أصدر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- أمرًا ملكيًا بناء على مقترح من سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان– وفقه الله- يقضي بتعيين الشيخ د.صالح بن فوزان بن عبدالله الفوزان -سدده الله- مفتيًا عامًا للمملكة العربية السعودية، ورئيسًا لهيئة كبار العلماء، ورئيسًا عامًا للرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء. بهذا الأمر قُطعت تكهنات وتوقعات و”تخرصات” عقب وفاة المفتي السابق الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ -رحمه الله-. هذا الاختيار دليل فيه تكرير التأكيد على التحري والنصح للعلم والناس والبلاد من لدن ولاة الأمر؛ فالشيخ من مدرسة علمية لها أصولها وسماتها وتاريخها، ومنهجها الواضح في التعامل الذي يجمع الكلمة، ويئد الفتن، ويحفظ لأصحاب الحقوق حقوقهم مع بيان ما يجب عليهم بيانًا شرعيًا مناسبًا.

ولد الشيخ صالح ببلدته الشماسية في القصيم عام 1354، ووالده أمير عليها، ووالدته حفيدة مفتي الديار النجدية الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن أبا بطين (1194- 1282= 1780-1865م) -رحمه الله- الذي ذاع ذكره الطيب، وشاع خبر علمه الغزير، خاصة في الدولة السعودية الثانية التي عمل قاضيًا فيها، وتبوأ مكانة عليّة في الإفتاء لدى عامة الناس وخاصتهم. إن هذا الانتساب ليؤكد لنا أن الخير متوارث متناسل متى وجد الرعاية والتوجيه، وأن المحتد الكريم من عوامل حفظ فروعه بعد توفيق الله، ثم حسن التعاهد وصدق الدعاء، وهذه سنة حميدة لدى الأسر العريقة، كي تتواصل أمجادها، ولا تنطمس مآثرها فضلًا عن اسمها.

من الملامح الظاهرة لدى الشيخ د.صالح الفوزان أنه تلقى العلم بشتى السبل المتاحة، فمن الكتاتيب إلى المدارس الابتدائية، ومنها إلى المعهد العلمي فكلية الشريعة، ولم تقف به الهمة عند هذه الحدود مع أن الجامعي حينها عملة نادرة ثمينة، ومطلب وظائف ومناصب؛ إذ واصل دراساته العليا في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ونال منها درجتي الماجستير والدكتوراة، وأصبح له سبق الأولية بهاتين الشهادتين في تاريخ الجامعة التي جعلت العلم الشرعي لها أولوية، وبه تُعرف وتتميز، والحكمة تدعو إلى التمسك بأي باب خير وبركة يُفتح للشخص الطبيعي أو الاعتباري، فلا يفرط فيه، أو يقدم غيره عليه، مهما توهجت وتزينت تلك الأشياء، فالأصل العميق القديم له عبقه وقيمته وأثره وفرادته.

ثمّ تسامت همة الشيخ إلى ثني الركب في حلق أكابر علماء العصر في المملكة، سواء من أهلها في هيئات العلم، والقضاء، والحرمين، والجوامع، أو ممن احتضنتهم البلاد واستقطبتهم؛ فبلادنا قبلة شريفة مقدسة، والعلم الشرعي هو الأعلى والأسمى، وهما ببعضهما يليقان. وبعد أن فتح الله عليه صار للشيخ نصيب وإسهام في التعليم النظامي بالمعاهد والكليات، وعقد دروس في المساجد والبرامج العلمية الموسمية، وإلقاء محاضرات عامة، ومشاركات إعلامية لافتة مسموعة ومرئية وشبكية، وتأليف نشط للكتب، وقريبًا سوف تجمع كتب سماحته في أزيد من مئة مجلد. كذلك استمر الشيخ خطيبًا لجامع الأمير متعب بن عبدالعزيز -رحمه الله- أكثر من عقدين، وأقام فيه دروسه، وعندما رغب في ترك الخطابة حرص الأمير متعب على إبقائه مع تيسير جميع ما يرتبط بعلاقته مع الجامع التي أضافت له صفة علمية، وحضورًا في سجل التاريخ العلمي المحلي والإقليمي.



بناء على هذا الجهد أصبح للشيخ صالح فتاوى منتشرة في داخل المملكة وخارجها، وهذه سمة مهمة امتاز بها علماء السعودية ومن تبوأ منصب الإفتاء والمسؤولية الدينية منهم؛ فقدر بلادنا في تاريخها وموقعها وواقعها أن تكون واجهة للعالم الإسلامي، فهي مهد الرسالة، ومأرز الإيمان، ومهوى الأفئدة، وقبلة المسلمين، وموضع لا تنقطع عنه الرحلة للحج والعمرة والزيارة، إضافة لتأثير قيادتها عالميًا، ووفرة أسماء العلماء والمعاهد والكليات ودور النشر والبرامج والمجامع والمؤسسات الرسمية والعالمية التي تختص بشؤون المسلمين، وهذه مزايا تجعل البلد أمام نواظر العالم، ولذا انشغلت وسائل عالمية وإقليمية بشغور منصب المفتي مدة يسيرة، مثلما شغلت فيما مضى -وفيما سيأتي- بما يصدر منهم، أو بما يعرضون عنه.

وإن الشيخ صالح لسليل مدرسة علمية توارثت العلم والفهم والحكمة، لها أصولها الثابتة، وسماتها المعروفة، وتاريخها الطويل، فهي مدرسة ممتدة من مئات السنين، ولديها صلات علمية متينة مع جوارها فما وراءه، ثمّ جاء هذا الانتقاء الملكي ليؤكد اعتزاز البلاد بمدرستها الشرعية، وهو اعتزاز يحافظ على الثوابت، ويطمح للتجديد فيما يسوغ فيه التجديد، حتى تشرق شمس العلم على أنحاء العالم، وتزول كدارة الجهل، وتنقطع آثار التعجل، ويزول أي لبس أو خلط، وتقترب القلوب، وتتوحد المواقف من أجل خير البلاد والمسلمين والمسالمين، ونصرة الحقّ والدفاع عنه.


إن العلم المتين، مع الفكر الراشد، والإعلام المنضبط، والحضور الواعي، والمتابعة اليقظة، والتفاعل الذكي، ليصنع من المؤسسة الدينية كيانًا حيويًا له كلمته المسموعة، التي تقمع الباطل والزيف والغلو والإرجاف والإرجاء. إن أي تجديد منتظر ليصب في هذا الباب وزيادة، متوافقًا مع إصلاحات محلية كثيرة مستمرة في مجالات شاملة، ونواح عديدة، ولعل اختيار عالم يحمل شهادة عليا كي يحمل أمانة منصب المفتي ورئاسة هيئة كبار العلماء ورئاسة الإفتاء أحد مفردات التجديد المثمر المتوقع، بما يعظم من النفع والتأثير الحميد، والموازنة الشرعية المراعية للمصالح المعتبرة؛ فيزداد المهتدي هدى، ويعود المبتعد إلى جادة الصواب.

وقد حاز الشيخ محبة ولاة الأمر وثقتهم، ونال التزكية من علماء كبار مثل ابن باز وابن عثيمين وغيرهما، وشهد له معاصروه بالعلم والرسوخ كما روي عن الشيخين عبدالرحمن البراك وعبدالكريم الخضير، وأوقع الله للشيخ المحبة والقبول، حتى أوقف رجل الأعمال النبيل الشيخ عبدالله العثيم محفظة وقفية باسم الشيخ صالح يعود ريعها لجمعية البر الخيرية بالشماسية. وبالمقابل وفق الله الشيخ صالح لسلامة القلب نحو أشياخه ومعاصريه وأقرانه، فكان يجلّ سماحة المفتي الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ، ويبدي حزنه بعد وفاة الشيخ صالح اللحيدان، وأما الأشياخ الكبار فشأنه معهم شأن لا يستغرب من التوقير والمحبة والدعاء -رحم الله الجميع وغفر لهم-.

كما أعان الله الشيخ صالح ففتح عليه في التدريس والتأليف، فله دروس علمية كثيرة، وأجيال من الطلبة الأوفياء داخل المملكة وخارجها، وآمل أن يبادروا لإثراء سيرة شيخهم وبيان طريقته ومنهجه، وله عدد جم من المؤلفات والفتاوى التي ستجمع في منتج واحد تتجاوز مجلداته المئة، ولهذه الأعمال العلمية شهرة وانتشار، وأذكر أني سمعت شباباً في معرض الكتاب بالقاهرة يسألون بحرص ولهفة عن كتب مشايخنا -ومنهم الشيخ الفوزان-، ثمّ انفتل أحدهم، وهو شاب متوقد، والتفت نحوي قائلًا: كل العلم عندكم! وسمعت ممن شارك في معارض الكتب بالجزائر والعراق وغيرهما عن إقبال لافت على الكتب الشرعية السعودية، ومنها مؤلفات الشيخ صالح. إن المسؤولية عن زيادة إبراز علمائنا مشتركة بين أكثر من جهاز، وحقيق بالكافة التعاون لتحقيق هذه الغاية، والقبول من الله مأمول ومرجو.

أسأل الله ربي العليم القدير المهيمن، أن يسدّد سماحة شيخنا المفتي د.صالح بن فوزان بن عبدالله آل فوزان، وأن يلهمه الصواب ويكتب له التوفيق المحالف في كل شأنه؛ فإن منزلة العالم، ومكانة المفتي، تجعل الأعناق له مشرئبة متطلعة، والعيون إليه شاخصة ناظرة، كما قال الإمام أحمد في موقف الثبات العظيم الذي صيّره إمام أهل السنة والجماعة؛ لأنه المصابر المرابط على ما يعتقد أنه الحق في ساعة الفتنة وزمنها. اللهم اكتب للشيخ صالح الخير والعون، وأعظم منه البركات والمحامد، هو وسائر إخوانه من العلماء العاملين الناصحين.
الرياض- الخميس غرة شهرِ جمادى الأولى عام 1447
23 من شهر أكتوبر عام 2025م
4 Comments
ما أعظم أن يُبقي الله في الأمة مناراتٍ كهذه ..
تُضيء العقول قبل الطرق ..
وتغرس اليقين في زمنٍ كثُر فيه الاضطراب وندر فيه الثبات .
إنه لمن أسمى ما قرأ القارئ أن يجد مقالًا يجمع بين الإنصاف والوفاء ..
ويروي صورة عالمٍ راسخٍ ..
وعهدٍ عادلٍ متين ..
بأسلوبٍ يجمع بين الدقة التاريخية وروح الأدب ..
وفقه العلم .
لقد أحسن أستاذنا الكاتب إذ كتب بعين المؤرخ ..
ووجدان الأديب ..
وفقه العالم ..
فأنصف القامة ..
وأعلى المقام ..
وجعل الكلمة مرآةً للحق وجمال البيان ..
حفظ الله شيخنا صالح الفوزان ..
علَمٌ راسخ ..
وخلقٌ سامٍ ..
وبيانٌ يفتح القلوب قبل الأسماع ..
نسأل الله أن يمدّ في عمره على الطاعة ..
وأن يرزقه الصحة والعافية والقبول ..
وأن يجزيه عن علمه ودعوته خير الجزاء وأوفاه .
إن هذا النص يليق بعصرٍ تُكرّم فيه المآثر بالعلم ..
وتُحفَظ فيه المناصب بالكفاءة ..
وتُكتب فيه القرارات بمداد الحكمة والعدل ..
تغدو الكلمة هنا شاهدًا على وعي كاتبها ..
ودليلًا على زمنٍ يُعيد للعلم مكانته ..
ويكرّم العلماء بما يليق بعلمهم وبهاء مَقامهم ..
ويُعلي الإفتاء ويرسّخ هيبته بين الناس .
وجزى الله خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز ..
وولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان .. خير الجزاء ..
على اختيارهما الموفّق ..
وحرصهما الدائم على أن يتصدر أهل العلم مواقع الإفتاء والقيادة الشرعية ..
مما يعزّز مكانة الدين ..
ويصون هوية الأمة ..
ويحفظ توازنها وثوابتها .
دام قلم أستاذنا منارةً تُضيء الدرب ..
وتُحيي في القلوب صدق المعنى ..
وهيبة الكلمة .
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
آمين وشكرا لكم
بارك الله فيكم، على هذا المقال الشافي الوافي، وما تضمنه من إشارات وإلماحات نحو الخير لبلادنا وأنها قبلةالعلم
شكرا لكم وبلادنا مصدر نور وخير