سير وأعلام

عندما نعى الناعي نصيف!

وأنا أدخل إلى مستشفى من مفاخرنا الطبية في بواكير صباح اليوم، وصلتني رسالة جوال من الأستاذ الوفي عبدالله بن صالح المرزوق، ينعى فيها صاحب المعالي الشخصية والوظيفية الدكتور عبدالله بن عمر نصيف (1358-1447=1939-2025م)، بعد سنوات قضاها على فراش المرض، والله يجعلها له رفعة وتطهيرًا، ومنحة ربانية له بكتابة عمله الصالح الذي كان يعتاده وهو صحيح معافى مقيم.

فتداعت إلى ذاكرتي عدة مواقف لي مع الدكتور نصيف، مع أني لم أسعد بمقابلته أو معرفته مباشرة، والله يخلف عليّ وعلى من يقرأ بخير. فأول موقف تذكرته، أني حين رمت الكتابة عنه وجدت من تفاعل الناس الكثير الكثير، وهو ما يُفتقد في أحوال أخرى حتى لو أظهر الشهود موافقتهم الأولية على الحديث، فبعضهم يذهب بك ذات اليمين، وذات الشمال، ثم لا تظفر منه بمعلومة إلّا بشق الأنفس، أما د.نصيف فكان شيئًا مختلفًا كليًا.

لم يبادر الشهود للحديث بمجرد طلبي منهم فقط، بل سارع بعضهم إلى اقتراح أسماء إضافية، وأرسل لي كرام نسخًا من مجلات ولقاءات وروابط. أزيد من ذلك، أني حينما استأذنت من غير واحد بالإشارة إلى أسمائهم رحبوا غاية الترحيب، مع أني في مواقف أخرى أواجه الاشتراط بإغفال ذكر الاسم الذي يروي، مع أن المرويات عادية جدًا، والمكتوب عنهم شخصيات معروفة مقبولة رسميًا وشعبيًا.

ومما أذكره أن جلّ الشهود كانوا يتكلمون بحماسة وإقبال، بل أني كنت في المكتب استمع لحديث أحد الرواة الهاتفي، وقد رفعت صوت المكبر، وهو يتحدث بعاطفة بكى على إثرها، ودخل ابني ساعتها ولم أستطع خفض الصوت، ولا إخبار المتحدث بوجود شخص آخر كما أفعل مع كل من أتواصل معه ويكون المكبر مفتوحًا، حتى وقف الابن متأثرًا من دموع الرجل، وجيشان عاطفته الصادقة، وقد سرني حين أعلمني ذلكم الراوي العزيز بأنه قرأ المقال الأول على شيخنا وهو في المشفى، فأسعده ذلك.

ليس هذا فقط، بل قادتني الكتابة الأولى عن معاليه إلى ثانية وثالثة حوله، مما جعل أحد المؤلفين المؤدبين يتصل بي للاستئذان في نقلها والإفادة منها، والمقال الأول منها تحديدًا حقق رقمًا قياسيًا في عدد القراء. وليس هذا؛ إذ كانت الكتابة عن معاليه طريقًا للكتابة عن والدته المعلمة القانتة الصالحة “مريم” أو “صديقة”، والكتابة عن شقيقته الأستاذة الجامعية والداعية المباركة د.فاطمة، وعقب ذلك أرسلت لي د.كوثر كابلي عدة نسخ من كتابها عن “أمهم صديقة”، فوصلت لعدة بيوت ومحاضن تربوية نسائية، والأجر سيدرك أستاذنا الجليل الراحلبكرم من المولى وفضل.

ثمّ إني بعد الكتابة الأولى عن معاليه، تواصل معي مباشرة أحد المحبين مقترحًا الكتابة عن معالي الشيخ أ.د.عبدالله التركي، وهو مدير جامعة ووزير ورئيس للرابطة ومستشار في الديوان الملكي، فوعدت خيرًا، والعجيب أني بعد الفراغ من صلاة الفجر صبيحة تلك الليلة، وحين خرج أكثر الناس، جاء إليّ مؤذن مسجدنا يقترح الكتابة عن معالي الشيخ التركي، فقلت له نويت وقد وجبت فكان كما وعدت.

‏وبعد شهور زرت أحد القضاة الفضلاء في مزرعته، فقال لي: جميل ما كتبته عن الدكتور نصيف، وحينها كنت قد نشرت المقالات الثلاثة، فمتى تكتب عن الشيخ ابن جبير؟ فوعدته وأنجزت وعدي بالكتابة عن أول رئيس لمجلس الشورى الجديد، ولم تكن الكتابة مقالًا واحدًا فقط، بل عدة مقالات ربما تصل إلى أربعة مقالات، فلا أحصي عددها بالضبط الآن.

‏كما عدت أحد المشايخ الكرام على إثر وعكة صحية، وكنت معه وحيدًا في مجلسه، فقال لي: قرأتُ ما كتبته عن د.نصيف، وهو يستحق وزيادة، فلم لا تكتب عن الشيخ ابن صالح؟ فأردت تنشيطه بالوعد الصادق، وهو الذي تم بالكتابة عن إمام المسجد النبوي ورئيس محاكم المدينة النبوية نصف قرن من الزمان. الطريف في الأمر أن هؤلاء الأعلام الثلاثة من “المجمعة”، والذين اقترحوا الكتابة عنهم لم يكونوا من المجمعة.

بل إن المقال الذي دفعهم للمقترح كان عن علم كبير ليس من المجمعة، وهذا من فضل الله علينا في هذه البلاد أن جعلنا على قلب واحد. والشيء بالشيء يذكر، إذ تواصل معي قارئ لا أعرفه، وبعد السلام والشكر والثناء قال بلطف: لم لا تكتب إلّا عن أهل القصيم ونجد؟! فقلت له بعد الإجابة عن مشاعره وشكره على التواصل والصراحة وأدب العبارة: لقد كتبت عن شخصيات من جميع مناطق المملكة، وآخرها ثلاث مقالات عن نصيف! فانبهر الرجل واعتذر، ومع ذلك قلت له: لاتثريب عليك، ولك أن تعلم أني كتبت عن بضع شخصيات من مدينتك كذلك! فتعجب أكثر وكرر الاعتذار. طبعًا بالنسبة لي هذا الموقف ومثله غير مستغرب، فبعض القراء لا يبحث، ويستعجل في الاعتراض أو الإيراد أو النقد، ولو تمهل وتروى لتكشفت له حقائق كان يجهلها.

 

رحم الله صاحب المعالي والمناقب د.عبدالله بن عمر نصيف الذي كان موضع الثقة من ملوك المملكة وأكابر أهلها، وسيصلى عليه عصر اليوم في جامع الجفالي بجدة، ويدفن بمقبرة الأسد فيها. رحمه الله، وثبته بالقول الثابت، وأحسن عزاء أهله ومحبيه، وأدام فينا الفضلاء والنبلاء ورجال الدولة الكبار، الذين يخلف بعضهم بعضًا، ويكمل اللاحقون ما ابتدأه السابقون والراحلون من خيرات ومحاسن وأعمال؛ ولا غرو فنحن مجتمع العراقة، وبلد الأصالة، ومنبع الرسالة، وموئل الدين.

ahmalassaf@

الرياض- الأحد 20 من شهرِ ربيع الآخر عام 1447

12 من شهر أكتوبر عام 2025م

Please follow and like us:

4 Comments

  1. ما أجمل أن يكتب القلم ..
    عن رجالٍ خُلقوا من معدنٍ نادرٍ ..
    لا تصقله المناصب ..
    ولا تبهته الأضواء ..
    رجالٍ صمتهم حكمة ..
    وحضورهم بركة ..
    وسيرتهم وطن من القيم ..
    رحم الله معالي الدكتور عبدالله نصيف مضى الجسد ..
    وبقي عبق عطائه ..
    وصدق كلماته ..
    وضياء أثره ..
    وبارك الله في قلمكم ..
    إذ أنصف التاريخ ..
    وأيقظ في القلوب شجن الوفاء ..
    لمن يستحقه .

  2. تحية طيبة
    قرأت مقالاتك التي تناولت بها شيئاً من مسيرة الفقيد عبد الله نصيف وقد كان لها وقع في القلب وأثر .. فشكر الله لك وجعلها لكم ذخراً وكتب لها القبول والأثر المبارك ..
    وإني لأتذكر نباهته في الحلقة التي أقيمت لدينا بالقريات من حلقات الحوار الوطني منذ قرابة عشرين عاماً وحين حان وقت الصلاة والجمع كبير جداً .. واتفاجأ وهو يتلفت وينادي باسم القاضي طالباً أن يتقدم للصلاة بهم إماماً، فعجبت له كيف لم تفت عليه هذه اللفتة الدقيقة بأن قاضي البلد والحاكم الشرعي فيه هو الأحق بالإمامة، فلم يرتض إلا أن يصلي القاضي بهم،
    سجل بهذا الموقف رسالة مؤثرة ذات دلالة ومرمى ..
    فرحمه الله وجعله في عليين..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

X (Twitter)