إن من بني أبينا الشيخ الكبير آدم -عليه الصلاة والسلام- نسائم عليلة مباركة، تزدان بهم البقاع والمجالس والأسر والأزمنة. يراهم المرء فيحبهم من النظرة الأولى، ويتعامل معهم فيرى السماحة ماثلة في كيان إنسان يمشي على الأرض، ويودعهم إذا أضطر لذلك، بيد أن الشوق يغالبه من أجل العودة إليهم من جديد. اللهم كثرهم فينا، واطرح البركة منهم وعليهم، فهم شفاء للأرض من أوجاعها، وهم سعادة تقاوم الأحزان.
فمن هؤلاء الأكارم الوالد الشيخ عبدالله بن محمد بن صالح الضحيان (1368-1447)، الذي توفي يوم أمس الثلاثاء، وصلي عليه عصر اليوم بجامع الشيخ محمد بن عبدالوهاب في بريدة بالقصيم، وبها دفن، في جنازة مزدحمة بأصناف المشيعين من الأقارب والجيران والأصدقاء ومن ساقهم للمشاركة موقف واحد مع الراحل العزيز، فاللهم اكتب أجره، وارفع درجته، وأحسن وفادته، وألهمه حجته، وثبته بالجواب الصواب، وآنسه في ليلته البرزخية الأولى فما بعدها.

امتاز الشيخ عبدالله بعلو الكعب في أسس باسقة وتفاصيل لافتة. فمن هذه الأسس أنه اتخذ من السماحة منهج حياة يشهد له به من عرفه وتداخل معه بعمل أو جوار أو سفر أو زيارة. إن السماحة في النفس تأتي من سلامة أعماق الداخل؛ ولذا استحق صاحبها الدعاء من الجناب الكريم بالرحمة، وخصّ بها حال البيع والشراء، وربما أن هذا التخصيص لأن المبايعات دائمة لا تنقطع، والتشاح والتشاحن إليها أقرب من أي عمل آخر.
ومن التفاصيل أنه غمر بعطفه وشمل بعنايته كل من حوله من قريب وبعيد، وصغير وكبير، حتى أنزله أبناء الجيران منهم منزلة الأب الشفيق الناصح. ليس هذا فقط، بل أفاض بتحنانه السابغ ولطفه البالغ على العمالة الوافدة، وهم فئة قلّما ينتبه لهم الناس، وما أكثر ما يقع عليهم الزجر والتدقيق. وقد زان أبو علي ذلك كله بروح دعابة تلقائية غير مفتعلة ولا جارحة، فكست هذه الدعابة هيبته حلاوة، وزادت من مكانته الرفيعة مكانة.
كما لاحظنا ولاحظ من عرف الشيخ تلك العلاقة السلسة له مع أبنائه وأحفاده، حتى صاروا له في مشيبه أبناء وإخوة وأصدقاء، يرتحلون معًا، ويتمازحون، وتجري حياتهم على التطاوع والتعاذر، ويفهم بعضهم بعضًا في نموذج من التوازن والتمازج قد يفقد إذا كبر الأب وكثرت أعمال الذرية، وقد امتن المولى على آل الضحيان بتلك السمة السامية، وهاتيك الخصلة العالية التي يساق لتحصيلها كرائم المال.
كذلك حافظ الشيخ على صحبته القديمة والمتجددة، ووثق علائقه معهم بالسفر، والاشتراك في قرب وطاعات وخيرات، وكان لا يتردد في أسفاره فيطبخ لمن معه، وتترافق معه فضيلة الضيافة حتى وهو بعيد عن منازله في دياره. ومن لطيف ما سمعته أنه دعى جيرانه وأعيان الموضع الذي نزل فيه بسورية إلى العشاء، وأدخلهم على مائدة عامرة بالأكلات الشامية، ووضع معها قدر “مطازيز” طبخه بنفسه؛ فأُعجب أضيافه جدًا بهذا الصنف السعودي، وسألوه ما اسم هذا الطعام؟ فأجابهم: مطازيز، فقالوا له بلهجتهم: شو ما ألذ طعمه وأبشع اسمه! هذه القصة تدلنا على مبالغته في الإكرام، وحرصه على الطبخ بنفسه، وتعريف الآخرين بشيء من ثقافة دياره وأهله، وينافس بصنف من المائدة السعودية عدة أصناف شامية، ولا يخفى ما يبرز ضمنها من حسن أحدوثة وحسّ دعاية.
ولدى الشيخ الضحيان ترحيب حقيقي صادق بالقادم لمجالسه وبيوته ومناسباته، وعنده صبر على لواء الدنيا ونوازلها، تجلّى ذلكم الصبر عندما رحل أحد أنجاله فجأة، وحين دهمه المرض الشديد فما جزع ولا إلى الضجر استكان. ومن تقدير الشيخ لمن أحبهم، ولصحب ولده، أنه سافر إلى مصر لتعزية صديق حبيب في وفاة أخيه، ولمساندته وتخفيف هول فراق الأخ عليه، ولم يكتف باتصال عزاء ومواساة.
ثم إن الله قد وفق شيخنا لعمل الخير ما ظهر منه وما بطن، وأعانه على حسن تربية الولد، وصحبة الزوج، وصلة القريب، والتعبّد الطويل بتأله ومصابرة، ولعل هذا ما جعل عدد القادمين لجنازته كبيرًا، وفيهم من جاء من داخل المملكة، ومن بلاد عربية، ومنهم من أتى من سمرقند قاطعًا رحلته الاستجمامية، وجميعهم أراد وداع الشيخ الأنيس المضياف، والابتهال له على شفير قبره، وسؤال الرب له الثبات والنجاة.

غفر الله لأبي علي، وأدام آثاره الطيبة من علم وعمل وصالح الولد الذي يدعو له فلا يكل ولا ينقطع ولا ينسى. غفر الله لأبي علي الذي كان في ذاته متساميًا عليًا، وفي أعماله متسامحًا عليًا، وفي ذريته الباقية عليًا وأبًا لعلي. والله يجعله مع أمثاله من القدوات الخيرة الطيبة التي تعاصرها الأجيال، وتُروى مآثرها لمن بعدهم، فيكون لهم الأجر مستمرًا، حتى يستقر الواحد منهم في رحمة الرب الرحيم، في جنان عالية.
ملهم- الأربعاء 09 من شهرِ ربيع الآخر عام 1447
الأول من شهر أكتوبر عام 2025م
7 Comments
غفر الله له ورحمه التقيت به أثناء عارض صحي ألمَّ به جراء سقوطه من علو في أحدى البنايات تحت الانشاء ولم تكتمل
وكان رحمه الله يروي قصة الابتلاء التي حصلت له بعين الرضا التام والشكر للمولى على قضائه
بين كل لحظات القصة وانتقاله من حدث الى آخر يفصل بكلمة ( اللهم لك الحمد ، وعندما أراد الله اللطف بي ) كان كذا وكذا وهذا من لطف ربي ، تعجبت جداً من تلك اللغة الشاكرة الحامدة وذلك الرضا العجيب في قسمات وجهه مشاهدةً وليس عبارةً تقال عابرة
ذلك الموقف تخلد في ذاكرتي فأصبحت أرويه في مجالسي عضةً وعبرةً ووعضاً لي ولمن حولي
مُسنٌ يقع من أدوار عليا وتتكسر عظامه وتطول فترات علاجه ويتعطل عن الحركة
ومع ذلك يحمل ابتسامةً نورها يدخل القلوب ويعض العقول الغافلة عن نعم الله وشكرها
قدوةٌ ندُرت وألماسةٌ أضاءت بما يجب عليه أن يكون المؤمن مُشعاً بالرضا بأقدار المولى جل وعلا
رحمك الله أبا علي وأسكنك الفردوس من الجنة وأرضاك ورضي عنك وأنالك ما تأمله منه وتدعوه به وجمعك بأحبابك ومن أحبك وأحب سيرتك على سرر متقابلين بجوار النبي محمد صلوات ربي وسلامه عليه
جزاكم الله خيرا كاتبنا الآسر. موقف عظيم
اسأل الله العظيم رب العرش الكريم ان يغفرله ويرحمه ويجعل قبره روضه من رياض الجنه ويسقيه شربة هنيئة مريئة من يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يظمأ بعدها
في عام ٢٠١٧ ميلادي اكرمني الله بالحج مع ابوعلي وأولاده الكرام وكنت جالس بعرفه على الارض وتحركت كي اتناول كرسي اجلس عليه فتفاچأت بأبوعلي يضع يده على كتفي ويقول : ءأمرني انا بخدمتك وانا بالنسبه لعمره من جيل احفاده
ووالله انه هرول واحضر عدة كراسي فوق رأسه ليجلس عليها الحجاج
ومواقف كثيره اخرى
منها
انه زارنا في الاردن واصر ان يطهي الطعام بيديه لنا واشهد بالله انه كان يحافظ على النعمه ولا يحب التبذير والبذخ وكان لا يقبل عزيمه اذا كان فيها اسراف وتبذير
الله يرحمه ويغفر له
ويجعل اهله بخير
رحمه الله، وشكرا لكم أخي سهيل على هذه المشاركة التي تمثل شهادة معاين.
رحم الله الوالد الغالي الشيخ عبدالله الضحيان أبا علي وأسكنه فسيح جناته ورفع درجاته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
فقد كان رحمه الله مثالا في السماحة واللين محبا للخير متاجرا مع الله.
جلست معه مرات فلمست فيه عطف الوالد رحمه الله..
نحسبه والله حسيبه أنه لقي ربه صابرا محتسبا.
فرحمات الله عليك تترى والدنا الحبيب اللهم باسمك الكريم الأكرم أكرم وفادته.
اللهم آمين
خفق الجنان .. في رثاء أبي علي ؛ عبدالله الضحيان
سقط السراج فغابت الانوار
وبكت ربيبَ الجودِ تلك الدار
والحزن خيم .. والمكارم اُغلقت
وعلى الفقيد دموعنا مدرار
فهو الذي بالفضل يطلق كفه
ومكانهُ للمعوزين مزارُ
وهو الذي جمع الفضائل كلَّها
يعلوه نصحٌ صادقٌ ووقارُ
عفُّ اللسان .. موفقٌ ذو حكمة
طلق المحيا .. باذلٌ .. مِنحارُ
سمحٌ .. خفيفُ النفس يُسعد ضيفه
يهذي بأفعال الفقيد الجارُ
ما قد رأيتُ كمثله متواضعا
يهفو إليه مع الكبار صغارُ
ما استرّ في موتِ الكريم سوى الثرى
اذ ضمه فتفتحت أزهارُ
أأبا علي والمدامعُ حرّةٌ
والفكرُ بعدك تائه محتارُ
إن غبتَ عن عينِ العيانِ، فإنما
تبقى السجايا، والحديثُ منار
ذكراكَ في كل القلوب منارة
فكأنّها وسط الظلام فنار
اأبا عليٍّ، هلْ تموتُ مآثرٌ
زكتِ الجذورُ، فطابت الأثمارُ
ما ماتَ مَن جعلَ المكارمَ سيرةً
تُروى، وتُتلى في الورى أخبارُ
يارب جاءك عابدٌ .. متشهدٌ
متفائلٌ .. ومؤملٌ .. صبّارُ
لم يشكو من ألمٍ ؛ ولم يجزع له
فأنيسه القرآن والأذكارُ
فاقبله يارحمن واجعل داره
في جنة من تحتها الانهار
محمد بن سليمان الضالع
بريدة – الجمعة 12 / 4 / 1446هـ
الموافق / 4 /10 / 2025م