سير وأعلام عرض كتاب مواسم ومجتمع

أطباء من آل الشيخ وطبيبات

وصلني من عدة أصدقاء من أسرة آل الشيخ ملف مكون من ورقات، وهو متداول باحتفاء وتقدير داخل أسرتهم العريقة. عنوان هذا الملف: قائمة أطباء أسرة آل الشيخ، جمعه وأعدّه الأستاذ المثقف المتوقد، عبدالله بن محمد بن عبدالله بن عمر بن إبراهيم بن عبدالملك بن حسين آل الشيخ، ولا غرو فهو الذي حاز المناقب الحميدة من أبويه وأسرتيهما، فجمع العلم مع الأدب، والسمت الجميل مع الصبر على السؤال، وطول الأناة والتحري.

إن مثل هذه الخدمة العلمية والتاريخية التي سعى بها جملة من الكرام داخل أسرهم أو في بلداتهم، مما يُحمد لهم؛ لأنها مبادرة ذاتية دون عائد يُرتجى، بل يدرك النصب من تصدّى لها، وأحيانًا يكون نصيبهم كبير من التعب والإجهاد الذي يصيبهم بلا طائل، وعلى حساب أعمال أخرى، وفوق ذلك فقلّما “يسلم” من يتطوّع لمثل هذا المشروع من انتقاد حتى لو كان المنتقِد من أقل الناس تعاونًا معه! هذه الإشكالات المتكررة في الأعمال الأسرية لم تحل دون قيامها، ولم تمنع الخيرة البررة من خوض لججها برًا بالأسرة، ورغبة في الصلة، وتجسيرًا للعلاقات، وابتغاء الأجر -أحسبهم-.

بزغت فكرة إعداد هذه القائمة من حوار دار بين جامعها وعميد أطباء أسرة آل الشيخ د.عمر في مجلسه الأسبوعي مغرب كل أحد، ثمّ عزم أبو محمد على تتبع القائمة وتحديثها، مستعينًا بعد الله بوالده الشيخ محمد، وكل الصّيد في جوف الفرا؛ فهو المصدر الرئيس لها، إضافة لما وجده كاتب هذه الورقات في قائمة منشورة بمجلة الصلة الخاصة بأسرتهم في أحد أعداد عام (1428)، وفيها ثلاثة عشر اسمًا لأطباء من الأسرة وطبيبات، علمًا أن هذه المجلة كانت من جهود الشيخ إبراهيم بن عبدالرحمن بن عبدالله آل الشيخ (أبو عبدالإله)، فللشيخ إبراهيم أعمال جليلة لخدمة الأسرة، بإعداد شجرتها ثم تحديثها أربع مرات، والقيام فيما مضى على عدة قوائم ونشرات من مجلة الصلة إبان صدورها قبل عقدين تقريبًا، وهي المجلة التي حفظت سير كبار السنِّ من الأسرة، وتراجمهم، وبعض اللقاءات معهم. 

وقد نظرت في القائمة الحديثة الآنف ذكرها نظرة الجذل المسرور، فهي تخصّ أسرة أصيلة نبيلة من أهم الأسر في الجزيرة العربية خلال ثلاثة قرون مضت حتى يومنا، وتُعنى بحصر الأطباء في بيت اشتهر أهله بطلب العلم الشرعي، فجمعت الأسرة بذلك البراعة في أجلّ علوم الآخرة وهي علوم الشريعة، وفي أنبل علوم الدنيا وهو الطب، وهما -أي الفقه والطب- علمان زكاهما الإمام المطلبي العبقري الشافعي إذا كانت ذاكرتي سليمة، وكان يتحسّر على تفريط المسلمين بالطب، هذا التفريط الذي كاد يودي بحياة الإمام الذكي المازري على يد طبيب يهودي في الأندلس؛ لولا وقوف الطبيب -مضطرًا- عند لوازم شرف المهنة!

استبان من هذه القائمة أن عدد الأطباء والطبيبات من أسرة آل الشيخ الذين تمكن صاحب الورقة من حصرهم قد بلغ خمسًا وخمسين طبيبًا وطبيبة، منهم اثنان وثلاثون طبيبًا، وثلاث وعشرون طبيبة، فيهم أربعة طلاب وأربع طالبات، وسبعة تخصصوا في طب الأسنان، منهم خمس طبيبات، وانتشر البقية في تخصصات عدة كما سيتبين، والمهم هنا أن العدد الكلي المحصور تضاعف خلال عقدين أكثر من ثلاث مرات، وفي هذا دلالات لافتة، منها تطور الطب والتعليم الطبي داخل المملكة، وبروز أطباء السعودية بمهارة وحذق.

ويظهر كذلك أن وجود الطبيبات من هذه الأسرة العلمية قديم غير حديث، وهو غير مستغرب منهنّ؛ فعمتهنّ فاطمة بنت الشيخ محمد بن عبدالوهاب عالمة تدّرس في منزلها. وهذه القائمة النسائية جزء من جملة براهين تنفي عن مجتمعنا وبلادنا الفِرى الكثيرة أو المبالغ بها فيما يخصّ المرأة، وهي شنشنة يساعد بعضنا على تكرارها من الآخرين عالمًا أو غافلًا، والحكمة تقتضي الصدود الصامت عمّن يثيرها، وتقليل الاحتفاء بأي منجز يرتبط بالمرأة، فالاحتفاء المبالغ فيه يجعلنا كأننا نثبت هذه التهمة، فالأصل في عراقتنا ومبادئنا أن المرأة مصانة مكرّمة، وأي خطأ لا نقبله ولا نرتضيه، ولا ننخدع بتعميمه، وكم في الشانئين المبالغين من سوءات ومخازٍ تلجمهم، وتنكسهم على أعقابهم، والشيء بالشيء يذكر، فقد كان جواب سماحة الشيخ ناصر الراشد، ومعالي الشيخ محمد بن جبير، عن أسئلة كل مرجف شرقي أو غربي بخصوص المرأة: لديّ عدة بنات يحملن شهادات عليا في تخصصات مختلفة!

 كما اشتملت هذه القائمة على أم وابنتها، وعلى أخوين اثنين، وعلى أخ وأخته مرتين، وعلى أخوين وأختهما. ولاحظت أن ستة أطباء وطبيبة واحدة تخصصوا في طب الطوارئ، وهو تخصص مهم، والحاجة له ماسة، والاهتمام المحلي به حديث نوعًا ما، ويحتاج لقوة قلب، واستعداد دائم، وإلمام بتخصصات شتى. أما بقية التخصصات فنجد أن الطبيبات توزعن على أقسام مثل النساء والولادة، والأطفال، والمخ والأعصاب، والروماتيزم، والعناية المركزة وغيرها، تمامًا مثلما توزع الأطباء على ما سبق إضافة لأقسام أخرى مثل الجراحة، والطب الوقائي، والعيون، والأورام، والأوعية الدموية، والطب النفسي، والجلدية، علمًا أن أول طبيب من الأسرة هو د.عمر بن عبدالعزيز بن عبدالله بن حسن آل الشيخ، وهو من “آباء” تخصص الجلدية في المملكة، ومن الأسماء المعروفة في المنطقة، وتخرج في جامعة فيينا عام (١٩٨٣م)، وحضر والده الشيخ عبدالعزيز حفل تخرجه، وقد يكون الوحيد من هذه القائمة الذي أصدر سيرته في كتاب حتى الآن.

إن المنتظر من هذا الجهد الطيب أن يتواصل بالتحديث، وأن ينصرف إلى حقول أخرى من أصحاب العلوم والمهن والمواهب والمناصب والمآثر، وألّا يقتصر على الطب والهندسة؛ فهذا الاقتصار إجحاف وتضييق دخل علينا من الشاشة وعبر الأعمال الدرامية العربية، وفيه إقصاء مرّ لعلوم مهمة نظرية وعملية. وعسى أن يكون هذا العمل الرشيد نواة لكتاب دوري عن أسرة آل الشيخ، لعلّه أن يسهم في حث الآخرين على فعل ذلك بتنشيط هذا الباب من التآليف، وأن يغرس في نفوس الأجيال قيمة العلم النافع نفعًا يتجاوز الذات، وأن يكون سببًا في حفظ التاريخ والتراجم، والدعاء لمن سلف منهم بالرحمة والغفران، فهذا من الواجب لهم على من بقي أو جاء بعدهم.

ومما قرأته في كتاب عنوانه: “التراجم المختارة للإمام عبدالله وأبناءه وبعض أحفاده”، من إعداد: عبدالله بن عبداللطيف بن محمد آل الشيخ، أن الشيخ الجليل العلّامة محمد بن الشيخ عبدالرحمن بن الشيخ عبدالله بن شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب، قد كان ذكيًا متوقدًا متفوقًا؛ ولذلك اختارته الحكومة المصرية للدراسة في كلية الطب، بيد أنه تململ منها فشفع له والده عند الخديوي حتى نقلوه لكلية الهندسة المدنية؛ لكنه لم يكمل الدراسة بسبب وفاة والده، وخروجه إلى نجد، وللشيخ محمد (1254-1344) رسوخ في تعبير الرؤى، وتحفظ عنه الأعاجيب في هذا العلم.

أخيرًا، فمما أذكره وإن نسيت الراوي وجميع أطراف الحكاية، أن أحد وجهاء آل الشيخ، ذهب مع ابنه العائد للتو من دراسة أحد التخصصات خارج المملكة، وقصدا مجلس شخصية محلية مهمة، وبعد السلام ظلّ صاحب المجلس ينظر للفتى، ويقول: ” من آل الشيخ، وليس له لحية، ويدرس غير الشريعة!”، ومقولته هذه على سبيل التعجب، وهو “تعجب” لا محلّ له؛ فليس واجبًا على الجميع دراسة علم واحد، وعلوم الدنيا مفروضة على الكفاية التي تسدّ الحاجة، ودارسها المحتسب مأجور. أما اللحية التي قد تختفي من الوجه أحيانًا -مع الاعتراف بحكمها الشرعي ووقارها- فربما لا تغيب آثارها عن قلب معمور بالأوبة والتبتل والتأله والإخلاص، والله يطرح البركة فيمن درس الشريعة وعلومها فهي الأشرف والأسمى، وفيمن درس غيرها من فنون وعلوم نحتاجها، ووفقهم المولى القدير لحسن القصد وصواب العمل.

ahmalassaf@

الرياض- الثلاثاء 22 من شهرِ ربيع الآخر عام 1447

14 من شهر أكتوبر عام 2025م

Please follow and like us:

2 Comments

  1. ليس هذا مقالًا عابرًا ..
    بل وثيقة فكرٍ ووفاء ..
    رسمت ملامح زمنٍ تتجدد فيه القيم وتُبعث فيه المعاني من جديد ..

    بورك قلمكم الذي لا يكتب إلا بما يؤمن ..
    ولا يختار إلا ما يسمو ..

    ما أجمل أن تُثمر الشجرة علمًا ..
    وأن يكون الطبّ بعضًا من ملامحها النبيلة ..
    لا مهنةً فحسب .. بل رسالةً متوارثة تُورِث الرحمة قبل الخبرة ..

    إنه مقالٌ يروي حكاية عائلةٍ جعلت من العلم سلالةً طيبة ..
    ومن الخدمة الإنسانية ميراثًا عريقًا ..
    ومن الأخلاق تاجًا على رؤوس أبنائها ..

    إنها لوحةٌ من الوفاء والمعرفة ..
    تُثبت أن الجذور الطيبة لا تُنبت إلا ثمارًا يانعة بالعطاء ..

    بورك الكاتب على هذا التوثيق الملهم ..
    وبوركت تلك العائلة التي جعلت من الطب عبادةً ومن العطاء حياةً ..

    فهنيئًا لكل قلمٍ يُنصف النور حين يراه ..
    ولكل بيتٍ جعل من الخير إرثًا يُتوارث جيلاً بعد جيل ..

    وهكذا هي السعودية حين تكتبها الأقلام المخلصة ..
    تجعل من الإنسان عنوانًا للنبل ..
    ومن المرأة رمزًا للعلم والرحمة والعطاء المتجدد .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

X (Twitter)