إدارة وتربية سير وأعلام مواسم ومجتمع

أبعد الإخوة قبورًا!

علاقة الإخوّة لا تكاد أن تشبهها علاقة؛ إذ يجتمع الإخوة في الأبوين أو بأحدهما، ويعيشون زهرة العمر معًا، ويقضون سني الطفولة والمرح متجاورين متشاركين، ومرحلة الشباب والجرأة متشاكسين أو متآلفين، ويدلفون لعالم النضج حاملين تلكم الآثار وما صنعته من مهارات وآمال. لقد أمضوا سنواتهم الأولى والأهم وهم حول بعضهم، يعرف الواحد منهم صاحبه أكثر مما يعرفه أبوه وأمه أحيانًا. هي علاقة ممتدة بالانتساب لأصل واحد حتى لو افترقت الأجساد، وإنه لحبل لا ينقطع البتة.

وآهٍ بل ألف آهٍ من مغادرة أول أخ لهذه الدنيا؛ إذ يحضر يومه الفاجع كل إخوته، وآهات تتلوها آهات عندما يرتحل الأخير وليس على ظهر الأرض أخ يتوجع له! وقد قرأت فيما مضى أن أبعد قبور إخوة في الجاهلية كانت لهاشم، والمطلب، وعبد شمس، ونوفل، أبناء عبد مناف، ثمّ أصبحت أبعد قبور إخوة في الإسلام قبور عبيدالله، والفضل، وقثم، وعبدالله، أبناء العباس بن عبدالمطلب، رضي الله عنهم وأرضاهم.

أما الأربعة الذين في الجاهلية فهم أصحاب الإيلاف الذين رفع الله بهم قريشًا، وجعل تجارتهم رابحة، وأفضالهم على العرب ظاهرة. كان هاشم يؤلف “قيصر” ملك الشام؛ إذ أخذ منه عهدًا يأمن به في تجارته إلى الشام هو وقومه، وأخذ أخوه عبدشمس العهد نفسه من ملك الحبشة. أما المطلب فاستطاع الظفر بهذا العهد من ملوك اليمن، ونجح نوفل في الحصول على التأمين من “كسرى” ملك فارس. وبذلك استجلب هؤلاء الإخوة الأمان والتأليف والإجارة والخفارة لتجار قريش الذين يختلفون إلى الأمصار بحرية وضمان وبلا خوف، وأفاد من هذه المزايا من جاء معهم في رحلتي الشتاء والصيف، حتى سمي هؤلاء الإخوة بالمجيرين، ومدحهم الشاعر بقوله:

يا أيها الرجل المحول رحله

هلا حللت بآل عبد مناف

المنعمين إذا النجوم تغيرت

والظاعنين لرحلة الإيلاف

من اللافت في هؤلاء الإخوة الأربعة أن هاشمًا هو جدّ الجناب الكريم صلى الله عليه وسلم، وإلى عبدشمس يرجع بنو أمية الذين آلت إليهم الخلافة بعد نهاية عصر النبوة والخلافة الراشدة، وأصبح من ذرية المطلب أحد مجددي الدين وأكابر العلماء والفقهاء المتبوعين، وهو الإمام الشافعي رحمه الله. وما أعظم الفضل والمجد الذي تسلسل منهم لقومهم في الجاهلية وبعد الإسلام، والناس معادن، والخير متوارث، وبه تبنى العراقة.

وحين شاء الله أن تنزل بهم مصيبة الموت، توفي هاشم في “غزة” بفلسطين حتى نسبت إليه، ومات شقيقه عبدشمس في مكة ودفن بالحجون، وكان أخوهما المطلب أكبر ولد عبد مناف، ويسمى الفيض، وهلك في “ردمان” باليمن، وأما الأخ الرابع نوفل فقد توفي بمكان اسمه “سلمان” على طريق العائد من العراق لتهامة، وكان قافلًا من رحلة تجارية إلى تلك الأنحاء. وهذا يعني أنهم ماتوا في جميع جهات بلاد العرب تقريبًا، في الشام، والعراق، والحجاز، واليمن.

وأما الأربعة الذين في الإسلام من بني العباس بن عبدالمطلب، فهم عبيدالله الجواد الكريم المضياف المطعم للصائمين وغيرهم، وقد توفي بالمدينة، وأخوه الحبر العالم عبدالله الذي توفي بالطائف، وهو آخرهم وفاة، وهو جد مؤسسي دولة بني العباس. وكان يقال بأن بيوت بني العباس هي غاية مطلب الناس؛ فعبيدالله يطعم ويكرم، وعبدالله يفيض على الزوار من علمه الغزير في الدين واللغة والشعر والنسب وأيام العرب، وذلكم لعمركم الفخر وأي فخر.

كما شاء الله العزيز الحكيم أن تدرك المنية الفضل بن العباس -وهو أكبر إخوته- في الشام على اختلاف بتحديد السنة والمكان، ولم يعقب إلّا بنتًا واحدة، وتوفي قثم في سمرقند في أوزبكستان حاليًا بعد أن بلغها مع الجيش الفاتح، وهو من أشبه الآل بالنبي عليه الصلاة والسلام، وآخر الناس عهدًا بمقامه الكريم؛ فهو آخر من خرج من قبره عليه الصلاة والسلام، ومات قثم دون أن تكون له ذرية، والله يرفع درجاتهم عنده، فقد كانوا من أقرب الآل للنبي عليه الصلاة والسلام، وكم من مرة ومرة أردفهم وأوصاهم أو صرف وجوههم عن الفتن. وللعباس أولاد آخرون ماتوا في إفريقية، وقيل: ينبع.

وقد قيل: ما رأيت مثل بني أم واحدة أشرافًا، ولدوا في دار واحدة أبعد قبورًا من بني العباس: عبدالله بالطائف، وعبيدالله بالمدينة، والفضل بالشام، ومعبد وعبد الرحمن بإفريقية، وقثم بسمرقند. وأم أولاد العباس الستة: الفضل وعبدالله، وعبيدالله، ومعبد، وقثم، وعبدالرحمن، هي أم الفضل لبابة الكبرى بنت الحارث، وفيها قال عبدالله بن يزيد الهلالي:

ما ولدت نجيبة من فحل

كستة من بطن أم الفضل

يا له من توافق عجيب بين أجيال أسرة واحدة، وقد دفعني لكتابة هذا المقال فائدة ذكرتها لصحب كريم، ونحن بجوار أحد هذه الأماكن البعيدة. وسيبقى التاريخ حافلًا بأمثلة من هذه الروابط الأخوية التي يجب بعثها لتقوية التماسك بين الإخوة وعموم القرابة، هذه الروابط التي نالت بها الخنساء الشهرة والخلود بعد أن برعت بشعر التفجع على أخيها صخر، وحفظت لمتمم بن نويرة مرثياته الموجعة لأخيه مالك، حتى أن عينه العوراء فاضت بالدمع بعد أن يبست عقودًا متتالية، والأمثلة كثيرة كثيرة. إن الإخوّة علاقة صلابة متينة تقود لعلائق مثلها في الصلابة والثبات داخل كيانات العائلة والأسرة والمجتمع، والواجب رعايتها حق الرعاية، فهي أحد أسباب القوة والتآلف.

ahmalassaf@

أوزبكستان- سمرقند- ليلة الثلاثاء 08  من شهرِ ربيع الآخر عام 1447

30 من شهر سبتمبر عام 2025م

Please follow and like us:

4 Comments

  1. ما أبهى هذا المقال ..
    وما أرقى هذا الحضور ..
    الذي يجمع التاريخ بالعبرة ..
    والعلم بالعاطفة النبيلة ..

    كتبتَ من سمرقند ..
    وكأن روح المكان باركت القلم ..
    فأنطقت مداده بالحكمة والحنين ..

    حديثك عن الإخوة ..
    يوقظ في النفس مشاعر الوفاء ..
    والصلات التي لا يقطعها غياب ..
    ولا يحدها مكان ..

    جزى الله الكاتب خيرًا ..
    على هذا النبض الأصيل ..
    والبيان الذي يَسري دفئه إلى أعماق القارئ .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

X (Twitter)