هذا يوم جديد في حياة الزميل والصديق عبدالله بن مزهر بن جلوي الحديد (1385-1447=1965-2025م) -رحمه الله وغفر له-، وقد آل إليه بعد معاناة مع المرض اشتدت وطأتها عليه في آخر شهر، حتى رحل عن عالمنا إلى الحياة البرزخية التي ستبدأ بعد الصلاة التي ستقام عليه عصر اليوم الخميس في جامع الراجحي بالرياض، ثم يدفن عقب ذلك في مقبرة النسيم، فاللهم ألهمه حجته، وثبته بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ويوم يقوم الأشهاد. هذا اليوم الجديد هو مصير كل واحد من بني أبينا آدم -عليه الصلاة والسلام-.
من مزايا أبي عبدالرحمن ولعه بالعمل، ونفرته من الفراغ، حتى أنه يتضايق من يوم بلا عمل، ولا يفزع من خوض الصعاب؛ ولذا بادر بعد تخرجه في جامعة الكويت إلى العمل الميداني، رافضًا الجلوس في المكاتب، وغايته من ذلك الاحتكاك بالأجانب، والتقاط اللغة الإنجليزية منهم، وهو الأمر الذي ناله حتى أصبح يتحدثها ويكتبها مثل دارسيها. ومن حسناته ترفعه عمّا لا يحسن قوله أو فعله، وابتعاده عن مواطن الحرج، وقد وقفت بنفسي معه عند رجل أساء الحديث مع آخر، فانسحب أبو عبدالرحمن من فوره، ولم يسأل عن الخبر مع أن الفضول البشري قد يدفع للبحث عما وراء كلمة ذكرها المسئ. وكنا مرة معًا في اجتماع ميداني، رافقنا فيه زميل ثالث، وقد لمز هذا الزميل أحد الغائبين المتخالفين مع أبي عبدالرحمن، فأوقفه وأسكته ونهره مثنيًا على إخلاص الغائب، وإجادته لعمله.
ومما أشهد له به، أن الرجل نزيه حريص على المال العام، وكم من مرة ومرة سعى للحصول على تخفيض سعر، أو مراجعة كميات. كم من مرة ومرة تمنى لو يستطيع اتخاذ إجراء -لصالح العمل والموازنة- كما كان يفعل في القطاع الخاص قبل التحاقه بعمله الحكومي، وكنت أقول له بأن نظام المشتريات الحكومية لا يتفق وهذا الإجراء، وقد عرف عنه ذلك الحرص من تشارك بالعمل معه من الخبراء بالأنظمة المالية مثل الزميل البر الأمين الأديب محمد بن عبدالله القاضي. وقد قلت له مرة عندما همّ بتصرف إداري: لا تفعل! ذلك أن المتربصين سيحاولون قلب الأمر عليك، مع أنك تهدف لتحقيق مصلحة مالية، بيد أن النظام المعمول به لا يسعفك، فوافق على ذلك مع تحسره على فوات فرصة لزيادة التخفيض في المصروفات.
ليس هذا فقط، بل لديه تحرّز شديد من أي شبهة فساد مهما صغرت، وقد أبطل بمتابعته مثل هذه الأمور التي قد يحدث بعضها في أي إدارة تتعامل مع قضايا المال والمنافسات وعمليات الشراء، فضبط التعامل مع الشركات والموردين بما يضيق من سبل الحيدة عن طريق الرشاد. ومن باب التحرز والحذر من التحيز أنه لا يقبل تعيين أي موظف جديد إلّا بعد التأكد من أهليته، وخلو مسار توظيفه من المصالح الفئوية أو غيرها، وكان يسترشد برأيي ورأي آخرين قبل المضي في هذا الشأن طلبًا للصحة والدقة والموضوعية.
لذلك حرص على تنويع التكوينات المجتمعية للعاملين معه، ولم يتعصب لفئة أو تكوين. قال لي مرة: تأملت فلاحظت غياب صنفين من المجتمع عن إدارتنا هما كذا وكذا، وكم تمنيت لو وجدت من كل صنف منهما شابًا ذا أهلية يرغب في العمل معنا لتوظيفه حسب الحاجة حتى تكتمل صورة المجتمع الواحد في عملنا. وهذا الإنصاف غاب عن بعض مناوئيه الذين انتقلوا هربًا من صرامة أبي عبدالرحمن، وكان هذا الزميل فاجرًا في الخصومة لدرجة العدوان على الخصوصيات ونشرها، وتجاوز خلافات العمل إلى الحياة الشخصية، وعندما انتقل ذلكم الزميل وحلّ مكانه آخر في مكتبه وجد فيه العشرات من ملفات طالبي التوظيف، وهم من فصيلته التي أسرف في توظيفها بدون حقٍّ أو بحق أحيانًا، وليت أن هذا المقال يصله كي يستغفر لراحلنا قبل أن يلتقيا عند المولى الحكم الملك الواحد القهار.
أيضًا امتاز أبو عبدالرحمن بشخصية صارمة جدًا، جادة للغاية؛ ولأجل ذلك لم يرق لبعض من لا يستطيع التعامل مع هذا الصنف من الإداريين، ومن الطبيعي أنه لن يعجب من كان مصابًا بداء “الزيغ” الإداري بالتفلت والتأخر وتمطيط ما لا يقبل التمديد خاصة ما تعلّق بمصالح الناس وصحتهم. ومع ذلك كنت أنصحه دائمًا بالهدوء وشيء من اللين، وأن يخفض من صوته المرتفع خِلقة؛ فيجيبني مبتسمًا قائلًا: “أنا شدّ بلد”، ويضيف ما معناه: والله لا أستطيع فعل ما أشرت عليّ به مع إيماني بنصحك وصواب رأيك.
يقودني هذا للإشارة إلى أني وإياه كنا نختلف إداريًا، ومع ذلك فلم يكن بيننا ما يتجاوز هذا الاختلاف الذي يعرفه كل واحد منا، وتحدثنا به معًا صراحة، وعرفه بعض من كان حولنا من زملاء ومسؤولين. من أدلّ الشواهد على أن اختلافنا لم يكن شخصيًا أن علاقتنا استمرت بل زادت واستوثقت خاصة بعد تفرق كل واحد إلى وجهة عمل جديدة. أما أثناء العمل فلم أكن بعيدًا عنه أحيانًا فيما يتخذه من قرارات، أو فيما يكتبه ابتداء أو جوابًا، أو فيما يعرض من مستجدات، حتى لو كان الرأي بيننا مختلفًا؛ فابو عبدالرحمن كان حفيًا باختلاف التنوع، ويراه من التكامل المحمود.
كما كان صاحبنا حريصًا على المسائل الشرعية في العبادات وأركان الإسلام على وجه الخصوص سواء فيما يخصه أو يخصّ من حوله، وكان برًا بوالديه وكباره، محبًا لإخوانه وأخواته، حسن التربية لأولاده، جميل الصحبة لزوجته التي بادلته مشاعر الوداد والثقة حتى لو حاول بعض الأفاكين استئجار امرأة كي تقول لها زورًا عبر الاتصال الهاتفي: إن زوجك قد خطبني! وهذه ميزة عظيمة لأبي عبدالرحمن، الذي عمل في مكان تتكاثر فيه النساء؛ فكان عف الضمير والخاطر والبصر والإزار، وميزة جليلة لزوجه وابنة عمه التي لم تصدق مستأجرة كاذبة خلفها أكثر من كاذب آثم.
كذلك سعى أبو عبدالرحمن لتنمية نفسه ثقافيًا عبر القراءة الورقية والإلكترونية والسماع والنقاش، وحمل في نفسه هموم مصلحة بلاده وقومه وأمته بلا مواربة ولا تردد. ومن لطفه معي كثرة تعليقاته على ما أكتبه، واجتهاده في إحضار بعض الكتب التي طلبتها، أو إيصال كتب مني لآخرين في الكويت. ومن خبري الثقافي اللطيف معه، أني كتبت مرة له رسالة طويلة عنوانها “حكاية إسطوانة”، وهي سرد قصصي لواقعة عمل، فتبنى موقفي، وصعّد الرسالة للمسؤولين، وتحمل معي تبعاتها، ولم يتركني أصارع وحدي، لثقته بسلامة موقفنا، ولأنه ناضج إداريًا، ولا يتهرب من المسؤولية أو يلقيها على غيره.
ثمّ بعد تفرقنا، أصبحنا نجتمع كل أسبوع تقريبًا في مجلسنا الدوري كل جمعة، وكان أحد الثابتين فيه، فكسب محبة المشاركين في المجلس لأدبه ووضوح رأيه وتفاعله مع ما يحدث للآخرين. وعندما حلّ به المرض، انقطع عن أغلب لقاءاته وظلّ مستمرًا على الحضور الذي يسعدنا، وترافق معه نجله البار عمر، وأحيانًا بعض أنجاله وإخوانه وأقاربه، وقد وقع خبر مرضه، ثمّ تدهور وضعه الصحي، ونبأ وفاته مغرب أمس الأربعاء علينا جميعًا أشدّ ما يكون، والله يتقبل ما دعي له به، وما استغفر به عنه.
أكتب ذلك شاهدًا لأبي عبدالرحمن، قبل أن أقف حزينًا دامع العين أمام جثمانه، قبل أن أصف مصليًا مع الناس خلف جنازته، قبل أن أنتظر متزاحمًا مع المشيعين حول شفير قبره، قبل أن أهوي إلى الأرض مهيلًا التراب على جسده المودع في مثواه البرزخي، قبل أن أمدّ يدي مصافحًا بنيه وآله معزيًا باكيًا، فاللهم اغفر لأبي عبدالرحمن، وارفع درجته، واجعل ما أصابه تكفيرًا ورفعة، وأحسن العزاء لأولاده، وزوجه، وإخوانه وأخواته، ولأنسابه وأصهاره، ولأقاربه وزملائه ومحبيه، ولقبيلته خاصة الحبلان من عنزة، القبيلة العربية الكبيرة الأصيلة.
الرياض- الخميس 22 من شهرِ جمادى الأولى عام 1447
13 من شهر نوفمبر عام 2025م
34 Comments
أخلصتَ في الوفاء والذكر ..
فكان مقالك بلسماً للذاكرة ..
ووفاءً لصاحب الفضل ..
كتبتَ فأحسنت ..
وسردتَ فأنصفت ..
وأبقيت ذكر الرجل حيًّا ..
في قلوب من قرأ ..
بما خطه قلمك ..
من صدقٍ وعرفان ..
رحم الله أبا عبدالرحمن ..
وغفر له ..
ورفع منزلته في عليين ..
وجعل ما قدمه من أمانةٍ ..
وإخلاصٍ في عمله ..
شاهدًا له لا عليه ..
وجزاك الله خيرًا ..
على حفظ الجميل ..
وصدق العاطفة ..
وجعل هذا المقال ..
في ميزان حسناتكما ..
ومنح كاتبه أجر الوفاء ..
ومكتوبَه أجر الإحسان ..
يارب العالمين .
اللهم آمين ولكم يا علياء
جزاك الله خير كفيت ووفيت
صديق صادق وكاتب صائب
الله يغفر له ويرحمه ويسكنه الجنة 🙏🏻
يارب ولكم الشكر والتحيةأخي فهد
احسن الله اليك وغفر لاخينا ابي عبدالرحمن مغفرة واسعة
زاملته في مدينة الملك فهد الطبية وما علمت عنه الا كل خير ولعل الله طهره بالمرض فيلقى الكريم خفيفا ..
احسن الله عزاءك
آمين وشكرا لكم
كتب الله اجرك اخي احمد العساف وجعل من جابوك في الجنة رحمة الله عليك يا ابا عبدالرحمن 😔
اللهم آمين
لاحول ولاقوة الا بالله
أحسن الله عزاكم وغفر الله لبو عبدالرحمن وجعل ما أصابه تكفير له ورفعة للدرجات الله المستعان
اللهم آمين
رحم الله العزيز الغالي ابو عبدالرحمن، وجزاك الله خيراً وانت نِعم الصديق
يارب ولكم الشكر
مساك الله بالمسرات وأحسن اليك
اسأل الله ان يغفر له ويسكنه فسيح جناته ويتجاوز عنا وعنه
اللهم آمين وإياكم يا محمد
جزاك الله خيرا على ما كتبت ودعوت .. فأجدت وابدعت وذكرت صفات رائعة عند اخينا يرحمه الله ..
قراته يوم امس وقد ذكرت هذا المقال لابناءه في عزاءنا لهم البارحة فاسأل الله ان يرحمه ويغفر له.
آمين ولكم الشكر
غفر الله له🤲؛ كتاباتك العزائية هي عزاء آخر لقلبك ولكل محبيه..يذهلني كيف تكتب بحزن فتخرج الكلمة صادقة كلها وفاء لوجع هذا الفقد .. لا أفقدك الله أيها النبيل عزيزا وحبيبا ولا أذاقك الله همّ ولا غمّ..
اللهم آمين
جزاك الله خير الجزاء
ورحم الله ابا عبدالرحمن وغفر له
وأحسن الله عزاءكم وعزاء أبناءه وأقاربه وعظم أجركم
كتبت وأجدت ونعم الصديق أنت عندما تكتب عن زميلك هذا الوصف
الرائع ببلاغة وصدق..
عرفتكما وتعاملت معكما وكلاكما مخلص في ما أوكل إليه
وسلام على الدنيا إذا لم يكن بها
صديق صدوق صادق الوعد منصفا
دمت بخير.. تقبل تحياتي
الله يرعاك يا عبدالرحمن ويبارك فيك ويغفر لزميلنا
أويبلغ اللؤلم هذا المبلغ !!
يخربون البيوت،لخلافات شخصية.!
نعم والله يعصمنا ويعصمكم
جزاك الله خير ونعم بالصديق الوفي
اللهم اغفر لاخي عبدالله ابو عبدالرحمن واجعل قبره روضة من رياض الجنة
اللهم آمين يا نواف وأحسن الله عزاءكم
جزاك الله خير ونعم بالصديق الوفي
اللهم اغفر ل اخي عبدالله ابو عبد الرحمن وارحمه واجعل قبره روضة من رياض الجنة ولا تجعله حفرة من حفر النار وأدخله الجنّة،
اللهم آمين وأحسن الله لكم العزاء يا نواف
أتقدّم لك بخالص الشكر والتقدير على كلماتك الصادقة عن والدي رحمه الله.
أنا ابنته، وقد لامست كلماتك قلوبنا لما حملته من وفاء، واحترام، وتقدير لشخصه.
رحيله كان مؤلمًا لنا، لكن شهادتكم فيه تمثّل عزاءً كبيرًا وتؤكّد ما عرفناه عنه دائمًا من طيبة، وأخلاق رفيعة، ومواقف لا تُنسى.
وجود أصدقاء أوفياء مثلك يخفّف وطأة الفقد، ويمنحنا امتنانًا عميقًا لكل من شاركنا هذا الحزن النبيل.
جزاك الله خيرًا على مشاعرك، ودعواتك، ووفائك له.
ونسأل الله أن يرحمه رحمة واسعة، ويجعل ذكراه طيبة دائمة في قلوبكم وقلوبنا
رحمه الله وغفر له وأحسن عزاءكم.
كان أبوك رجلا بمعنى الكلمة، ولنعم الرجل.
الله يجمعكم على خير يا ريم، ويوفقكم لإدامة عمله الصالح بالدعاء له دون انفطاع.
الله يرحمه ويغفر له عبدالله مزهر طلع نسخة من طيبة ولطافه ابوه مزهر …الله يرحمهم ويغفر لهم ويجعل مثواهم الجنة .
الله يغفر لهم ويرحمهم
شكرا لك اخ احمد لذكرك الطيب عن ابو عبدالرحمن جعل الله ذالك الوجه في جنات النعيم
آمين غفر الله له
شكر الله لك كلمات الوفاء والوداع لأبي عبدالرحمن غفر الله له و أعلى منزلته
وخلفه في أهله،،،
أطلعتنا على جوانب من شخصيته رحمه الله لم أكن أعرف بعضها.
رحمه الله، وشكر الله لكم أبا محمد.