عرض كتاب قراءة وكتابة لغة وأدب

دروس في صناعة الإنشاء

أكره -مثل كثر غيري- التبعية الحضارية، خاصة في العلوم التي توصف بأنها “إنسانية”، وهو وصف يجمع عدة فنون مما يُقبل الناس على قراءته وشراء كتبه؛ لعظم الحاجة إليه، ودوامها. هذا الكره للاستلاب الحضاري لا يعني ألبتة قطع الصلة بتراث الأمم والحضارات الأخرى. غاية ما هنالك ألّا نكون عالة عليهم، وألّا نكتفي بما لدى الدول الناهضة ماديًا فقط، ففي بلدان العالم الأخرى مغانم علمية، وتراث جليل، مع ضرورة الفحص والتمييز، ومعرفة النافع والأصيل مما سواهما.

أكتب ذلك مزهوًا بكتاب حديث الصدور عنوانه: دروس في صناعة الإنشاء للعلامة اللغوي عز الدين التنوخي (1307-1386= 1889-1966م)، وقد اعتنى بهذه الدروس وقدم لها د.عبدالرحمن بن حسن قائد، وصدرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب عن دار آفاق المعرفة عام (1447=2025م)، ويقع في (355) صفحة مطبوعة على ورق نباتي محبب، مع خيط فاصل، وكم أحب الفواصل التي تساعد على القراءة، وضبط مواضع التوقف!

يتكون الكتاب من فاتحة جاءت في أربعين صفحة، جعلها د.عبدالرحمن أشبه بالتمهيد للكتاب معرفًا بفن الإنشاء وما ألف فيه، مع الترجمة للمؤلف، ثمّ حديث عن الكتاب وعمل د.قائد فيه، وهو عمل جليل جدير بالثناء. وبعد هذه الفاتحة يأتي الكتاب من كلمة المصنف وجزءين، في كل واحد منهما ثمانية فصول، وهما متقاربان في عدد الصفحات، وتتلوهما الملاحق وعددها ثمانية، ثم فهرسان فيهما المترجمون من العرب، والمترجمون من العجم، وعليه فالكتاب اعتمد على تراثنا الأصيل، ولم يترك الاستمداد من الآخرين، وهذه خطة رشد، ومنهج محمود.

ذكر المؤلف التنوخي في كلمته التي كتبها في المحرم سنة 1346 التي يصادفها شهر تموز عام 1927م -يعني قبل قرن من الآن- أن هذا الكتاب هو أول كتاب عربي من نوعه، وقد صنفه بناء على طلب ساطع الحصري مدير المعارف العام؛ كي يكون مرجعًا لطلبة المدارس في الثانويات ودور المعلمين والمعلمات. لذلك طالع المؤلف أمهات الكتب العربية والأجنبية، تحقيقًا لغاية نفيسة، تخدم هذه الصناعة الشريفة، وتنفع أبناء العربية.

عنوان أول جزء من الكتاب: الاستعداد العام، وفيه فصول ثمانية. أول الفصول يتحدث عن فائدة الكتابة والحاجة إلى الإنشاء، فهو ذو بال في تنمية ملكات العقل، وحدد الفصل الثاني عدة أصول للإنشاء منها الوضوح والذاتية. وحمل الفصلان الثالث والرابع عنوان الجزء الأول نفسه، وفيهما حث على التأمل والثراء اللغوي، واختص الفصلان الخامس والسادس بموضوع المطالعة مع التركيز على الأدب، وذهب آخر فصلين إلى المعاني حكمًا عليها، وترجيحًا بينها، فالكاتب ذو ذائقة، وعنده ميزان من اللغة والفكر، وحري به الارتقاء بمعانيه ومبانيه حينما يكتب.

 أما الفصل الثاني فعنوانه: نصائح عامة، وفيه مثل سابقه ثمانية فصول، أولها عن تحري المعاني، والثاني عن طريقة العثور على الخواطر، وهو فصل مهم فالفكرة من أكثر ما يحتاجه الكاتب. وقد كرر الفصل الثالث هذا الأمر بتوسع جمع مع المعاني خطة الكتابة، وجاءت الكتابة بما فيها من لغة وشرح وألفاظ وصيغ وجمل ونحو في الفصول الثلاثة التالية، ثم وقف الفصل السابع مع الجملة وقفات مهمة كي تصبح رشيقة وتسلم من الثقل، وختمت الفصول بثامنها عن المراجعة الذاتية أو على أستاذ، وهي من أجلّ مراحل الكتابة حتى صرّح كتاب عالميون بما خلاصته أن حقيقة الكتابة تكمن في إعادة الكتابة، ومن تجربة ففي الإعادة تدريب، وتعليم، وتجويد، واستحياء للنقد الذاتي الذي يصيب الكاتب بمغيبه مقتل!

لم يكتف د.عبدالرحمن قائد بهذا العمل على نفاسته؛ بل أضاف له ملاحق فيها مقالات عن الكتاب، ونقد له، ثم رد على هذا النقد، ومقال للمؤلف التنوخي عن تعليم الإنشاء، وآخر حول تصحيح الإنشاء، وختمها بمقال للشيخ علي الطنطاوي عنوانه: كيف تكون كاتبًا؟ ليس هذا فقط ما جاد به د.قائد على القراء وعلى مكتبتنا العربية والإسلامية، إذ نشط لبعث كنوز كثيرة من مراقدها، بل استخراج بعضها من مدافنها، بل جمع الشتات وصنع منه مادة لم تكن من قبل شيئًا معروفًا، وتلك يد علمية وأدبية كريمة منه على السابقين، والمعاصرين، والقادمين.

لقد كنت فيما سلف أجد حرجًا وأحتار حينما يسألني سائل عن كتاب مفيد جامع يخص موضوع الكتابة، ومنشأ الحيرة ليس من بعدي عن هذه المادة والمطبوع من كتبها؛ فمن فضل الله أني قرأت الكثير الكثير منها، وكتبت عن بعضها، لكني لم أجد كتابًا عربيًا مثل هذا، يأتي على المسألة الكتابية من أغلب جوانبها، فضلًا عن كونه مأمونًا في معانيه وألفاظه التي لم تلوثهما عجمة أو هجنة أو استغراب، وعسى أن تتيسر لي فرصة عرض بعض درره لاحقًا. هنيئًا للكتّاب والكاتبات هذا الإصدار الذي سيجدون منه بعد الاعتزاز بتراثهم القديم والقريب: التعليم، والإسعاف، والتحفيز.

ahmalassaf@

الرياض- ليلة الأربعاء الثلاثين من شهرِ ربيع الآخر عام 1447

22 من شهر أكتوبر عام 2025م

Please follow and like us:

2 Comments

  1. كم هو جميل أن نقرأ عرضك للكتاب أستاذنا الكريم ..
    فتشعر أن الكاتب الأصلي كسب قارئًا مخلصًا يقدّر فكرته ..
    وأن القارئ كسب ناقدًا نزيهًا يفتح له باب الفهم الرحب دون وصاية ..

    لقد كتبتَ فأجدتَ ..
    وأجدتَ فأثريتَ ..

    في قراءتك ياأستاذ أحمد تتجلى الأصالة والمعرفة ..
    والعمق والدقة ..
    فتمدّ الجسور بين التراث والفكر المعاصر بلغة سامية تُرضي العقل وتزيد الإدراك وضوحًا ..

    ننتظر بمشيئة الله تعالى متابعة عرض الكتاب وبشغف ..
    حيث يتجلّى في أسلوبك حضور المعلم ..
    وأدب الأديب ..
    وصفاء الفكر ..

    دمتَ قلمًا من أقلام الوعي الراقي ..
    تكتب بعينٍ بصيرةٍ ..
    وقلبٍ مخلصٍ للعلم والأدب ..
    تكتب بصدق النية وصفاء الرؤية ..
    وتعيد للأدب مكانته في زمن ازدحمت فيه الكلمات وقلّ فيه البيان ..

    لك أستاذي خالص التقدير والامتنان على ما تجود به من فكر راقٍ ..
    وأسلوب متقن ..

    نسأل الله أن يبارك فيك وفي علمك ..
    وأن يجعل ما تكتبه شاهدًا لك يوم تلقاه ..
    وأن يجزيك ووالديك خير الجزاء على ما غرست من فكر طيب وأثر باقٍ في نفوس قرّائك ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

X (Twitter)