ولن توصي أحدًا بقراءته؟

  1. أي كتاب غاص بالأخطاء الطباعية أو النحوية أو الأسلوبية.
  2. أي كتاب فيه معلومات أساسية خاطئة.
  3. أي كتاب فيه زندقة أو تحريض أو سباب أو تفاهة.
  4. أي كتاب يستخف بالمسلمات أو بالمجتمع أو بالقارئ.

هل ساعدتك القراءة في التعرف على نفسك أكثر؟

أعتقد نعم! فتوجه القارئ نحو علم أو مؤلفات بعينها، وتفاعله مع بعض ما في الكتب ربما يكشف له عن تفضيلاته وطبيعته.

كيف تختار  الكتب التي تقرؤها، هل لديك معايير معينة عند اختيارك للكتب؟

لدي اهتمام وبناء عليه أقدّر مدى الحاجة للكتاب، وهذا أحد أهم المعايير. من هذه المعايير قيمة الكتاب في مجاله، وندرته أو فرادة موضوعه، وربما اسم المؤلف أحيانًا، وحاجتي له في البحث والكتابة، ولا أحفل كثيرًا بالتوصيات؛ لكني أقيس ما ينقل عن الكتاب لأحدد هل يهمني أم لا، وهل فيه اللافت النافع أم لا.

هل هناك مؤلف قرأت جميع إصداراته؟

لم يسبق لي ذلك، وأستثني من هذا الحكم أي مؤلف عدد مؤلفاته قليل، فالمقصود هم أصحاب المؤلفات الكثيرة، وهذه القراءة تعني من يتخصص بدراسة مؤلف أو عصر، علمًا أنها ليست موضع اهتمام لي حاليًا.

دائما يُقال أن القراءة رحلة، فهل القراءة توازي السفر؟

السفر انتقال في حدود من الزمان والمكان والإجراءات والمقدرة وغير ذلك، أما القراءة فقد تجاوزت بنا هذه الأطر، وعليه فهي وسيلة نقل سريعة تطوف العالم الحاضر والماضي وربما المستقبل، وتعبر الحدود دون حواجز، وربما تنتقل من بحر إلى جو إلى بر، هي حقًا شيء أعظم من السفر المحدود.

ما هو الفن أو المجال الذي لم تقرأ فيه بعد؟

المجالات والفنون كثيرة، وبالتالي فمن المؤكد أن مالم أقرأ منه وفيه أكثر مما قرأت منه، لكن الشيء الحسن أن المكتبة مترابطة خاصة مكتبتنا العربية والإسلامية التي ضمت علومًا كثيرة في كتاب واحد؛ فمعجم البلدان مثلًا ليس كتابًا في البلدان فقط، وحياة الحيوان الكبرى ليس عن الحيوان فقط، وطبقات الشافعية الكبرى ليست في التراجم فقط، و وتفسير التحرير والتنوير ليس مقتصرًا على التفسير فقط، هكذا.

من هم الأشخاص الذين صنعوا منك قارئًا؟

الفضل لله أولًا وأخيرًا، ولم يكن لأحد بعينه توجيه مباشر، ولا أنكر مآثر الأسرة والمعلمين والأصدقاء لكنها لم تكن الأساس في الاستمرار، وإنما أعانت وشجعت ولو بمجرد التفاعل مع معلومة أو طريقة طرح.

أيهما أكثر متعة لك أن تقرأ أو أن تتحدث عما قرأت؟

كلاهما؛ فكلاهما قراءة، والثاني يصلح أن يكون مشروعًا للكتابة. وفي الحديث عن المقروء فرصة للنقاش والاستفادة من الآراء، وتثوير الأسئلة، وفتح أبواب للنقاش، وكلما تقدم المرء في العمر زادت لديه الرغبة في الحديث خاصة إذا وجد من يستمع.

هل شغف القراءة يأتي مع المرء بالفطرة أم هواية  تكتسب؟

لا أظنه فطرة، والغالب أنه مكتسب، لكن البيئة المحيطة والمجتمع وما يسود فيه عوامل مؤثرة في هذه المسألة.

هل تفضل القراءة الجماعية أم الفردية؟

لم أجرب القراءة عبر الأندية أو الجلسات المشتركة، والقراءة تتكئ على الشخصية وبالتالي فهي عمل فردي صرف بالأساس، وبعد ذلك يمكن مشاركة المقروء أو النقاش فيه مع آخرين. قد يحدث الاتفاق على قراءة كتاب والحوار حوله؛ لكنها أحوال نادرة، وفي بعضها يكتشف المرء أن بعض المشاركين لم يقرأوا أو اطلعوا على الكتاب بسرعة أو اقتبسوا مما كتب عنه، وهذه كلها لا تنفع في بناء عملية مثاقفة متينة عميقة، وهي إلى عريض الدعوى أقرب من روح العلم وأمانته.

ما هو أكثر مجال تحب القراءة فيه؟

السياسة الشرعية والقانون، علم الاجتماع والتاريخ السياسي، اللغة والكتابة، السير والتراجم. طبعًا هذا لا يقصي غيرها، وهي ليست على الترتيب.

هل هناك كتاب أعدت قراءته أكثر من مرة، وما رأيك بإعادة قراءة الكتب بين حين وآخر؟

نعم! عدة كتب قرأتها غير مرة، ولو وجد الوقت لأعدت كتبًا أخرى. ينسب للعقاد قوله إن قراءة كتاب واحد ثلاث مرات أفضل من قراءة ثلاثة كتب، وأظن بأن المرء لا يستطيع قراءة الكتاب أكثر من مرة وهو نفسه في المرة السابقة. يعني قد أقرأ مقدمة ابن خلدون الآن، ثم أعيد القراءة بعد خمس سنوات، ومن المؤكد أن القارئ بعد خمس سنوات يختلف عن نفسه قبلها، وبالتالي فهما قراءتان لا قراءة واحدة. ومن هذا الباب قراءة أكثر من طبعة وتحقيق، لا يمكن أن تعد على أنها قراءة أخرى.

هل القراءة جعلت منك كاتبًا؟وما هو أثر القراءة في تطوير كتاباتك؟

أتصور أن نعم إلى حد كبير. القراءة زاد مهم وأساسي لأي كاتب، والكتابة بدون القراءة محض خواء أو هراء، وأستثني من ذلك من أوتي عمقًا ذهنيًا وجودة نظر، وهم بالمناسبة أفراد قلة، يعتمدون على عقولهم وتجاربهم وربما على ماسمعوه، ولو أضافوا لها نعمة القراءة لأصبحوا من أعظم الكتّاب وأخلدهم.

رسالة توجهها لمن لا يقرأ؟

في الدنيا جنان منها جنة القراءة والكتاب فلا تفوّت على نفسك فرصة الاستمتاع بهذه الجنة على الأرض، وسارع من فورك لدخولها.

هل هناك قدوة لك في عالم القراءة تثق باختياراتها؟

أنعم وأكرم بالقراء وعالمهم واختياراتهم، ولا أحب قصر نفسي على أحد، وأحث القارئ على الاستقلالية الرشيدة المبنية على أصول وأسس، البعيدة عن الغرور والكبر والعناد. طبعًا هذا لا يمنع من تقدير آراء أهل الخبرة، ومعرفتها، لكنها قد تكون متحيزة أو اجتهاد غير موفق، ولا مناص من وزنها بميزان القارئ الخاص.

ماذا علمتك القراءة؟

علومها المباركة لا تحصر في جواب واحد، ولعل بعض هذه العلوم قد أشير لها فيما مضى.

كيف تكون القراءة سلمًا من سلالم النجاح؟

قراءة ما يفيد في المجال، والمستجدات، واستخدامها الاستخدام الأمثل، يجعلها كذلك، والمهم جمع النجاح في الدنيا مع الفلاح في الآخرة.

كلمة أخيرة توجهها لقراء العدد.

أشكركم لبلوغكم هذا الموضع أولًا، وأتمنى قياس الإجابات السابقة بناء على احتياجاتكم وتجاربكم ثانيًا، وثالث أمر وهو الأهم أن تكون علاقتكم مع الكتاب والقراءة دائمة ومنتجة لآثارها، والله يوفق الجميع.

 ahmalassaf@

الرياض- الخميس 26 من شهرِ شوال عام 1446

24 من شهر إبريل عام 2025م

Please follow and like us:

6 Comments

  1. فنّ الأجوبة البديعة؛ ربما هي المرة الأولى التي اقرأ فيها لقاء نتعرف فيها على كاتبنا الأنيق عن كثب في هذه المدونة الآسرة، الأجوبة البديعة التي تدل على عمق القراءة النقدية للقارئ الممتلئ بروافد المعرفة الأساسية، وجمال الأفق الواسع في كتاباتك او ردودك دون تكلف او تصنّع،تطوّع القلم لكتابات تحلق باللفظ عاليا وتطير بنا نحو الأفكار والمعاني التي تسمو بذائقتنا.. لقاء تمنيت من فرط إعجابي به ألا ينتهي!

  2. مقال ثري وهادئ ..
    يحمل من العمق ما يليق بكاتب عاش مع الكتاب عمرًا ..
    ووهبه قلبًا ووقتًا ووعيًا ..

    قرأت مقالكم وأجاباتكم أستاذي ..
    فوجدتُ فيها رصانة القراءة الحقيقية ..
    متزنة صادقة بعيدة عن الادعاء ..
    وقريبة من جوهر المعرفة ..
    التي تُبنى بالتدرّج لا بالتزيين ..

    وقد لفتني حديثكم عن القاعدة والمنهج ..
    أكثر من التفاصيل ..
    فالتفاصيل قد تنفع فردًا أو حالة بعينها ..
    أما المنهج فيهدي قارئه طريقًا عامًا يستفيد منه الجميع ..
    يأخذ كلٌّ بقدر نضجه ..
    واتساع وعيه ..
    وعمق بصيرته ..

    شكرًا لكم أستاذي على هذا الثراء الجميل ..
    وعلى روحكم التي تحسن استقبال الكتاب والقارئ معًا ..
    وعلى التذكير بأن القراءة ليست هواية عابرة ..
    بل سلّم ترتقي به الروح ..
    ويتهذب به العقل ..
    وتتسع به الحياة ..
    ويزداد به المرء فهمًا لنفسه ..
    وللعالم من حوله ..

    دام عطاؤكم ونفع الله بكم ..
    وجعل ما تقدّمونه نورًا لا ينطفئ ..
    وعملًا تبقى بركته ما بقي الحرف .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

X (Twitter)