يشيع عند بعض العارفين بالتاريخ فضلًا عن عامة المثقفين أنه يمكن تقسيم رجال الدولة إلى قسم لا يصلح إلّا في المجالات السلمية الصرفة، وقسم آخر ميدانه الأوحد في القتال والشؤون الحربية فقط، ولربما أن هذه الفكرة طغت متناغمة مع عصر التخصص الدقيق الذي نعيشه حتى غدت شبيهة بالمسلّمات. ولا بأس من التخصص ففيه تركيز وإبداع، وإنما الإشكال في التعميم الذي لا يستند إلى برهان قطعي، ومن إشكالاته إغفال نماذج قديمة وحديثة جمعت بين الأمرين معًا، فكان الواحد منهم بارزًا مقدامًا في ساحات الوغى، حتى إذا استقر به المقام على كرسي المنصب المدني أبدع وأتقن وأجاد.

والأمثلة على هذا الطراز كثيرة جدًا في القديم والحديث، ومن حضارتنا العربية الإسلامية وفي غيرها من حضارات الشرق والغرب، وقد يستطيع القارئ حصر بعض الأسماء القريبة من ذاكرته التاريخية دونما بحث أو استقصاء، حتى لو اختلف الناس في منح الصفتين لشخص ما، فتباين الآراء أمر طبيعي، لأن زوايا النظر، وصحة المقاييس ودقتها، والمنطلقات الثقافية، والمعايير الأخلاقية، ليست واحدة بين أبناء آدم، هذا غير ما يحتف بجوانب الموضوعية من نقائص وشوائب وتحيّز قلّما يسلم من آثارها إنسان مهما حرص وأنصف.
فمن أولئك الذين حباهم الله الصفتين معًا الملك عبدالعزيز الذي كان رجل دولة حربي في إقدامه وإحجامه، ورجل دولة سلمي في إدارة الدولة، وبناء الأجهزة الحكومية، وصنع العلاقات مع الجوار ومن وراءهم. وفوق ذلك كان رجل دولة في اصطفاء الرجال وانتقائهم، سواء للمعارك، أو للمفاوضات، أو لإدارة البلاد، أو للتمثيل الخارجي، أو للوكالة التجارية، أو لأي شأن من أعمال الدولة، وهذا الملمح من سيرة الملك المؤسس جدير بأن يُفرد بالدراسة من ناحية كيفية الاختيار، وتحويل الأعداء إلى حلفاء، وحسن استثمار القدرات والمواهب، واستقطاب الكفاءات العربية والدولية، والتغاضي عن الماضي والزلات.
لذلك تبرز شخصيات عديدة ضمن فلك الملك إبان مراحل بناء الدولة، وفيهم أسماء رافقت مسيرة الملك في الحرب والتأسيس، واستمرت معه إلى اكتمال البناء والتوحيد. ومن الشخصيات السعودية التي عملت مع الملك عبدالعزيز في الحرب والسلم عقب عودته إلى بلاده واستعادته الرياض سنة (1319=1902م) إلى أن توفاه الله عام (1373=1953م)، ثمّ واصل العمل مع أنجال الملك من الملوك والأمراء، شخصية فذة ذات مناقب ومآثر لم تمحها الأيام، أو يطمسها توالي السنون.
وعن هذه الشخصية جاء هذا الكتاب بعنوان: “فهد بن زعير:يبرة رجل في مسيرة دولة”، تأليف الأستاذ حميد بن محمد الأحمد. وقد أحسنت ذرية الأمير الراحل فهد بن زعير حينما تنادت إلى جمع سيرة جدهم، وتوثيقها بالرواية الشفهية، أو من خلال الوثائق المحفوظة لدى الأسرة أو في المكتبات ودارة الملك عبدالعزيز، إضافة إلى مراجعة الكتب المؤلفة حول تاريخ المملكة العربية السعودية ورجالاتها، ومعارك الملك عبدالعزيز، ومرويات توحيد البلاد خلال أزيد من ثلاثين سنة في النصف الأول من القرن الهجري الرابع عشر؛ ففي منهجهم الموفق يتكامل الوفاء والإحسان مع البّر بالآباء والأسرة، وبالبلد ورجالاته وتاريخه، وبالثقافة وعلم الرجال والتاريخ.

وللأمير ابن زعير الذي التحق بالعمل مع الملك عبدالعزيز سنة (1321) مشاركات حربية خلال ثلاثين عامًا ابتداء من سنة (1322) في معركة عنيزة التي تُعرف عند أهلها بسنة السطوة، واستمر كذلك إلى إعلان توحيد البلاد عام (1351)، ولربما أنه لم يتخلّف عن أيّ معركة مهمة حدثت بين هذين العامين مما يدل على إخلاصه الشديد، والتصاقه الصارم بفكرة الدولة، وولائه الكبير لها، وثقته العالية بزعيمها، ذلك أن النفس غالية على صاحبها، ولا تُبذل النفوس والمهج إلّا لأجل أمر أسنى وأغلى وأسمى يستحق خوض المخاطرة التي من احتمالاتها القتل أو العطب.
كذلك له مشاركات مدنية من خلال إمارة بلدان عدّة في جهات مختلفة من البلاد إن في جنوبها أو غربها أو وسطها أو في جنوبها الغربي مثل القنفذة وجازان ورنية والأفلاج التي ألقى فيها عصا التسيار من العمل الحكومي لمدة تزيد عن نصف قرن. ولا ريب أن الحاكم الإداري يمارس من الأعمال التنموية والإدارية والمدنية العظيمة ما لا يخفى خاصة زمن التأسيس في دولة حديثة ناشئة. ولا يمكن نسيان أعماله السياسية المشهود لها بالبراعة أثناء المشاركة الفاعلة ضمن أزمان الحروب في إدارة عمليات التفاوض على الحدود اليمنية، وفي التعامل مع بعض جيوب التمرد.
ومما امتاز به الأمير فهد بن زعير الشجاعة والإقدام، وتبين ذلك بجلاء من كثرة المعارك التي شارك فيها حتى لكأنه لم ينزع عن نفسه لباس الحرب إلى أن اكتمل المشروع السعودي تمامًا. ومنها حكمته وحسن تقديره للأمور، واتضح ذلك في آرائه المدنية وتطبيقاته العملية إبان إمارته للمناطق، أو في مشاركاته التفاوضية مع الخصوم ومثيري العصيان بدبلوماسية وروية، ولأجل هذه الخلال الرفيعة أضحى الرجل مقربًا من الملك عبدالعزيز، وموضعًا لثقته، ومن تتبع طريقة الملك عبدالعزيز في تقريب الأعوان، واستعمالهم، سيجزم بأن الأمير فهد بن زعير حظي بمكانة معتبرة لدى ملك البلاد وجامع أطرافها المتباعدة في كيان واحد.
إن أولئك الرجال الذين تمثل شخصية الكتاب نموذجًا صادقًا لهم، لشخصيات أبت على نفسها أن تعيش في شتات من الأمر، واختلاف في الكلمة، وخوف عند السفر والحضر، فآلت أن تشارك بما تستطيعه من قوة الجسد، وعمق التفكير، ووفرة المال أو الخيرات، لأجل إنجاح المشروع الذي قاده الملك عبدالعزيز، وغايته ضم أرجاء البلاد وتوحيدها تحت راية الشريعة، وبقيادة الملك وأنجاله وأحفاده، وإنه لمشروع عظيم مرتبط بفكرة سامية شريفة، والله يكتب له دوام البقاء المتين الرشيد، ويحرسه بعينه وركنه وقوته.
ولا يفوتني في ختام هذا التقديم الإشادة بهمة أحفاد الأمير؛ إذ لم تحل ندرة المصادر، ووفاة غالب الشهود، وفقدان بعض الوثائق أو صعوبة الحصول عليها، دون نشاطهم لبعث سيرة جدهم من جديد، وكتابتها في عملية استحياء تاريخي صائب نحتاج لمثلها حتى تعلم الأجيال عن رموزها السابقة، وعمّا عاناه الأجداد وقاسوا منه في سبيل إتمام المشروع الكبير القائم على تحكيم الشريعة، ونشر العدل، وبسط الأمن، وطاعة أولي الأمر بالمعروف. ولو نهض كلّ أناس بإرث أوائلهم التاريخي والعلمي لاجتمعت لنا مكتبة ثرية ضخمة تضاف لما هو موجود فترفده، وتكمل أجزاء الصورة، أو تزيد في وضوح الرواية، وتعين على كمال الفهم، وتيسير الشرح.

ومما يلفت النظر، ويستوجب التوقف، أن ذرية الأمير ابن زعير من أبناء وأحفاد فمن بعدهم، واصلوا مشوار الجدّ في خدمة الحكومة والمجتمع عبر عملهم في قطاعات عدةّ، وتلك ذرية بعضها من بعض، ولا ريب لدي بأن من عراقة الأسر الثبات على مكارم أسلافهم وسابقيهم، والزيادة عليها، وهذا عين ما صنعه ويصنعه أبناء هذه الأسرة وبناتها كافة في ميادين متنوعة، وقد وضعوا نصب أعينهم ابتغاء الأجر، وخدمة البلاد رسميًا وشعبيًا، وإحياء مآثر السابقين وأعمالهم الجليلة.
كذلك أسجل الشكر والثناء للباحث المؤلف الأستاذ محمد بن حميد الأحمد على استفراغه الوسع في البحث، والسؤال، وجمع مادة الموضوع، ثمّ رصفها في سردية واحدة، وتضمين التحليل والدروس في السياق وبثها داخل المضمون، ولاريب بأنه عمل مجهد بسبب ما أشير إليه آنفًا من الشح في المراجع، وغياب كثير من شهود العيان، وفيما تمّ بلوغه خير وبركة، ولربما يتوافر لدى الباحث أو ذرية الأمير ما يمكن أن يُضاف مستقبلًا في طبعات جديدة، ذلك أن ظهور هذا الكتاب كفيل بحفز الآخرين لإشهار ما لديهم من وثائق وروايات.

وأسأل الله أن يمتن برحمته وعفوه وغفرانه لأولئك الرجال العظماء الذين صرفوا زهرة العمر لتحقيق الأمن والأمان، وإشاعة الخير والإيمان، والتمكين للأجيال الجديدة بعد تمهيد الأرض لهم، وإزالة المنغصات واجتثاث المشكلات، فكل رغد نعيش فيه، وكل طاعة ننعم بها، وكل منجز وجد على هذه الأرض، يكون لهم فيه يد وسابقة وفضل، حتى وإن انتقلوا إلى الدار الآخرة منذ عقود أو قرون، وتقدير المثوبة والجزاء عند الله الكريم العزيز، ولا يظلم ربك أحدًا.
الرياض- الثلاثاء 17 من شهرِ جمادى الأولى عام 1443
21 من شهر ديسمبر عام 2021م
- كتب هذا المقال تقديمًا لهذا الكتاب.